-الريح عبد القادر محمد عثمان-
في قلب سورة الأنبياء، يضعنا البيان القرآني أمام مشهد كوني مهيب يختصر نهاية الوجود بعبارة بليغة آسرة: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} (الأنبياء: 104).
لطالما توقف المفسرون عند هذا التشبيه، ولكن عند النظر إليه اليوم بعيون معاصرة، تجمع بين دقة اللفظ وبلاغته من جهة، وبين فيزياء الكونيات الحديثة من جهة أخرى، نكتشف أبعاداً مذهلة تتجاوز مجرد فكرة الطي، بمعنى الإغلاق، إلى فكرة الانتشار العابر للأبعاد، ثم الالتئام والانضغاط المعجز.
ماذا لو تأملنا “الكتب” هنا باعتبارها رسائل وأوراقًا، وتأملنا “السجل” باعتباره الوعاء الذي يجمع هذه الأوراق المتفرقة ثم يطويها؟
إذن ستنفتح أمامنا صورة كونية شديدة الإدهاش.
حين نسمع كلمة “كتاب” اليوم، قد ينصرف الذهن مباشرة إلى مجلد ذي غلاف وصفحات مرتبة. لكن الكتاب في العربية أوسع من ذلك. ومن أوضح الشواهد على ذلك قول الله تعالى في قصة سليمان عليه السلام: “اذْهَبْ بِكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ” [النمل: 28]. فالكتاب هنا رسالة. رسالة مكتوبة يمكن أن يحملها شخص من مكان إلى آخر، ثم يلقيها إلى من أُرسلت إليه.
وتفتح لنا هذه الدلالة صورة مختلفة عند قراءة قوله تعالى: “كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ”.
يمكن أن نستحضر “الكتب” باعتبارها رسائل وأوراقًا مكتوبة: أشياء خفيفة، مبسوطة، قابلة للانتقال والتفرق والتبعثر: ورقة قد تنتقل من يد إلى يد، ورسالة من بلد إلى بلد، وأوراق كثيرة قد تتفرق في أماكن مختلفة. وإذا تُركت الأوراق في فضاء مفتوح، فما أسهل أن تتبعثر وتذهب كل ورقة في اتجاه.
ثم يأتي السجل. والسجل هو جامع الشتات. وفي ترجيحي، السجل في هذا التشبيه هو الوعاء الذي تُجمع فيه هذه الأوراق والكتب، ثم يُطوى عليها. بالطبع، لا أقول إن هذا هو المعنى المعجمي الوحيد للسجل، ولا إن الآية جاءت لتقدّم تعريفًا تقنيًا لمفهوم “الملف” بمعناه الحديث. لكننا معنيّون بتأمل بنية التشبيه كما وردت في الآية: لدينا كتب، أي رسائل/أوراق. ولدينا سجل. ولدينا فعل الطي.
وإذا تخيلنا الكتب رسائل وأوراقًا متفرقة، فإن السجل يصبح في الصورة كالملف الذي يجمع هذا الشتات.
الأوراق، التي كانت مبسوطة، تصبح مجموعة.
وما كان موزعًا على مساحة شاسعة يصبح متراكبًا بعضه فوق بعض.
ثم يُطوى السجل، فيتحول الامتداد الواسع إلى حيز صغير محكم.
وهنا تكمن روعة الصورة: انتشار ثم جمع ثم طي؛ وتبعثر ثم احتواء ثم انضغاط.
وإذا أردنا أن نتأمل جمال التشبيه كما ينبغي، فلنتوقف قليلًا عند طبيعة الأوراق نفسها.
لا تحتاج الورقة إلى قوة هائلة حتى تتحرك. فما أسهل تبعثر الأوراق!
قد تحملها يد، أو تنقلها الريح، أو تتفرق بها حركة الناس، فتذهب بعيدًا عن موطنها الأول.
لكن ما إن تُجمع في ملف حتى تتغير الصورة بالكامل.
الأوراق نفسها لم تعد متفرقة.
والمسافات التي كانت تفصل بينها اختفت.
والحيز الذي كانت تشغله منفردة أصبح محدودًا.
ثم إذا طُوي الملف، أصبح هذا المجموع كله في صورة أكثر إحكامًا واختصارًا.
وهذا هو ما يجعل اختيار القرآن لهذا التشبيه مثيرًا للتأمل.
فالله لا يقول:
“يوم تنكمش السماء”، وإنما يقول:
“يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ”.
في عصرنا الرقمي الحالي، نستخدم مصطلح “ضغط الملفات” (Data Compression). وعندما نضغط مجلداً (Folder) يحتوي على آلاف الوثائق المبعثرة، فإننا نصغّر حجمه الفيزيائي ليأخذ أقل مساحة ممكنة، ولكننا نحفظ كل البيانات والرسائل بداخلها دون أن يضيع منها حرف واحد.
وهذا هو العمق الإعجازي الأخطر في الآية؛ فالله سبحانه وتعالى لا يطوي السماء طي فناء وعدم محض، بل طيُّ “أرشفة وحفظ”. هذا الملف الكوني المطوي يحتوي على قصة الوجود كاملة، وتاريخ البشرية، وأعمال العباد التي طالما تناثرت وتعددت، مسجلة بدقة متناهية، لتُفتح هذه السجلات مجدداً يوم القيامة للحساب والعرض.
وهنا نأتي إلى الإعجاز اللفظي. قلنا إن الكتب المقصودة هي الرسائل، أي الأوراق، ولا يقصد بها المجلدات المؤلفة من صفحات وغلاف. فلماذا لم يقل النص القرآني “كطي السجل للأوراق”؟ لأن الأوراق قد تكون فارغة، والكتب، أي الرسائل، بالضرورة مكتوبة. إنها كتب ورسائل تحفظ كل شيء.
من الأوراق المتفرقة إلى الكون الشاسع
لقد كشفت لنا علوم الفلك الحديثة أن الكون ليس ثابتًا ساكنًا، وإنما هو في حالة تمدد، وأن المجرات تتباعد على المقاييس الكونية.
وبصرف النظر عن السؤال الكبير المتعلق بمصير هذا التمدد في نهاية الكون، فإننا نعيش في كون هائل الامتداد، تتوزع فيه المجرات والعناقيد والمادة والطاقة عبر مسافات لا تكاد تتصورها العقول.
لقد أصبح “اتساع السماء” بالنسبة إلى الإنسان المعاصر أمرًا يمكن للعلم أن يقيسه ويقدّر بعض أبعاده.
وهنا تعود الآية فتضع أمامنا الصورة المقابلة:
“يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ”: كون نراه مبسوطًا في آفاق شاسعة، يأتي يوم يُطوى فيه.
وهذه المفارقة وحدها جديرة بالتأمل:
ما يبدو لنا اليوم انتشارًا هائلًا، ليس خارجًا عن قدرة من خلقه؛ وهذا الاتساع المستمر لن يكون منفلتاً بلا ضابط.
هل هذا هو “الانسحاق العظيم”؟
قد يتبادر إلى الذهن هنا ما عُرف في علم الكونيات باسم Big Crunch، أو “الانسحاق العظيم”، وهو سيناريو افتراضي يتصور فيه العلماء أن تمدد الكون قد يتوقف ثم ينعكس ليصبح انكماشاً شاملاً.
والتشابه لافِتٌ بين هذه الصورة وبين “طي السماء”.
لكن ينبغي أن نكون منصفين مع القرآن ومنصفين مع العلم معًا.
لا يصح أن نقول إن الآية تثبت نظرية الـBig Crunch، ولا أن نجزم بأن هذا السيناريو هو المقصود بقوله تعالى {نَطْوِي السَّمَاءَ}. فهذه فرضية فيزيائية ضمن نماذج مختلفة لمصير الكون، وليست حقيقة دينية أو علمية يمكن أن نجعل الآية رهينة لها.
إنما الذي يهمنا هنا شيء آخر:
لقد جعل العلم الحديث الإنسان أكثر قدرة على استيعاب ضخامة “السماء” التي يتحدث عنها القرآن: “والسماء بنيناها بأيدٍ وأنا لموسعون”.
وكان الإنسان القديم يرى السماء فوقه، لكنه لم يكن يعرف أن وراء النجوم التي يراها عالمًا هائلًا من المجرات والمسافات والزمن الكوني.
أما نحن فنملك اليوم تصورًا مذهلًا عن اتساع الكون.
ومع ذلك يقول القرآن: “يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ”.
ليس المطلوب أن نضع لهذه الآية معادلة فيزيائية.
يكفي أن ندرك أن العلم جعل الصورة أكثر رهبة في أذهاننا.
وقد أشرنا، أعلاه، إلى صورة أخرى شديدة القرب من حياتنا المعاصرة.
وقلنا إننا اليوم نضع مئات وآلاف الوثائق والصور والصفحات في ملف واحد، ثم نضغطه بحيث يشغل مساحة أقل.
طبعًا، ليس معنى ذلك أن القرآن يتحدث عن الملفات الرقمية، ولا أن السماوات والأرض ستتحول إلى ملف إلكتروني.
لكن التقنية الحديثة تمنحنا مثالًا ذهنيًا قريبًا من الفكرة:
كثرة المحتوى لا تعني بالضرورة اتساع الحيز الذي يشغله.
ويمكن أن يكون لدينا عدد هائل من الصفحات والبيانات، ثم نجمعها في صيغة أكثر إحكامًا.
ومن شأن ذلك أن يساعدنا على تصور الفرق بين الانتشار والاحتواء، وبين البسط والطي.
فالشيء قد يبدو هائلًا بسبب امتداده، ثم ينتقل إلى حالة أخرى أكثر جمعًا وانضغاطًا.
ليس كل ضخم سيبقى ضخماً؛
وليس كل مخلوق كبير وعظيم سيظل شاهقاً ومترامي الأطراف.
كل شيء يصغر.
ويبقى العلي الكبير.
إذن، إلى أين يقودنا هذا التدبر؟
هنا، في رأيي، تبلغ الآية ذروتها.
فلو توقفنا عند صورة الكون المطوي، لتحول التدبر إلى مجرد تأمل كوني مدهش.
لكن القرآن لا يريد منا أن نقف عند الكون. فبعد أن يقول: “يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ”، يضيف: “كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ”. وم يردف في ختام الآية: “وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ”.
تنقلنا هذه الآية من عظمة المشهد إلى عظمة صاحب المشهد.
وهنا تكتسب آية أخرى معناها المزلزل:
“وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ”، [الزمر: 67]
تأمل افتتاح الآية: “وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ”
لماذا يأتي مشهد الأرض والسماوات بعد هذه العبارة مباشرة؟
لأن الإنسان قد يرى عظمة الخلق فيغفل عن عظمة الخالق.
قد يقف أمام مجرة فيشعر بصغر نفسه.
وقد يتأمل بلايين النجوم والمسافات الكونية فيصيبه الذهول.
لكن القرآن يقلب المشهد كله:
الأرض جميعًا قبضته، والسماوات مطويات بيمينه.
ليس المقصود أن نزداد انبهارًا بالكون فحسب، بل أن ندرك أن الكون الذي يبهرنا لا يساوي شيئًا أمام عظمة الله.
نحن نرى السماء شاسعة؛ والله يقول إن السماوات مطويات بيمينه.
ونرى الأرض هائلة؛ والله يقول: “وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ”.
ننظر إلى الكون فلا تكاد عقولنا تحيط به؛ ثم يخبرنا القرآن أن هذا كله بعض خلق الله.
وهنا يتغير مقياس العظمة في داخل الإنسان.
فها كل كبير يصغُر.
ولا يبقى إلا الكبير المتعال!
وماذا عن رؤية الله؟
ثم يأتي أعظم ما يمكن أن يبلغه هذا المشهد في وجدان المؤمن.
يخبر القرآن عن أهل الإيمان يوم القيامة: “وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ”، [القيامة: 22–23]
وجاءت الأحاديث الصحيحة بإثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.
وهنا يثور في النفس سؤال تدبري بالغ الجلال:
إذا كان المؤمنون يرون ربهم يوم القيامة، فهل يمكن أن يكون من مشاهد ذلك اليوم أن يروا بأعينهم هذه الحقيقة التي طالما أخبرهم بها القرآن: الأرض جميعاً قبضته، والسماوات مطويات بيمينه؟
هل تعني رؤية المولى عز وجل رؤية الكون من أوله إلى آخره؟!
وما هي الأشياء التي قد يفوق جلالها رؤية الكون؟ العرش والكرسي؟
لا نستطيع أن نجزم بأن هذا هو المقصود تحديدًا، ولا أن نصف كيفية ذلك المشهد؛ فالكيف من الغيب الذي لم يخبرنا به المولى عز وجل؛ لكن مجرد اجتماع هذه النصوص يفتح أمام القلب أفقًا مذهلًا.
فالإنسان الذي عاش عمره مأخوذًا بضخامة الأرض، ثم بالنجوم، ثم بالمجرات، ثم باتساع الكون كله، سيقف يوم القيامة أمام مشهد يتغير فيه مقياس العظمة نفسه.
ما حسبناه هائلًا يظهر صغيرًا.
وما حسبناه واسعًا يظهر مطويًا.
وما ظنناه أقصى ما يمكن أن يبلغه الإدراك البشري من العظمة، يتبين أنه مجرد قبضة بيد الله.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لعبارة:
“وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ”!
يوم طي السجل للكتب هو يوم لا كبير إلا الكبير المتعال!
