هذا بلاغ للناس
ما دفعني للكتابة اليوم هو ما نشاهد ونرى من فوضى وديماجوجية من قبل الكثير من الأحزاب المعارضة ترتكب تحت شعار ممارسة حرية التعبير باعتبارها ركن أصيل من أركان الممارسة الديمقراطية ؛ ودعوني أقتبس من نظريات مفكري الغرب الذين – إن جاز لي – أنهم استنبطوها من مباديء الاسلام ؛ ولكن حتى لا أتهم بأنني منحاز لمعتقدي فلنسلم جدلاً بأنها غير ” مقْتَبسَة ومُحَوِّرة ” . إن لممارسة الديمقراطية وتحديداً حرية التعبير سقفٌ وضوابط وإلا تصبح هي الفوضى عينها. دعونا نقرأ نتيجة إطلاع وقراءآت في هذا الصدد.
أولاً: لا بد لنا حينما نتحاور في شأنٍ ما ؛ أن نفسح المجال للمتحاورين ونهيء فرصة لحرية النقاش والحوار المفتوح ؛ والتي تؤدي بالضرورة الى دفع الاشخاص باتجاه التأمل المدروس وتمحيص الافكار وموازنتها وتقييمها ازاء التوقعات مما يضيف بمرور الزمن آلية اوتوماتيكية للسيطرة على مايتداوله المجتمع من افكار وافعال من خلال غربلة الممارسات والتأكد من سلامتها وانقاذها من الوقوع في شرك الدوغمائية العمياء( Dogmatism) والفوضى الخلاقة (Creative Mess ) وهذا ماتعجز الرقابة السلطوية المباشرة عن تنفيذه.
ثانياً :نتيجة لهذه الأفكار تتبادر إلى الأذهان بعض الأسئلة التي قد يعتقد أنها تقود لما يسمى التركيز على فردانية الحرية الى تأمل احتمال حصول التعارض بين حق الفرد وحق المجتمع وامكانية تناقض ممارساتهما العملية. ولذا فقد يتبادر الى الذهن الكثير من التساؤلات الهامة من قبيل:
هل هناك حدود لحق الحرية الشخصي؟
هل تتعارض الحقوق الشخصية المختلفةعبر الافراد والزمان والمكان؟
هل يؤدي سعي الافراد في حرياتهم الفردية الى فوضى عامة قد تجسد تعارض الحرية الشخصية مع حرية المجتمع في السعي الى النظام والامن وصيانة الحق العام وحقوق الاخرين؟
هل تتخذ الحرية اشكالا وصيغا ومدياتٍ تختلف باختلاف موقع الفرد السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي؟
ثالثاً :علينا بالرجوع إلى تجارب الشعوب الحرة والى خروج بعض الاقوال والافعال والنشاطات عن حدود الاعراف الاجتماعية العامة المقبولة لدى اي مجتمع، ومرورها عبر جسر حريات التعبير كحملات التجريح والتعرض الى سمعة الاخرين التي قد تصل الى الانتهاكات المبنية على اسس الاحقاد الشخصية والسياسية والعنصرية والدينية والطائفية والمناطقية أو تلك المبنية بموجب تصنيف الناس على اسس العمر والجنس والحالة الزوجية والميول الجنسية.
رابعاً : كما قد تحتمي تحت مظلة الحرية نشاطات المعارضة والتخريب التحريض او التنظيمات والاعمال التي تهدف الى اشعال فتيل الفتنة واطلاق اعمال الشغب وتأجيج العنف والاضطرابات، والاعمال الساعية الى تحريض الناس على الاخلال بالقانون وتعريض حياة الامنين الى الخطر. وخير رد على كل تلك الخروقات هو الاحتكام الى سلطة القضاء المستقل وآلياته الحاسمة شريطة ان تكون هذه السلطة منبثقة عن ارادة الشعب ومخولة بسلطته ومدعومة بمؤسساته لغرض واحد هو توظيف الاساليب الشرعية لحماية المجتمع وصيانة حرياته. المعارضة الوطنية ليست هي التي تنتقد فقط من هو في السلطة لأن السلطة قد نزعت منها ؛ ولكنها التي تطرح حلولاً منطقية وليست تعجيزية أو تكتفي بالنقد السالب وهذا لا يجردها من الهوى والغرض بل وتتهم به وتوصم بعدم الوطنية.
خامساً :من رأي الفيلسوف والاقتصادي الانكَليزي جان ستيوارت مل في معرض قدسية حق الحرية الشخصي في كتابه “حول الحرية” المنشور عام 1859 انه رغم شرعية تفوق رأي الاغلبية على رأي الاقلية في الحالات التي تتطلب رأيا واحدا فانه لايستبعد حصول مايسميه بـ “طغيان الاغلبية” الذي لاينبغي، من الناحية الانسانية، ان يبرر الغاء او مصادرة الحق الشخصي. ويورد مثالا على ذلك فيقول: ” لوافترضنا ان اتفق ابناء الخليقة جمعاء على رأي واحد ضد رأي آخر يتبناه رجل واحد فقط، فان ذلك الاجماع الاسطوري لايعطي ادنى حق لاسكات ذلك الرجل أو منعه من قول مايشاء قوله، ناهيك عن بطلان حق الخليقة في محاسبة اوعقاب الرجل على اختلافه معها”.
سادسا: وقد كان كتاب مل ومايزال من اهم النصوص الكلاسيكية التأريخية في معالجة طبيعة الحرية الشخصية وتحليل شرعية السلطة التي يقرها ويمارسها المجتمع حيال الفرد. وفي هذا الصدد استنبط مل مايسمى ب (معيار الضرر) الذي يقنن مدى حرية الافراد لقول او عمل مايشاؤون بشرط ان لاتؤدي اقوالهم او افعالهم الى الحاق الضرر بالاخرين. على ان مبدأ الضرر هذا يحمل ضوابطَ معينة بين ثناياه، فيفترض بالفرد الذي يطالب بالحرية ان يكون واعيا بما يقول اويفعل، عارفا بحدوده، ومقدرا لمسؤولياته وواجباته تجاه نفسه والمجتمع. وبخلاف ذلك فليس له الحق ان يكون حرا بالمعنى الفوضوي او ان يتوقع بانه مصون فيما يقول ومايفعل دون حساب أوكتاب. كما يجادل مل بأن حرية تعبير الافراد عن دواخلهم تشكل شرطا ضروريا من شروط التطور الفكري والاجتماعي الذي ينشده المجتمع، ويدعم ذلك بسببين جوهريين:
• يزداد استعداد الافراد للتخلي عن التصورات الخاطئة والافكار الضارة والتخريبية عندما يمنحهم المجتمع الفرصة لعرض مافي جعبتهم من افكار ومشاريع ومناقشتها على المكشوف.
• تؤدي فرصة النقاش والحوار المفتوح الى دفع الاشخاص باتجاه التأمل المدروس وتمحيص الافكار وموازنتها وتقييمها ازاء التوقعات مما يضيف بمرور الزمن آلية اوتوماتيكية للسيطرة على مايتداوله المجتمع من افكار وافعال من خلال غربلة الممارسات والتأكد من سلامتها وانقاذها من الوقوع في شرك الدوغمائية العمياء، وهذا ماتعجز الرقابة السلطوية المباشرة عن تنفيذه وتعجز المعارضة التي تدعي الحق الإلهي في الحكم من إدراكه ومماسته ، مما يجعل الاثنان وجهان لعملة واحدة يتفقان في الهدف ويختلفان في الوسائل.!!
هل بعض ” النخب ” المعارضة التي نهلت من الثقافة والفلسفة الغربية قرأت هذا ووعته ؛ أم أنهم في طغيانهم يعمهون؟ أم ينتقون ويجتزئون ما عنّ لهم وما وافق هواهم ؟ نحن نحاور ونناقش الحجة بالحجة ومن ذات المنهل!!
متن الحاشية : قال لي قاريء : أنت تكرر نصاً كتبته في ذات المقال في موضعين مختلفين آلا يعد هذا تكرر؟ وإجابتي بسيطة : فعلاً أفعل ذلك متعمداً لضمان سلامة السياق ولعدم التمكين من إنتقائية واجتزاء الفكرة.!! بالمناسبة مصطلح نخب يدل على أنهال بعيدة بعض الشيء بفكرهاوواقعيتها عن القاعدة العريضة للمطحونيين لأن هذه القادة ليست نخباً وإلا لما حتلتْ في القاع وكانت ستكون فوق .. فوق .. والله أعلم!!
abubakr ibrahim [zorayyab@gmail.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم