🖊بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه
ليس هذأ المقترح وليد قلم خبير في التخطيط العمراني، ولا صدى لمؤسسة تمتلك من الإمكانات ما يجعل أفكارها قرارات، وإنما هو صوت مواطن بسيط يؤمن بأن الأوطان العظيمة لا تبنى على عجل، وأن كرامة الإنسان لا تسترد بالشعارات، بل بالفعل الذي يلامس حياته ويعيد إليه معنى الأمان والانتماء ومن هذا المنطلق، أقترح تشكيل لجنة مصغرة من نخبة المهندسين والمعماريين والمخططين وأهل الاختصاص، تتولى إعداد رؤية عملية متكاملة لإنشاء قري أو بوادي نموذجية، تقام وفق أسس عمرانية وإنسانية رصينة، وتستوعب أعدادًا مقدرة من النازحين والمتضررين، وتوفر لهم مساكن لائقة، ومدارس، ومرافق صحية، ومياهًا وكهرباء، وطرقًا ووسائل مواصلات، وسائر مقومات الحياة الكريمة. فإعمار الوطن ليس تشييد مباني فقط، وإنما استرداد تدريجي للإنسان والمكان والذاكرة، وتحويل الإرادة من فكرة إلى واقع، ومن الوعد إلى أثر يراه الناس ويلمسونه في حياتهم اليومية.
ولعل أحق المواضع بأن تكون نقطة انطلاق لهذا المشروع هي البوادي والقرى التي ظلت طويلًا في أقصى هامش الدولة، تتوارث التهميش وشح الخدمات جيلًا بعد جيل. فمن هناك ينبغي أن تستأنف مسيرة البناء، بحيث يصبح التعليم والصحة والماء والكهرباء والطرق وسائر مقومات العمران الحديث حقوقًا أصيلة لا منحًا عابرة، حتى لا يشعر ابن البادية أو القرية بأنه مواطن من مرتبة أدنى، أو أنه ينتظر التفاتة من مركز بعيد، بل شريك كامل في بناء الدولة وصوغ مستقبلها. وقد يكون إنشاء قرية نموذجية واحدة، تقام بأرفع المعايير الهندسية والعمرانية، وتضم مستشفى ومدرسة وميدانًا رياضيًا ومرفقًا متعدد الأغراض ومركزًا ثقافيًا ومكتبة رحبة تجمع أمهات الكتب بمختلف اللغات، إلى جانب شبكة نقل داخلية وخدمات أساسية متكاملة، أبلغ من آلاف الخطب والبيانات، لأن الفكرة حين تتجسد على الأرض تصبح شاهدًا حيًا على إمكانية التغيير.
ولا ينبغي أن ينظر إلى هذا المشروع باعتباره مجرد مأوى للنازحين أو تجمعًا عمرانيًا جديدًا، بل بوصفه مختبرًا مصغرًا لفكرة السودان الذي ننشده، سودانًا تقاس فيه قيمة الدولة بقدرتها على تحسين شروط الحياة، لا بكثرة ما ترفعه من شعارات. فقرية واحدة مكتملة المرافق نظيفة ومنظمة وآمنة، يمكن أن تصبح سفيرًا صامتًا لمشروع السودان الجديد، يراه المواطن بعينه ويلمس أثره بيده، ويرى فيه العالم نموذجًا قابلًا للتكرار والأمتداد. وحين تتحول أرض طالما بدت قاحلة إلى فضاء عامر بالحياة، ويصبح إنسان الريف ركيزة في معادلة التنمية لا هامشًا في سجلات الدولة، تتراجع الصور النمطية أمام حقيقة التجربة، وتغدو التنمية لغة جامعة تتجاوز ضيق الانتماءات وتباين المواقف، لأن الدولة، في جوهرها، ليست ما تقوله عن نفسها، وإنما ما تتركه من أثر في حياة مواطنيها.
وأعظم ما يمكن أن يثمر عنه هذأ المشروع، في مآله الأبعد، ليس ما يقام من مبان ومنشآت، وإنما ما يستعاد به من جسور الثقة بين المواطن والدولة، فحين يرى المواطن مدرسة تشيد لأطفاله، ومستشفى يصون كرامته، ومكتبة تفتح لأبنائه آفاق المعرفة، وميدانًا يمنح الشباب فسحة للحياة، وطرقًا وخدمات ترفع عن كاهله مشقة يومه، فإنه لن يتعامل مع هذه المنجزات بوصفها مرافق حكومية عابرة، بل سيرى فيها جزءًا من حقه ومستقبل أبنائه، فينتقل من موقع المتلقي للخدمة إلى موقع الشريك في حمايتها وصيانتها والنهوض بها. ولعل السودان، في مستهل طريقه، لا يحتاج إلى معجزة بقدر حاجته إلى فكرة ناضجة، وإرادة صادقة، وعقول تدرك كيف تجعل من الإمكان المحدود نواة لتحول واسع. فلنبدأ من بادية، ثم قرية، ثم إقليم، فربما كان الطريق إلى السودان الذي ننشده يبتدئ من تلك الأماكن التي طالما حسبناها على هامش الحكاية، فإذا بها تكون أول فصولها وأصدقها.
abohmohammed123@gmail.com
