من أين أتي هؤلاء …. ولماذا لم يذهبوا … بقلم: د. عبدالحليم السلاوي

asalawi@gmail.com

لو كان عليه رحمة الله ما يزال بيننا في حضرة ثورة ديسمبر المجيدة لظل أديبنا الرائع الأستاذ الطيب صالح علي ذات الحال والسؤال ولرأي العجب العجاب …. فقد ظل سؤاله من اين اتي هؤلاء دون أي إجابة … بل ظني ان سؤاله كان سيمضي الي مسافات غير معلومة وغير مفهومة في محاولة مضتية لمعرفة لماذا لم يذهبوا حتي لحظة كتابة هذا المقال ….. أما نحن فقد أمد الله في أعمارنا والحمد لله وما زلنا علي قيد الحياة ومع ذلك لا عرفنا من اين جاءوا …. ولا نجحنا في حصارهم ووضعهم في مواعينهم حتي اللحظة …. بل إن الأمر قد ازداد تعقيدا عندما تجاوزوا مرحلة الإنزواء والتخفي في بدايات الثورة وانتقلوا الي مرحلة الظهور العلني في بجاحة لم يسبقهم إليها أحد من السابقين واللاحقين ومن ثم انطلقوا الي مراحل العمل السري الممنهج لتخريب السياسة والإقتصاد وكل ما هو مرتبط بحياة السودانيين.
بالأمس القريب كنت استمع الي تسجيل صوتي لأحدهم عبر الواتس … لم أصدق ما سمعت … هذا الكائن كان يتباهى وهو في قمة درجات الشماتة أن جسر المنشية قد ذهب الي غير رجعة … ما هذا يا هذا… هل يمكن لهذا الكائن أن يكون قد أنفلق من طينة سودانية تنتمي لأهل السودان … هل يمكن لهذا الكائن أن يكون قد جاء من رحم كنداكي عفيف أومن صلب سوداني كريم … ما ظننت هذا مطلقا.
وبينما أنا علي هذا الحال من الدهشة ولم أكن قد استفقت بعد من ذهولي … وفي خضم ذلك تفاجأت بتسجيل آخر يبعث أحدهم من خلاله رسالة الي اخوانه في التيه والضلال عن تفاصيل ما خططوا له للخروج في مظاهرات أرادوها مليونية والفشل الذي لحق بهم منتقدين التجاوزات المالية ,وتلك هي عادتهم, التي حدثت وأضرت بالمسيرة الراشدة التي كانوا ينوون القيام بها …. عجبي لهؤلاء القوم يزداد ساعة بعد ساعة … بل دقيقة بعد دقيقة …. هل فعلا إعتقدوا أن ما تقوم لجنة إزالة التمكين بكشفه من فظاعات وفساد لم نقرأ عنه في كتب التأريخ القديم والحديث هو مجرد هراء وأن الحقيقة أنهم كانوا في الطهر غارقين وكانوا في الفضيلة منهمكين …. أم هل تري ظنوا أن بإمكانهم العودة مرة أخري حاكمين … حقا .. لله في خلقه شئون.
ما هو أدهي وأمر أن تلك الكائنات ما تزال تعتقد أن ذلك الهوس الذي ملؤوا به الدنيا ضجيجا خلال الثلاثين سنة التي انقضت من حكم الإنقاذ كان حكما اسلاميا وصوروا للناس أن ثوار ديسمبر ومن ورائهم قوي الحرية والتغيير يريدون نزع الإسلام من صدور السودانيين ويريدون كذلك ازالة ومسح الإسلام من بيوت وأحياء وقري ومدن وفيافي السودان … أي عبث هذا وأي مسخرة تلك … هل إعتنق السودانيون دين الإسلام فقط بمجيء الإنقاذ …؟
أيها الإنقاذيون الغارقون في الخيبة والفشل أعلموا جيدا أن الإسلام الذي نزل علي محمد متأصل في نفوس أمة محمد من السودانيين منذ سنين بعبدة خلت كزرع تأسست جذوره في بواطن الأرض السودانية الطيبة … أما فروعه فهي سامقة في السماء تؤانس في كل ليلة تبتل وخشوع القائمين الليل في الأسحار…هذا علي صعيد المتدينين والدراويش المتصوفة … أما علي صعيد السياسة والحكم … فقد كان الدستور الإسلامي قبل الإنقاذ قاب قوسين أو أدني من القبول ممن كانوا يحملون السلاح وأضحي الآن بعد ثلاثينكم المشئومة مرفوضا حتي كمصدر رئيسي للتشريع … أي جرم أكبر من هذا ….
أما لماذا لم يذهبوا …. فذلك هو السؤال الذي رحل أديبنا الطيب صالح قبل معرفة إجابته … لكننا استاذي الطيب صالح … نكاد الآن ندرك الجواب… فقد ظننا وخاب ظننا أننا بعد ديسمبر ملكنا السطوة والقوة واكتشفنا بعدها أننا بلا سطوة … بلا قوة … وبلا ارادة … نحن سيدي الطيب صالح وفي سماحة سودانية متفردة تركنا سلطتي الأمن والدفاع في يد اللجنة الأمنية لتلك الكائنات وارتضيناها نصيرا لثورتنا وتركنا السلطة التنفيذية في يد من لا حول له ولا قوة … نحن مع ذلك … استاذي الطيب صالح نخرج في مليونيات هادرة ونطالب السلطة المدنية بكل شيء ونعود أدراجنا بالوعد بإنجاز كل شيء… نعم … نطالبها بكل شيء ونحن نعلم جيدا استاذي أنها لن تنفذ أهداف الثورة وهي لا تملك غير الإذاعة والتلفزيون … … أستاذي الطيب صالح … لقد بلغنا من سوء الحال أنا وأخي محمد أحمد حتي لم نعد نرغب من السلطة التنفيذية سوي لقمة عيش نسد بها الرمق … لقمة عبش نحصل عليها حلق الدولار أم هبط … لقمة عيش تدر الحليب في ثدي كل مرضعة حتي يرشف رضيعها جرعة تبقيه علي قيد الحياة.
سيدي الطيب صالح … وجود رموز النظام البائد حتي هذه اللحظة دون محاكمة واللجوء الي مسرحيات هزلية بإظهار محاولة البدء في محاكمتهم بتلك السرعة السلحفائية هو كسب للوقت وذبح لقوة الدفع الثوري حتي الوصول الي لحظة لا نعلمها … وما محاكمة مدبري انقلاب الثلاثين من يونيو إلا مثالا حاضرا …. هل العثور علي قاعة مناسبة تتوفر فيها الشروط والمواصفات الضرورية لحماية الناس من جائحة الكورونا هو أمر صعب ويستغرق كل ذلك الوقت … تأجيل يعقبة تأجيل حتي الوصول الي لحظة لا نعلمها.
التقرير الخاص بفض الإعتصام يظل متأرجحا بين الحقيقة والخيال … تبدو خطوطه مفعمة بالمؤامرة … مليئة بإدانات لا يريدونها … وهكذا تبدو المهمة عسيرة … بل مستحيلة … ويمضي الوقت والتسويف حتي الوصول الي لحظة لا نعلمها.
وهنالك أمور أخري كثيرة تظل إجاباتها غير معلومة البتة كما يحلو للناشط السياسي والمعلق الرياضي أحمد الضي أن يقول عندما يحتار به الدليل كما احتار بنا الدليل في أمر الدولار السوداني … وأنا سميته الدولار السوداني لأنه دولار أمريكي المنشأ وأدمنت الكيانات الإسلاموية اقتناءه والتفنن في المتاجرة به فسلم أمره لله وأضحي دولارا سودانيا من أصول أمريكية … ولأن ما يحدث له في بلاد السودان لا يحدث للدولار في أي دولة من دول العالم …
أستاذي الطيب صالح … لم يذهب هؤلاء لأن لديهم سلطة خفية تسري سريان الدم في أوردة وشرايين سلطتنا التنفيذية وتعمل ليل نهار لإفشال ثورة شبابنا المتوثب ….
أما سلطتنا المدنية فتظل تذكرنا بصعوبة المرحلة وأننا سوف نعبر رغم الصعاب …. ونظل أنا ومحمد أحمد نسمع.
أستاذي الطيب صالح … لماذا لم يذهبوا …… الجواب ببساطة لأنها لم تسقط بعد ….

د. عبدالحليم السلاوي
asalawi@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً