مكافحة البؤس.. أم مكافحة البؤساء .. بقلم: ناجي شريف بابكر
10 يوليو, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
97 زيارة
.
.
“إن ما يدفعهم لإضطهاد الناس حتي الموت هو الإحتفاظ بمجوهراتهم وأوارقهم المالية، وكل ذلك المتاع البائس الذي يمكنهم من التسلَّطِ علي الناس. إنهم لا يدافعون عن حياتهم حينما يقتلون الناس ويشوهون أرواحهم، ليس ذلك في سبيل ذواتهم، بل في سبيل مقتنياتهم الثمينة يفعلون كل ذلك”
مكسيم غوركي “الأم”
..
وزيرة الرعاية الإجتماعية بالخرطوم تستنجد بالمشرعين والسلطات لمجابهة المتسولين والمشردين من خلال سن قوانين وإجراءات رادعة ضد المتسولين الذين أعيوها وأعيوا المدينة. في خلط صريح ومعيب ما بين الرعاية التي تطلع بالعناية ونجدة الضعفاء وأصحاب الحوجة، وما بين الردع الذي ينحى لإستخدام القوة القاهرة وغير المتكافئة لإسكاتهم ومواراتهم عن الأعين أو إحالتهم للعدم.. فالأولي في باطنها الرحمة والثانية في ظاهرها العذاب.. لم لا ينبئنَّ أحدُكم تلك السيدة التي تولت أكثر المناصب حساسية وتؤدة وأكثرها تأسيسا علي الرأفة والعدل، بأن جيوش الردع لا تُجرّدُّ في مواجهة المتسولين والسابلة، ومن في شاكلتهم من الضعفاء وعديمي الحيلة، إنما في مواجهة أسباب التسول.. ولا تجرد في مواجهة المشردين وذوي الحاجات، إنما في مواجهة تشردهم ومنابع بؤسهم وحوجتهم، بل في مواجهة من يصنعون أسباب المعاناة ويعمّقون موارد الفقر والفاقة.
.
كان الأولى بالوزيرة ان تترك الردع لمن صِنعته الرميَ والردع والشكيمة، وما أكثر ما لدينا منهم ومن بأسهم، كان الأولى أن تتركه لقوات الشرطة ولقوات الشعب المسلحة وقوات الدعم السريع، وقوات مكافحة الشغب، وقوات حرس الحدود وحرس الصيد، وقوات الدفاع الشعبي، وقوات الأمن والمخابرات، وقوات خفر السواحل والقوات السودانية التشادية المشتركة، أن تترك الردع لهم، وأن تكتفي هي بمهمتها النبيلة وما عليها من واجب الرحمة واللين والرعاية، أن تتفرغ هي لرعاية المشردين والمعدمين والمتسولين، إيواءهم والسعي في حاجتهم وتوفير ضرورياتهم الملحة، لإطعامهم من الجوع ولجلب الأمان والسكينة لهم..
.
فإذا ما حدث المحذور وقامت تلك القوات الكاسرة الكثيرة، بردعهم وقصم ظهرهم كما فعلت ريو دي جانيرو بمشرديها وبؤسائها المتسكعين، وإذا لم يعودوا كما كانوا هناك. وتحقق للوزيرة ما تريد، فلم تشرق شمس الخرطوم ذات يوم على المتسولين والسابلة والبؤساء.. فلن تجد الوزيرة علي مكتبها ما تفعله، ماذا تبقي لها إذن من مهام تنجزها في مقابل مخصصاتها.. ماذا تبقي من مهام لوزارة الرعاية الإجتماعية؟ فالردع أكثر فعالية في القضاء علي الفقر من إطعام الجوعي منهم وإيواء المحرومين.. هل يا ترى ستعمل الوزارة بعدئذ في تسخير مواردها لتوفير الرعاية لأثرياء المدينة؟ هل يحتاج الأثرياء إلي رعاية؟ أم ستقوم بوفوراتها بتشييد مسجد فخم، مرصع بالعاج والنحاس الأصفر وماء الذهب، يليق أكثر ما يليق بهم، في إحدي أحياء المدينة الراقية. لكن أي المسؤوليات غير ذلك ستطلع بها الوزارة حينئذ؟.. أتساءل أنا كما تساءل أحدهم عن مسؤولياته من قبل ببراءة كاملة، وكأن المهام ظلت على الطاولة تقبع في إنتظاره عشرون عاما.
.
كونهم أجانب أو معاقين إعاقة ظاهرة متعمدة، من قبل مجرمين محترفين وتجار بشر، لا يعفينا ذلك من واجب إطعامهم وتوفير الطعام والمأوي للمتسولين منهم ولعابري السبيل، حتي يبلغ الواحد منهم أشدّه ومأمنه. ليس ذلك فحسب بل أنها تحتم علينا العمل علي خلاصهم وتخليصهم من غاصبيهم من تجار البشر كما يدعي بعض المدافعين عن الوزيرة، إن كان لذلك الإدعاء ما يسنده، في أن البعض من هؤلاء المتسولين تديره شبكات من المحتالين، وتنزع أطرافه. فإن تصيد سيارات المحتالين وعتادهم أسهل على القناصين من تصيد أطفالٍ هزيلي البنية مبتوري الأطراف، فالأهداف الكبيرة دائما أولى بالقصف (Big Targets are Easy to Shoot). فلسوء حظ الوزيرة أن الآيات لم تبين لنا جنسيات المتسولين الأولي بالرعاية، من أولئك الذين هم أولى بالردع، تماما كما لم تبين الآيات لبني إسرائيل ألوان بقراتهم إلا بعد إلحاح، كأنهم من حذرهم وتقواهم يبرأون إلي الله ألا يذبحون سواها.
.
لسنا نحن في السودان الوحيدون الذين يستكثرون الرحمة ويضنون بها علي المتسولين، المقيمين منهم والوافدين وعابري السبيل. فخلال شهر رمضان المنقضي للتو، قامت دولة خليجية نفطية مترفة بوقف منح أذونات الدخول للسودانيين فوق سن الستين، وذلك لتكرار ظاهرة متسولين مسنين من هذه النواحي، وليس السودان بإستثناء علي أية حال، كانوا قد درجوا على إنتهاك المساجد فيها، كيما يلحّون علي المصلين طلبا للإحسان والعطايا كل عام جديد.. لماذا لم تقم الوزيرة، وزيرة الرعاية، برعايتهم وحمايتهم من المثقبة وحرج السؤال، فليسوا بغرباء ديار هذه المرة ؟.
.
لو كانت الوزيرة ترعي متسوليها وتؤوي مشرديها بما يليهم من أموال الزكاة التي تُهدرُ في غير مصارفها كل عام، لما ضرب متسولونا البحر يطرقون علي الخليج أبوابه المذهبة، يسألون المواطنين ويعِزُّون عليهم في الخطاب، لو كانت الوزيرة ترعاهم وتنافح عنهم ضائقة الفقر والعوز، لقضوا في مكان ذلك أيامهم ولياليهم وهم سعداء قانعون أمام ديوان الزكاة وباب الوزيرة المسؤولة عن رعاية المعدمين، وعيونهم تبرق بالأمل والرجاء، بدلا من ركوب البحر وبدلا من أن يقضوا النهار القائظ عند شارات المرور وقوفا فوق الأرصفة الأسمنتية المتسخة الصلبة، وتحت هجير الشمس الإستوائية القائظ يسألون الناس إلحافا.
.
أي الإعتمادات ومن أي بنود الصرف يا ترى ستنفقها الوزيرة وتغدق بها على القوات التي ستردع لها المشردين والمتسولين.. من مصارف الزكاة، أم مما ستصادره من أموال المتسولين ومن محافظهم وملابسهم المهترئة؟.
nagibabiker@hotmail.com