باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 22 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
هيثم عثمان إبراهيم
هيثم عثمان إبراهيم عرض كل المقالات

من الذي أدخل الجيش إلى السياسة؟ الانقلابات العسكرية في السودان بين مسؤولية الأحزاب ونزعة الاستيلاء على السلطة

اخر تحديث: 22 أكتوبر, 2026 8:00 مساءً
شارك

تتردد في النقاشات السياسية السودانية كلما أثيرت قضية تدخل المؤسسة العسكرية في الحكم مقولة مفادها أن الأحزاب السياسية هي التي أدخلت الجيش إلى السياسة وأن العسكريين لم يكونوا سوى أدوات استدعتها القوى الحزبية كلما اشتدت خلافاتها أو عجزت عن إدارة السلطة. ويُستشهد على ذلك بتسليم عبد الله خليل السلطة للفريق إبراهيم عبود عام 1958 وارتباط بعض الضباط اليساريين والقوميين بانقلاب جعفر نميري عام 1969 والدور الذي لعبته الجبهة الإسلامية القومية في انقلاب عمر البشير عام 1989.
ورغم أن هذه الوقائع تتضمن بالفعل شواهد على تورط بعض القيادات والتنظيمات السياسية في الانقلابات العسكرية فإن تحويلها إلى تفسير شامل لظاهرة الانقلاب في السودان يثير إشكالاً تاريخياً ومنطقياً بالغ الأهمية لأنه ينقل المسؤولية من الفاعل الذي امتلك القوة واتخذ قرار استخدامها إلى البيئة السياسية التي تحرك داخلها ويختزل المؤسسة العسكرية في مجرد أداة يستعملها الآخرون دون إرادة سياسية مستقلة أو طموحات سلطوية أو تصورات خاصة بشأن الحكم والدولة.
ولا يعني رفض هذه الرواية إنكار مسؤولية القوى السياسية التي شاركت في التخطيط للانقلابات أو دعمتها أو وفرت لها الغطاء السياسي. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المسؤولية عن أفعال محددة إلى اتهام جماعي للأحزاب ثم يصبح هذا الاتهام بصورة مباشرة أو غير مباشرة تبريراً لتدخل الجيش في السياسة أو إعفاءً للضباط الذين أطاحوا بالأنظمة الدستورية من مسؤولية قراراتهم.
والواقع أن القراءة التاريخية الأكثر دقة تستوجب تجاوز السؤال التقليدي: هل الأحزاب هي التي أدخلت الجيش إلى السياسة أم أن الجيش تدخل بمبادرة منه؟
إلى سؤال أكثر تركيباً: كيف نشأت النزعة الانقلابية داخل المؤسسة العسكرية السودانية؟ وكيف تداخلت مع الصراعات الحزبية والأيديولوجية؟ ومن الذي امتلك القرار النهائي في تحويل القوة المسلحة إلى وسيلة للاستيلاء على السلطة؟
وللإجابة عن هذه الأسئلة لا يكفي الوقوف عند الانقلابات التي نجحت في الاستيلاء على الحكم وإنما ينبغي العودة إلى جذور التفكير الانقلابي داخل الجيش منذ السنوات الأولى للاستقلال ثم تتبع تطوره من انقلاب عبود إلى انقلاب نميري والبشير وصولاً إلى انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021.
أولاً: محاولة كبيدة عام 1957.. النزعة الانقلابية التي سبقت نجاح أول انقلاب
من أكثر جوانب تاريخ الانقلابات السودانية أهمية وأقلها حضوراً في السجال السياسي أن التفكير في الاستيلاء العسكري على السلطة لم يبدأ بانقلاب الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر 1958.
فقد شهد السودان عام 1957 بعد نحو عام ونصف من الاستقلال محاولة انقلابية عسكرية عُرفت بمحاولة كبيدة أُحبطت قبل اكتمال تنفيذها وخضع المشاركون فيها للمحاكمة.
وتكمن أهمية هذه الواقعة في أنها تقدم شاهداً مبكراً على وجود نزعة انقلابية داخل المؤسسة العسكرية قبل وقوع أول انقلاب ناجح ودون أن تتوافر أدلة حاسمة تجعل المحاولة تنفيذاً لقرار صادر عن مؤسسة حزبية مدنية.
لكن القيمة التاريخية لهذه الواقعة لا تقوم على غياب الدليل الحزبي وحده وإنما على شهادات لاحقة أدلى بها ضباط كبار أمام لجنة التحقيق القضائية التي تشكلت بعد ثورة أكتوبر 1964 للنظر في ملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958 وترأسها القاضي صلاح الدين شبيكة.
ففي شهادته أمام اللجنة تحدث اللواء أحمد عبد الوهاب نائب القائد العام للجيش آنذاك عن وجود روح انقلابية وسط الضباط الصغار منذ عام 1954 أي قبل استقلال السودان نفسه. وروى أن معلومات وصلت إلى قيادة الجيش عام 1957 بشأن تحرك عسكري انتهى بالتحقيق مع كبيدة ومن شاركوه.
وتزداد دلالة هذه الشهادة عندما نضعها إلى جانب شهادة حسين علي كرار الذي تحدث عن تكتلات داخل الجيش خصوصاً بين الرتب الوسطى والصغرى كانت ترى ضرورة إحداث انقلاب وأشار إلى أن فكرة الانقلاب كانت موجودة داخل الجيش.
كما وصف بعض كبار الضباط محاولة كبيدة بأنها تحرك من ضباط صغار في مواجهة القيادة العسكرية العليا.
وهنا تظهر حقيقة تاريخية لا يجوز تجاوزها: التفكير الانقلابي لم يكن مجرد استجابة عسكرية لنداء حزبي بل كان جزءاً من تصورات سياسية بدأت تتشكل داخل بعض قطاعات المؤسسة العسكرية نفسها.
صحيح أن هذه الشهادات قُدمت عام 1965 بعد سقوط نظام عبود وأن أصحابها كانت لهم مصالح في تفسير أدوارهم وتبرير مواقفهم ولذلك لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أحكاماً تاريخية نهائية. لكنها تظل شواهد إيجابية على وجود نشاط وتفكير انقلابي داخل الجيش لا مجرد استنتاج قائم على عدم العثور على قرار حزبي.
وتكتسب هذه المسألة أهميتها من طبيعة المؤسسة العسكرية نفسها. فالضابط الذي يرى في الجيش أداة لإنقاذ البلاد من أزماتها السياسية ويعتقد أن السلطة العسكرية أكثر قدرة من المؤسسات المنتخبة على إدارة الدولة يكون قد تجاوز بالفعل حدود الوظيفة العسكرية المهنية حتى قبل أن يحرك قواته أو يعلن استيلاءه على الحكم.
ومن ثم فإن محاولة كبيدة لا تكفي وحدها لإثبات أن كل النزعات الانقلابية كانت مستقلة عن الأحزاب لكنها تنقض الافتراض الذي يجعل التفكير الانقلابي ظاهرة طارئة على الجيش لم تظهر إلا بعد أن استدعته القوى السياسية إلى الحكم.
ثانياً: انقلاب عبود عام 1958.. بين مبادرة عبد الله خليل واستقلال القرار العسكري
يُعد انقلاب السابع عشر من نوفمبر 1958 الحالة الأكثر استدعاءً في اتهام الأحزاب السياسية بأنها المسؤولة عن إدخال الجيش إلى الحكم.
فقد كان عبد الله خليل رئيس الوزراء ووزير الدفاع وأحد أبرز مؤسسي حزب الأمة شخصية محورية في الأحداث التي سبقت استيلاء الفريق إبراهيم عبود على السلطة.
غير أن تفسير هذه الواقعة باعتبارها مجرد تسليم من حزب الأمة إلى الجيش يتجاهل عناصر أساسية في تكوين عبد الله خليل وفي مواقف قيادة الحزب وفي القرارات التي اتخذتها القيادة العسكرية نفسها.
عبد الله خليل: حين تغلب الخلفية العسكرية على أدوات الممارسة المدنية
كان عبد الله خليل عسكرياً قبل أن يصبح قيادياً حزبياً فقد خدم في المؤسسة العسكرية وبلغ رتبة رفيعة ثم انتقل إلى الحياة السياسية وأسهم في تأسيس حزب الأمة وأصبح أول سكرتير عام له قبل أن يتولى رئاسة الوزراء.
وقد اجتمعت بذلك في شخصيته خبرة المؤسسة العسكرية وخبرة العمل السياسي المدني.
ولا تعني هذه الخلفية بالضرورة أن كل قراراته السياسية كانت محكومة بعقلية عسكرية. لكن سلوكه في الأزمة التي سبقت انقلاب نوفمبر يتيح التساؤل عما إذا كان قد لجأ إلى شبكة علاقاته العسكرية عندما عجز عن معالجة الأزمة بأدوات العمل البرلماني.
فحين واجهت حكومته احتمالات فقدان الأغلبية البرلمانية وتغيير الائتلاف الحاكم كان أمامها مسار دستوري واضح يتمثل في الاحتكام إلى البرلمان وقبول حجب الثقة إن وقع أو إعادة تشكيل الحكومة وفق التوازنات السياسية الجديدة.
لكن الروايات التاريخية العديدة تشير إلى أن عبد الله خليل اتجه بدلاً من ذلك إلى البحث عن مخرج يستند إلى تدخل قيادة الجيش.
وفي شهادته أمام لجنة التحقيق عام 1965 نسب إبراهيم عبود إلى عبد الله خليل المبادرة إلى طرح تدخل الجيش بينما نفى عبد الله خليل نفسه أمام اللجنة اتصاله بالعسكريين بغرض تنفيذ الانقلاب.
هذه الشهادات المتعارضة لا تسمح بإصدار حكم قاطع بشأن جميع تفاصيل المبادرة لكنها تجعل دور عبد الله خليل مسألة تاريخية حقيقية تستحق المساءلة لا واقعة يمكن تجاهلها أو إخفاؤها.
والأهم من تحديد صاحب المبادرة هو فهم طبيعة السلوك السياسي الذي جرى.
فحتى إذا ثبت أن عبد الله خليل هو الذي اقترح تسليم السلطة فإن ذلك يعني أنه بصفته رئيساً للوزراء وقيادياً حزبياً اختار تجاوز آليات الشرعية الدستورية والاستعانة بالقوة العسكرية لحسم أزمة سياسية.
وهذا يجعله مسؤولاً سياسياً عن فعله لكنه لا يحوّل قراره تلقائياً إلى تعبير عن الثقافة المدنية الديمقراطية لمجرد أنه كان يشغل منصباً مدنياً أو ينتمي إلى حزب سياسي.
فالمدنية ليست مجرد صفة مهنية وإنما التزام بقواعد إدارة السلطة والصراع السياسي دون الاستعانة بالقوة العسكرية.
هل كان قرار عبد الله خليل هو قرار حزب الأمة؟
تزداد المسألة تعقيداً عندما ننتقل من المسؤولية الشخصية لعبد الله خليل إلى المسؤولية المؤسسية لحزب الأمة.
فبحسب رواية الصادق المهدي عُرضت فكرة تدخل الجيش على مجلس إدارة الحزب وعارضها ثلاثة عشر عضواً من أصل خمسة عشر بينما اتجهت أغلبية القيادة إلى معالجة الأزمة بإعادة ترتيب التحالفات البرلمانية.
غير أن هذه الرواية لا ينبغي تقديمها باعتبارها حقيقة محسومة إذ أوضح الصادق المهدي في شهادة لاحقة أن معلوماته بشأن الاجتماع والتصويت استندت إلى روايات نقلها إليه آخرون ولم يكن قد اطلع على محضر موثق للاجتماع.
وفي المقابل توجد شواهد على اتصالات بين الصديق المهدي وبعض قادة الجيش قبل الانقلاب وعلى تأييد الإمام عبد الرحمن المهدي والسيد علي الميرغني للنظام الجديد عقب استيلائه على السلطة.
وهذا يفرض علينا التمييز بين المعرفة المسبقة والمشاركة في التخطيط والتأييد اللاحق والرفض المؤسسي والتقصير في منع الانقلاب بعد العلم باحتماله.
فإذا ثبت أن قيادة حزبية علمت بترتيبات انقلابية ولم تتخذ الإجراءات اللازمة لمواجهتها فإن مسؤوليتها لا تزول بمجرد القول إنها لم تصوّت لصالح الانقلاب.
لكن هذا لا يساوي بالضرورة أن الحزب بوصفه مؤسسة أصدر قراراً بتنفيذ الانقلاب كما لا يسمح بتحميل بقية الأحزاب السياسية مسؤولية ما قام به بعض قادة حزب الأمة.
هكذا يصبح السؤال الصحيح ليس: هل كان عبد الله خليل حزبياً؟
بل: ماذا فعل عبد الله خليل؟ ومن وافقه أو عارضه داخل الحزب؟ وهل صدر قرار مؤسسي بالتخطيط للانقلاب؟ وما حدود مشاركة كل طرف؟
شهادات قادة الجيش: الانقلاب لم يكن مجرد تنفيذ لأمر مدني
هنا نصل إلى أكثر الشواهد أهمية في فهم انقلاب نوفمبر 1958.
ففي شهادته أمام لجنة التحقيق أوضح أحمد عبد الوهاب أنه لم يكن موافقاً على أن يتدخل الجيش بأمر من رئيس الحكومة وإنما أراد أن يخرج الانقلاب من الجيش نفسه حتى لا يأخذ طابعاً حزبياً.
وهذه الشهادة بالغة الدلالة لأنها تكشف أن بعض كبار الضباط لم يكونوا يتعاملون مع أنفسهم كمنفذين محايدين لطلب سياسي بل كانوا حريصين على استقلال قرار الاستيلاء على السلطة عن الجهة المدنية التي قد تكون بادرت باقتراحه.
ولم يكن ذلك الاعتبار الوحيد.
فقد أشار أحمد عبد الوهاب وكذلك حسين علي كرار إلى أن أحد دوافع تحرك كبار الضباط كان استباق محاولات انقلابية كان يُعتقد أن الضباط الأصغر رتبة يستعدون لتنفيذها.
أي أننا أمام صراع داخل المؤسسة العسكرية نفسها حول المبادرة إلى الاستيلاء على السلطة لا مجرد صراع بين حزب سياسي يريد الحكم ومؤسسة عسكرية دُعيت إلى مساعدته.
ثم تأتي شهادة التجاني أحد أعضاء المجلس العسكري لتكشف تحولاً آخر في طبيعة المشروع إذ تحدث عن تصور أولي لتشكيل حكومة قومية ومجلس سيادة قبل أن تتغير الخطة إلى حكومة عسكرية تستند إلى مجلس أعلى للقوات المسلحة.
والدليل الحاسم على هذا التحول ليس الشهادات وحدها بل ما حدث بالفعل عقب نجاح الانقلاب.
ففي الأمر الدستوري الأول الذي أصدره النظام الجديد أعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة أنه السلطة الدستورية العليا في السودان.
وهنا لم يعد الجيش ينفذ مجرد ترتيب سياسي مؤقت اقترحه رئيس الوزراء وإنما أصبح هو نفسه مصدر السلطة وصاحب الحق في تقرير شكل الحكم واستمراره.
بل إن شهادة عوض عبد الرحمن أحد المشاركين في المجلس تضمنت إشارة صريحة إلى دور المطامع الشخصية والرغبة في الحكم داخل المؤسسة العسكرية في تطور الأحداث.
ولعل الدليل الأوضح على أن الاستجابة العسكرية كانت اختياراً وليس قدراً مفروضاً أن بعض الضباط اعترضوا على الانقلاب أصلاً.
فقد ذكر أحمد عبد الله حامد قائد الهجانة أنه اعترض على تدخل الجيش ورأى أن الحكومة إذا فشلت كان بإمكانها الاستقالة دون انقلاب.
وهذه الشهادة تطرح سؤالاً يصعب تجاوزه: إذا كان بعض الضباط قد أدركوا أن الأزمة السياسية يمكن حلها باستقالة الحكومة فلماذا اختار آخرون الاستيلاء على السلطة؟
لقد كان أمام قيادة الجيش خيار الالتزام بوظيفتها الدستورية لكنها اتخذت قراراً آخر.
وهكذا حتى لو قبلنا الرواية التي تنسب المبادرة كاملة إلى عبد الله خليل فإنها لا تفسر لماذا اختار كبار الضباط تنفيذ الانقلاب ولا لماذا غيّروا ترتيباته ولا لماذا احتفظوا بالحكم بعد ذلك ست سنوات حتى أطاحت بهم ثورة أكتوبر 1964.
إن ما حدث لم يكن مجرد انتقال سلطة من حزب إلى الجيش وإنما كان انتقالاً من الشرعية الدستورية إلى سلطة عسكرية جعلت نفسها فوق المؤسسات السياسية.
ثالثاً: انقلاب مايو 1969.. عندما أصبح الضباط أصحاب مشروع سياسي
إذا كانت حالة عبد الله خليل قد كشفت تداخل الخلفية العسكرية مع الموقع السياسي المدني فإن انقلاب الخامس والعشرين من مايو 1969 يكشف وجهاً آخر للمشكلة يتمثل في انتقال الأيديولوجيا الحزبية إلى داخل المؤسسة العسكرية.
فقد نفذت انقلاب مايو مجموعة من الضباط بقيادة جعفر نميري ضمن حركة الضباط الأحرار التي ضمت عناصر ذات توجهات يسارية وقومية عربية وناصرية.
ومن الخطأ إنكار العلاقة بين هذه التيارات والتنظيمات السياسية المدنية خصوصاً الحزب الشيوعي السوداني.
لكن من الخطأ أيضاً اختزال انقلاب مايو في أنه قرار حزبي صدر من قيادة مدنية ونفذه ضباط تابعون لها.
فوفقاً لما أورده محمد محمود في دراسته «الحزب الشيوعي السوداني 1946–1971» ناقشت اللجنة المركزية للحزب فكرة الانقلاب في مارس 1969 ورفضتها كما رفض المكتب السياسي مشاركة الحزب في التحرك العسكري في مايو من العام نفسه.
غير أن ذلك لا يعني أن قيادة الحزب كانت معزولة تماماً عن التحركات العسكرية أو أن جميع الضباط المرتبطين بالحزب التزموا بموقف أجهزته القيادية.
فقد شارك في انقلاب مايو ضباط كانت لهم صلات تنظيمية وفكرية بالحزب بينما اختلفت مواقف قياداته حول طبيعة النظام الجديد وحدود التعاون معه ومستقبل استقلال الحزب السياسي.
وهنا لا بد من الاعتراف بحقيقة أخرى لا تقل أهمية: أن الحزب الشيوعي كانت له أنشطة تنظيمية داخل القوات المسلحة منذ خمسينيات القرن الماضي كما تشير بعض الدراسات إلى مشاركته أو تأييده لمحاولات انقلابية ضد نظام عبود عام 1959 وإلى مراجعات نقدية داخل الحزب تناولت النزعة الانقلابية.
إذن لا يمكن تبرئة الحزب الشيوعي من دوره في تسييس بعض قطاعات المؤسسة العسكرية أو من مسؤولية العناصر التي شاركت في الانقلابات والمحاولات الانقلابية.
لكن ثبوت هذه المسؤولية لا يعني أن الضباط كانوا مجرد أدوات تنتظر التعليمات الحزبية.
فالضابط الذي يتبنى تصوراً شيوعياً أو قومياً أو إسلامياً ثم يستخدم القوات التي يقودها لفرض مشروعه السياسي يكون قد اتخذ قراراً بتحويل سلطته العسكرية إلى وسيلة للاستيلاء على الحكم.
وهو بذلك يصبح فاعلاً سياسياً مستقلاً في مسؤوليته عن الانقلاب حتى عندما يرتبط تنظيمياً بحزب أو حركة سياسية.
وما حدث بعد نجاح انقلاب مايو يقدم دليلاً إضافياً على هذه الحقيقة.
فقد دخل نميري في صراعات متصاعدة مع الحزب الشيوعي وظهرت خلافات حول استقلال الحزب ودوره في الدولة الجديدة قبل أن يصل الصراع إلى ذروته عقب انقلاب يوليو 1971 الذي قاده الرائد هاشم العطا وما أعقبه من عودة نميري إلى السلطة وإعدام عدد من القيادات الشيوعية من بينها عبد الخالق محجوب.
كما تحولت سلطة نميري لاحقاً إلى نظام يقوم على تركيز السلطة في يد الرئيس وتنظيم سياسي واحد مع تغيرات متعاقبة في التوجهات والتحالفات السياسية.
وهكذا فإن الذين وصلوا إلى الحكم عبر تحالف عسكري ذي امتدادات حزبية لم يظلوا بالضرورة خاضعين للأحزاب التي تقاطعت مصالحهم معها.
إن تجربة مايو تكشف أن التداخل الأيديولوجي بين الأحزاب والجيش قد ينتج مشروعاً انقلابياً مشتركاً لكنه لا يلغي حقيقة أن العسكريين يمتلكون أدوات القوة التي تمكنهم من الاستيلاء على السلطة وإعادة تشكيل التحالفات بل وإقصاء شركائهم السابقين.
ومن هنا يصبح تفسير الانقلاب بمجرد الانتماء السياسي للضباط تفسيراً ناقصاً لأن الانتماء الأيديولوجي يشرح جانباً من دوافع الفاعلين لكنه لا يلغي مسؤوليتهم عن الوسيلة التي اختاروها لتحقيق أهدافهم.
رابعاً: انقلاب يونيو 1989.. عندما خطط التنظيم السياسي ونفذت القوة العسكرية
يمثل انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 حالة مختلفة ينبغي التعامل معها بوضوح دون محاولة إخضاعها قسراً للتفسير نفسه الذي ينطبق على انقلاب عبود أو نميري.
ففي هذه الحالة تشير الأدبيات التاريخية إلى دور تنظيمي مباشر للجبهة الإسلامية القومية وقيادتها في التخطيط للانقلاب الذي نفذه ضباط بقيادة عمر البشير.
وكانت الجبهة الإسلامية قد شاركت في النظام البرلماني بعد انتفاضة أبريل 1985 وخاضت انتخابات 1986 وحصلت على خمسة وخمسين مقعداً برلمانياً الأمر الذي يؤكد أنها امتلكت طريقاً دستورياً للمشاركة في السلطة.
لكن مشاركتها في الانتخابات لم تمنع قيادتها من الاتجاه إلى الاستيلاء على الحكم عبر التنظيم العسكري السري عندما أصبح المسار الديمقراطي غير متوافق مع مشروعها السياسي وأهدافها في السيطرة على الدولة.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين المشاركة في المؤسسات الديمقراطية وبين الالتزام المبدئي بالديمقراطية باعتبارها النظام الذي يحدد قواعد الوصول إلى السلطة والخروج منها.
فالتنظيم الذي يقبل الانتخابات عندما تحقق له المشاركة ثم يلجأ إلى القوة عندما لا تمكنه النتائج من تحقيق غاياته يكون قد تعامل مع الديمقراطية باعتبارها وسيلة قابلة للتجاوز لا قاعدة ملزمة للجميع.
ولهذا فإن الجبهة الإسلامية القومية تتحمل مسؤولية سياسية وتنظيمية مباشرة عن انقلاب يونيو ولا يجوز التخفيف من هذه المسؤولية تحت ذريعة أن الانقلاب نُفذ بواسطة العسكريين.
لكن هذه الحقيقة لا تنقل مسؤولية التنظيم تلقائياً إلى جميع الأحزاب المدنية التي تعرض معظمها للحل والملاحقة والإقصاء بعد نجاح الانقلاب.
كما أنها لا تعفي الضباط الذين شاركوا في التخطيط والتنفيذ.
فقد استطاعت الجبهة الإسلامية أن تجد داخل المؤسسة العسكرية ضباطاً مستعدين لاستخدام مواقعهم العسكرية لتنفيذ مشروع سياسي ينتهي بإسقاط النظام الدستوري.
والأمر لا يتعلق هنا بخلفية عسكرية مجردة وإنما باختراق التنظيم السياسي للمؤسسة المسلحة وتقديم الولاء الأيديولوجي على مقتضيات الوظيفة العسكرية.
ومن المهم أيضاً تذكر أن المؤسسة العسكرية كانت تمارس الضغط السياسي على الحكومة قبل انقلاب يونيو نفسه.
ففي فبراير 1989 قدم كبار قادة القوات المسلحة مذكرة إلى القيادة السياسية بشأن الأوضاع العامة في البلاد وحظيت المذكرة بتأييد من قوى سياسية ونقابية متعددة.
وبصرف النظر عن دوافع المذكرة ومواقف مؤيديها فإنها تكشف عن مؤسسة عسكرية لم تكن بعيدة عن التأثير المباشر في القرار السياسي وعن بيئة أصبحت فيها القيادة العسكرية أحد مراكز الضغط على السلطة المدنية.
لكن ينبغي عدم الخلط بين تأييد مطالب تضمنتها مذكرة عسكرية وبين الموافقة على انقلاب لاحق. فلكل فعل طبيعته ومسؤوليته الخاصة.
وقد أسس انقلاب يونيو نظاماً شمولياً استمر ثلاثين عاماً وأفضى إلى تركيز واسع للسلطة وحل الأحزاب والنقابات وتقييد الحريات السياسية.
كما شهد النظام نفسه لاحقاً صراعاً بين البشير والترابي بلغ ذروته في مفاصلة 1999 وما تلاها وإن كانت طبيعة ذلك الصراع محل اختلاف بين من يراه صراعاً بين القيادة العسكرية والتنظيم السياسي ومن يراه خلافاً داخلياً بين مراكز القوة في المشروع الإسلامي نفسه.
ولا تحتاج الحجة هنا إلى افتراض أن البشير انفصل تماماً عن المشروع السياسي الذي جاء به الانقلاب.
يكفي أن نلاحظ أن العلاقة بين القيادة السياسية والتنظيم العسكري ليست علاقة تبعية آلية وأن من يمتلك السيطرة على أجهزة القوة يستطيع أن يصبح مركزاً مستقلاً للقرار داخل النظام.
وهكذا فإن انقلاب 1989 لا يثبت أن الأحزاب السياسية بوصفها مؤسسات مدنية جميعها هي أصل الانقلابات وإنما يكشف كيف يمكن لتنظيم سياسي ذي مشروع سلطوي أن يتحالف مع عناصر عسكرية مستعدة للاستيلاء على السلطة فينتج عن هذا التحالف نظام يستند إلى القوة بدلاً من الشرعية الديمقراطية.
خامساً: انقلاب 25 أكتوبر 2021.. عندما انقلب الشركاء العسكريون على الانتقال
ربما يمثل انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 أحد أكثر الاختبارات وضوحاً للمقولة التي تجعل الانقلابات مجرد استجابة عسكرية لاستدعاء الأحزاب.
ففي هذه الحالة لم يكن قائد الانقلاب خارج السلطة ينتظر دعوة سياسية للوصول إليها وإنما كان الفريق عبد الفتاح البرهان يرأس مجلس السيادة الانتقالي وكان محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع نائباً له في إطار الترتيبات التي أنشأتها الوثيقة الدستورية لعام 2019.
أي أن القيادتين العسكريتين كانتا شريكتين أصلاً في السلطة الانتقالية وتملكان نفوذاً مباشراً على قوتين مسلحتين.
وعندما وقع الانقلاب لم تكن المسألة تسليم السلطة إلى ضباط جدد وإنما استخدام القوة العسكرية لإعادة تشكيل السلطة القائمة وحل مؤسساتها الانتقالية واعتقال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وعدد من المسؤولين المدنيين.
وقد برر البرهان إجراءاته بالأزمة السياسية والخلافات بين القوى المدنية وهي مبررات تستعيد في بنيتها العامة الخطاب الذي استخدمته انقلابات سابقة لتقديم تدخل الجيش باعتباره علاجاً لعجز السياسة.
لكن وجود أزمة سياسية لا يعني أن الانقلاب كان نتيجة حتمية لها.
فالخلاف بين القوى المدنية مهما بلغت حدته لا ينتج انقلاباً من تلقاء نفسه وإنما يحتاج الانقلاب إلى فاعلين يقررون استخدام القوة ويملكون القدرة على اعتقال المسؤولين وتعطيل المؤسسات وفرض ترتيبات جديدة للحكم.
ولا تعني هذه القراءة أن القوى المدنية كانت خالية من المسؤولية عن أزمة الانتقال.
فقد شهدت الفترة الانتقالية خلافات سياسية حادة وتعثر تشكيل المجلس التشريعي وظهرت اختلالات في أداء بعض المؤسسات وضعف التنسيق بين أطراف الحكومة الانتقالية.
وتعترف وثائق ورشة تقييم الفترة الانتقالية التي أعدتها قوى الحرية والتغيير عام 2022 بوجود أخطاء وخروقات سياسية ودستورية شاركت فيها أطراف مدنية وعسكرية.
لكن هذه الوثائق نفسها تميز بين الأخطاء التي أضعفت الانتقال وبين مسؤولية المكون العسكري عن تنفيذ انقلاب 25 أكتوبر.
كما أن بعض القوى السياسية والحركات المسلحة اتخذت مواقف وفرت غطاءً سياسياً للتحركات المناهضة للحكومة المدنية ووجهت قوى الحرية والتغيير اتهامات إلى أطراف شاركت في اتفاق جوبا بمساندة المسار الذي انتهى إلى الانقلاب.
ولا يجوز تجاهل هذه المواقف عند توزيع المسؤوليات لكنها لا تكفي لإثبات أن الأحزاب السياسية مجتمعة قررت تسليم السلطة للجيش.
فالتمييز واجب بين من ساهم في تأزيم الحياة السياسية ومن دعم ترتيبات الانقلاب أو رحب بها ومن امتلك القوة واتخذ قرار تنفيذه.
وتكتسب هذه التجربة بعداً آخر عندما ننظر إلى ما جرى بعد ذلك.
ففي الخامس عشر من أبريل 2023 اندلعت الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع أي بين القوتين اللتين شاركت قيادتاهما في انقلاب أكتوبر.
ولا يجوز اختزال أسباب الحرب اللاحقة في انقلاب 2021 وحده لكنها تكشف عن خطورة استمرار مراكز قوة مسلحة متعددة داخل الدولة وعن أن الشراكة في ممارسة السلطة خارج الضبط المؤسسي لا تمنع تحول العلاقة بين الشركاء إلى صراع على احتكارها.
وهكذا فإن انقلاب أكتوبر يطرح المشكلة بصورتها الأكثر وضوحاً: لم تكن المؤسسة العسكرية مجرد جهة خارجية استدعتها الأحزاب وإنما كانت شريكاً في الحكم امتلك بعض قادتها القدرة على الانقضاض على الترتيبات الدستورية التي شاركوا في تأسيسها.
سادساً: أين تكمن المغالطة في تحميل الأحزاب مسؤولية الانقلابات؟
إن الدراسة التاريخية لهذه الوقائع تتيح لنا التمييز بين أربعة مستويات مختلفة من المسؤولية غالباً ما يجري الخلط بينها في الخطاب السياسي السوداني.
المستوى الأول هو المبادرة السياسية بالانقلاب عندما يقترح فاعل مدني أو قيادي حزبي تدخل الجيش لإسقاط حكومة أو تعطيل النظام الدستوري. وفي هذه الحالة يتحمل صاحب المبادرة مسؤولية سياسية مباشرة كما في الاتهامات التاريخية المتعلقة بدور عبد الله خليل عام 1958.
والمستوى الثاني هو التنظيم السياسي داخل الجيش عندما تعمل جماعة حزبية أو أيديولوجية على استقطاب الضباط وتوظيف مواقعهم العسكرية لتحقيق غايات سياسية وهو ما ظهر بأشكال مختلفة في نشاط بعض التنظيمات اليسارية والقومية والإسلامية.
والمستوى الثالث هو التأييد السياسي للانقلاب سواء جاء قبل وقوعه أو بعده وما قد يرتبط بذلك من توفير الغطاء السياسي أو الاجتماعي أو محاولة إضفاء الشرعية على النظام الناتج عنه.
أما المستوى الرابع فهو قرار الانقلاب العسكري وتنفيذه والاستمرار في الحكم بعد نجاحه وهو المستوى المرتبط بمن يملك القيادة المباشرة للقوات ووسائل الإكراه والسيطرة على مؤسسات الدولة.
ولا تعني هذه المستويات أن مسؤولية العسكريين تلغي مسؤولية السياسيين أو العكس.
فالتنظيم الذي يخطط للانقلاب ويجند ضباطاً لتنفيذه يتحمل مسؤولية مباشرة لا تقل أهميتها لمجرد أنه لم يحرك الدبابات بنفسه.
لكن الضابط الذي يشارك في التخطيط ويصدر أوامر التحرك ويعتقل الحكومة لا يستطيع إعفاء نفسه من المسؤولية بحجة أن جهة سياسية شجعته أو طلبت منه ذلك.
وهنا تظهر حدود المقولة القائلة إن الفاعلين المدنيين والعسكريين في الانقلابات ليسوا سوى وجهين لعملة واحدة.
فهذا التفسير يحمل قدراً من الصحة عندما يقصد أن الانقلابات كثيراً ما تنشأ نتيجة تداخل المصالح والصراعات السياسية والعسكرية.
لكنه يصبح قاصراً عندما يتجاهل اختلاف أدوات الفاعلين ومواقعهم وقدرتهم على فرض النتائج.
فليس كل من يريد تغيير الحكومة قادراً على اعتقالها وليس كل من يعارض النظام الدستوري يمتلك القدرة على تعطيله بالقوة المسلحة.
والأهم أن الخلاف السياسي يمكن أن يستمر داخل مؤسسات الدولة دون أن ينتهي إلى انقلاب بينما لا يتحقق الانقلاب العسكري إلا عندما تقرر عناصر تمتلك السيطرة على السلاح استخدامه لانتزاع السلطة.
إن تداخل المسؤوليات لا يعني تساويها واختلاف المسؤوليات لا يعني انفصالها.
وهذه القاعدة هي الأساس الصحيح لقراءة تاريخ الانقلابات بدلاً من تحويله إلى محاكمة جماعية للأحزاب أو تبرئة جماعية للعسكريين.
سابعاً: لماذا استمر الحكم العسكري بعد انتهاء الأزمات التي استُخدمت لتبريره؟
هناك سؤال آخر لا يحظى بالاهتمام الكافي في النقاش حول مسؤولية الأحزاب عن الانقلابات.
إذا كان الجيش لا يتدخل إلا بطلب من السياسيين وإذا كانت غايته مجرد معالجة الأزمات التي عجزت عنها الحكومات المدنية فلماذا تستمر الأنظمة العسكرية سنوات طويلة بعد نجاح الانقلابات؟
لماذا لم يعد عبود السلطة إلى البرلمان بعد معالجة الأزمة السياسية التي سبقت نوفمبر 1958؟
ولماذا تحول انقلاب مايو إلى نظام حكم استمر ستة عشر عاماً وتغيرت خلاله التحالفات والأيديولوجيات بينما بقي مركز السلطة في يد نميري؟
ولماذا استمر نظام البشير ثلاثين عاماً رغم التحولات والصراعات التي شهدها التنظيم السياسي الذي ارتبط بقيام الانقلاب؟
ولماذا انتهى انقلاب أكتوبر 2021 إلى إعادة تركيز السلطة في يد القيادات العسكرية بدلاً من معالجة الخلافات السياسية داخل مؤسسات الانتقال؟
هذه الأسئلة لا تثبت أن جميع الضباط كانوا مدفوعين بالغاية نفسها لكنها تكشف قصور التفسير الذي يرى في المؤسسة العسكرية مجرد أداة مؤقتة تستجيب لطلبات القوى المدنية.
فاستمرار الحكم العسكري وإقصاء الحلفاء السابقين وإعادة تشكيل النظام السياسي والصراع داخل المؤسسة العسكرية نفسها كلها وقائع تدل على أن بعض القيادات العسكرية كانت تمتلك مشروعات ومصالح وتصورات مستقلة بشأن السلطة.
ومن ثم فإن البحث عن جذور الانقلابات ينبغي أن يتناول الثقافة السياسية التي تجعل الاستيلاء العسكري على الحكم أمراً مقبولاً لدى بعض الضباط كما يتناول الثقافة الحزبية التي تسمح لبعض السياسيين بالاستعانة بالعسكر لتحقيق غاياتهم.
ثامناً: من عسكرة السياسة إلى تسييس المؤسسة العسكرية
تكشف التجربة السودانية عن ظاهرتين متداخلتين لكنهما مختلفتان في طبيعتهما ونتائجهما.
الأولى هي عسكرة السياسة وتعني انتقال الصراع السياسي من المؤسسات الدستورية إلى أدوات القوة سواء عبر استدعاء الجيش أو تكوين المليشيات أو التلويح بالسلاح لحسم الخلافات.
أما الثانية فهي تسييس المؤسسة العسكرية وتعني خضوع بعض عناصرها أو مراكز قيادتها لانتماءات حزبية أو أيديولوجية أو تعاملها مع نفسها باعتبارها جهة تمتلك حق تحديد شكل الحكم ومصير السلطة السياسية.
وقد أسهم التفاعل بين الظاهرتين في إضعاف التجارب الديمقراطية السودانية وتعميق أزمة الشرعية وإعاقة بناء مؤسسة عسكرية وطنية خاضعة لسلطة الدولة الدستورية.
لكن معالجة هذه الأزمة لا تتحقق بمجرد مطالبة الأحزاب بالكف عن استدعاء الجيش رغم أهمية ذلك ولا بمجرد مطالبة الضباط بالعودة إلى الثكنات.
فالمطلوب هو إعادة تأسيس العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية على قاعدة تجعل احتكار القوة من اختصاص الدولة وتجعل استخدام هذه القوة محكوماً بالدستور والقانون وتمنع تحويل الانتماءات الحزبية والأيديولوجية إلى أدوات للسيطرة على القيادة العسكرية.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين الدولة والحكومة.
فالجيش ليس جيش الحكومة القائمة ولا جيش حزب سياسي ولا ملكاً للضباط الذين يتولون قيادته وإنما هو مؤسسة من مؤسسات الدولة تستمد شرعيتها من الدستور وتؤدي وظائفها في حماية البلاد والدفاع عن سيادتها لا في اختيار من يحكمها.
ولا يصح كذلك اعتبار كل تدخل عسكري تعبيراً عن موقف المؤسسة العسكرية بجميع منتسبيها لأن التجربة التاريخية نفسها تكشف عن ضباط عارضوا الانقلابات وآخرين شاركوا فيها وتفاوتت مسؤولياتهم ومواقفهم.
ومن هنا فإن إصلاح المؤسسة العسكرية يتطلب معالجة العلاقة بين الولاء المهني والولاء السياسي وبين قيادة القوات واحتكار القرار السيادي وبين مبدأ الطاعة العسكرية وحدود الالتزام بالدستور.
كما يتطلب إصلاح المجال الحزبي ذاته بحيث تصبح الأحزاب قادرة على إدارة خلافاتها بوسائل سياسية وتقبل التداول السلمي للسلطة وترفض الاستعانة بالقوة مهما بلغت حدة المنافسة بينها.
الخاتمة: مسؤولية الانقلاب لا تُحسم بالبطاقة الحزبية ولا بالزي العسكري
إن تاريخ الانقلابات السودانية منذ محاولة كبيدة عام 1957 مروراً بانقلابات عبود ونميري والبشير وصولاً إلى انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 يكشف عن علاقة معقدة بين القوى السياسية والمؤسسة العسكرية لا تسمح بالتفسير الذي يحمل طرفاً واحداً المسؤولية عن جميع الانقلابات.
لقد تورط بعض السياسيين في التمهيد للانقلابات ونشطت بعض التنظيمات الحزبية داخل القوات المسلحة وشاركت قوى مدنية في تأييد أنظمة عسكرية أو توفير الغطاء السياسي لها.
وهذه كلها حقائق تستوجب النقد والمساءلة.
لكن الحقيقة المقابلة التي لا يجوز حجبها هي أن التفكير الانقلابي ظهر داخل الجيش منذ السنوات الأولى للاستقلال وأن بعض الضباط امتلكوا تصوراً سياسياً يرى في القوة العسكرية وسيلة للوصول إلى الحكم وأن قيادات عسكرية اتخذت قرارات مستقلة بالاستيلاء على السلطة بل وتجاوزت أحياناً الترتيبات التي اتفقت عليها مع حلفائها المدنيين.
ولذلك فإن تحميل الأحزاب السياسية وحدها مسؤولية الانقلابات لا يعيد كتابة التاريخ فحسب بل يحجب جانباً أساسياً من أزمة بناء الدولة السودانية وهو غياب الحدود المؤسسية الصارمة بين السلطة السياسية والقوة العسكرية.
كما أن تحميل المؤسسة العسكرية بأكملها مسؤولية أفعال بعض قادتها لا يقدم تفسيراً دقيقاً ولا يساعد على بناء مؤسسة وطنية مهنية.
إن المسؤولية التاريخية ينبغي أن تتبع الفعل والقرار والقدرة على التنفيذ لا مجرد الانتماء المهني أو التنظيمي.
فالسياسي الذي يستدعي الجيش لإسقاط حكومة يتحمل مسؤولية خياره والتنظيم الذي يخترق المؤسسة العسكرية لتحقيق غاياته يتحمل مسؤولية تسييسها والضابط الذي يستخدم القوات للاستيلاء على السلطة يتحمل مسؤولية تقويض النظام الدستوري.
ولا يجوز أن تتحول أخطاء الأحزاب إلى مصدر لشرعية الحكم العسكري كما لا يجوز أن تصبح مشاركة العسكريين ذريعة لإعفاء القوى السياسية التي تآمرت معهم.
فالديمقراطية لا تقوم على افتراض أن الأحزاب لا تخطئ وإنما على وجود مؤسسات تستطيع محاسبتها وتغييرها دون استخدام القوة. والمؤسسة العسكرية الوطنية لا تُقاس بقدرتها على الوصول إلى الحكم وإنما بقدرتها على أداء واجباتها دون أن تتحول إلى طرف في الصراع على السلطة.
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضراً في قراءة تاريخ الانقلابات السودانية ليس: من الذي دعا الجيش إلى الحكم؟ بل: لماذا اعتقد بعض الضباط أن من حقهم الاستجابة ولماذا تحولت القدرة على حمل السلاح إلى ادعاء بامتلاك الشرعية السياسية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تنقل النقاش من تبادل الاتهامات بين الأحزاب والعسكريين إلى معالجة الأزمة الحقيقية: أزمة الدولة التي لم تستقر فيها الحدود بين السلطة والقوة وبين الشرعية والسلاح.
فلا تُبنى دولة المواطنة عندما يصبح الجيش حكماً بين المتنافسين على السلطة وإنما عندما يصبح الجيش نفسه خاضعاً للقواعد الدستورية التي يخضع لها الجميع.


أهم المراجع والمصادر

  1. «خمسون عاماً على ثورة أكتوبر السودانية»، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، 2014، الملحق الثالث: محاضر لجنة التحقيق في انقلاب 17 نوفمبر 1958، خصوصاً الصفحات 433–479.
  2. الصادق المهدي، «ميزان المصير الوطني»، الصفحات 79–82 و152–154.
  3. محمد محمود، «الحزب الشيوعي السوداني 1946–1971»، الصفحات 39–40 و57–59.
  4. حاتم ماهل، «بناء الدولة»، الصفحات 128 و133 و193 و214.
  5. كامل إدريس، «السودان 2020: تقويم المسار»، الصفحات 323–327.
  6. قوى الحرية والتغيير، «ورشة تقييم الفترة الانتقالية»، 2022، الصفحات 34 و39 و143 و151 و176.
  7. Alain Gresh, The Free Officers and the Comrades: The Sudanese Communist Party and Nimeiri Face-to-Face, 1969–1971, International Journal of Middle East Studies, 1989.
  8. Andrew S. Natsios, Sudan, South Sudan, and Darfur: What Everyone Needs to Know, Oxford University Press, 2012.
  9. د. فيصل عبد الرحمن علي طه، «الظروف والأحداث التي سبقت انقلاب 17 نوفمبر 1958 في السودان»، سودان تربيون، فبراير 2022.
  10. أحمد إبراهيم أبوشوك، «قراءة وثائقية تحليلية في يوميات التحري القضائية لانقلاب 17 نوفمبر 1958»، سودانايل، نوفمبر 2025.

haytham.compre@gmail.com

Author
هيثم عثمان إبراهيم

هيثم عثمان إبراهيم

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
الاقْتِصَادُ السِيَاسِيُ للدِبْلُوْمَاسِيِّةِ القَسْرِيِّةِ: هَلْ يُمْكِنُ تَغْيِّيرُ حِسَابَاتِ الحَرْبِ فِي السُوْدَانِ؟
بيانات
بيان مشترك من قوى الحرية والتغيير
منبر الرأي
البرهان ….عتوت البرم اكان ضبحو ما بزيل قرم واكان خلو ما بعشر غنم
منبر الرأي
ومن الذي رباك على الانقلابات وسفك الدماء ؟؟؟؟؟ .. بقلم: بشير اربجي
منبر الرأي
مياه النيل وعلاقات السودان وجنوب السودان .. بقلم: . . سلمان محمد أحمد سلمان

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

مرشح الرئاسة كامل إدريس وأوكامبو …. بقلم: سعيد عبدالله سعيد شاهين

سعيد عبدالله سعيد شاهين
منبر الرأي

سِتُّو كَتَبْ- أبْ لِحَايّة، قصصٌ من التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ الخامِسَةُ عَشَر .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد.

طارق الجزولي
منبر الرأي

الثوّار .. أدبهم وثقافتهم .. بقلم: خالد فضل

طارق الجزولي
منبر الرأي

نَقَدَ الفكرة الجمهورية بهدوء مبتعداً عن التكفير: ردود على تساؤلات د. عبدالواحد أيوب!! (3 – 5) .. بقلم: عيسى إبراهيم

عيسى إبراهيم
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss