خالد البلولة
في زمن الحروب،لا تُقرأ المقابلات الصحفية بوصفها نصوصًا إعلامية فحسب، بل بوصفها رسائل سياسية وأمنية ونفسية متعددة الاتجاهات. وظهور النور قُبّة، أحد القادة السابقين في قوات الدعم السريع، لا يمكن عزله عن سياق أوسع من التحولات الميدانية والانشقاقات المتتالية التي شهدتها هذه القوات في الفترة الأخيرة. فالمؤشرات توحي بوجود اتصالات ممتدة مع أطراف داخل ميدان الدعم السريع، تبدو أقرب إلى خطة منهجية لاستقطاب شخصيات مؤثرة، كما حدث مع كيكل وقُبّة وآخرين، بما يسرّع من تفكيك البنية الداخلية لهذه القوات وإضعاف تماسكها.
وفي هذا الإطار، أجرت الصحفية لينا هاشم مقابلة مع الرجل في توقيت شديد الحساسية. غير أن المقابلة، في تقديري، بدت أقرب إلى إدارة صورة عامة منها إلى حوار صحفي استقصائي يسعى إلى استخراج المعلومات ومساءلة الضيف بشأن أدواره السابقة وتحولاته الراهنة.
لا شك أن الوصول إلى شخصية من هذا الوزن يُحسب مهنيًا للصحفية، لكن قيمة الحوار الصحفي لا تُقاس فقط بمن تُحاوره، بل بما تنتزعه من حقائق، وبقدرتك على طرح الأسئلة التي ينتظرها الرأي العام.
أولًا: كان الرأي العام ينتظر تفاصيل مهمة، من بينها:لماذا اختار الانشقاق الآن؟ ما حقيقة ما جرى في الجنينة والجزيرة والخرطوم؟ ما دوره في معارك الفاشر؟ما حجم تأثيره الحقيقي داخل الدعم السريع؟ماذا عن الأسرى والمفقودين وماذا عن المختطفات والانتهاكات المتداولة؟ لكن جاءت الإجابات عامة، تدور حول مفردات مثل:الوطن،الحق،الاستقرار، المرتزقة، دون معلومات دقيقة قابلة للفحص أو التحقق.
ثانيًا: بدت لغة المقابلة خطابية أكثر من كونها معلوماتية، إذ امتلأت بتعابير من نوع: تطهير البلاد، بسط الاستقرار، حراس العهد، المرتزقة. وهي مفردات تصلح للتعبئة السياسية أكثر من صلاحيتها لحوار صحفي يبحث عن الوقائع.
ثالثًا: يقتضي الحوار المهني الحقيقي مساءلة الضيف في القضايا التي تشغل الجمهور.لم تظهر أسئلة مباشرة عن الانتهاكات الواسعة،ولا عن المختطفين والمفقودين،ولا عن طبيعة القيادة داخل الدعم السريع، وهي أسئلة كانت ستمنح المقابلة قيمة أكبر.
رابعًا: حملت المقابلة رسائل متعددة، من أبرزها:أن باب العودة والانشقاق مفتوح لمن يرغب وأن التصدعات داخل الدعم السريع مستمرة وأن هناك قدرة على الوصول إلى شخصيات نافذة داخله.و أن ميزان الحرب يتحرك في اتجاه جديد.كما أن مثل هذا الظهور لا يتم غالبًا دون تنسيق مسبق مع القوات المشتركة وجهات ميدانية معنية لتأمين الانشقاق وضمان انتقال الشخصية وخروجها بصورة آمنة ومنظمة.
خامسًا:بعيدًا عن تفاصيل المقابلة، فإن انشقاق شخصية مثل النور قُبّة يكشف في أحد وجوهه غياب الرؤية السياسية والعسكرية الموحدة داخل الدعم السريع، وتراجع القدرة على الحفاظ على تماسك القيادات الميدانية. فالكيانات التي تمتلك مشروعًا واضحًا وقدرة تنظيمية صلبة، تقل فيها الانشقاقات بهذا الشكل المتتابع.
لم تكشف المقابلة، أسرار الحرب بقدر ما كشفت كيفية صناعة الصورة الإعلامية في زمن الحرب. لقد نجحت الصحفية في الوصول إلى شخصية مثيرة للاهتمام،لكن النجاح الأكبر في مثل هذه الحالات لا يكون بالحصول على الحوار وحده ،بل بقدرة الصحفي على انتزاع الحقيقة من بين ثنايا الخطاب السياسي والعسكري.
فإن ظهور النور قُبّة بحد ذاته قد يكون أكثر دلالة من كل ما قاله؛ لأنه يشير إلى استمرار الاختراقات،وتزايد الانشقاقات، واهتزاز الرؤية داخل قوات الدعم السريع، وهي رسائل ربما كانت أهم من الإجابات نفسها.
dr.khalidbalula@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم