من المسئول عن فصل الجنوب .. بقلم: جعفر عبدالرحمن إسماعيل/ طوكيو
24 مارس, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
34 زيارة
لا شك أن لحكومة الإنقاذ – شأنها كشأن سائر الحكومات في العالم – اخطاء كثيرة ، ولكن تستوقفني دائما فرية يرددها البعض عن جهل او بقصد الكيد لحكومة الانقاذ . ألا وهي أن حكومة الإنقاذ فصلت جنوب السودان .
صحيح أن فصل الجنوب وقع في فترة حكم حكومة الإنقاذ ولكن حقيقة الأمر تشير دون لبس إلى أن فصل الجنوب يعود إلى تراكمات منذ قبل الاستقلال ومرورا بجميع الحكومات الوطنية المتعاقبة .
ففي عهد حكم الإنجليز للسودان طبقت الحكومة البريطانية سياسة ” المناطق المقفولة منذ 1920 ” بحيث لم يسمح بإنسان السودان الشمالي المسلم بالدخول إلى جنوب السودان ، وتحريم اللغة العربية في مدارس الجنوب ولا يسمح للجنوبيين بارتداء الملابس التي يرتديها الشماليون ولا يسمح للدعاة الاسلاميين بالعمل في الجنوب ، وظلت هذه السياسة مطبقة لفترة من الزمان حتى حوالي العام 1945. وأدت هذه السياسة – ضمن اسباب أخرى – إلى تخلف الجنوب كثيرا بينما تقدم شمال السودان مما خلق شعورا لدى الجنوبيين بان الشمال يخدعهم ويستغلهم ، وربما كان هذا الشعور من احد اسباب تمرد توريت في 18 أغسطس 1958 عندما تمردت فرقة من الجيش في توريت وتم قتل عدد كبير من التجار الشماليين والمدنين.
لم تتخذ الحكومة البريطانية سياسة المناطق المقفولة اعتباطا ولكن كان القرار لسياسة بعيدة النظر بحيث يبقى جنوب السودان متخلفا جدا عن الشمال لكي يسهل في المستقبل فصله . وهذا ما حدث تماما .
ثم سارت الحكومات الوطنية المتعاقبة عن جهل او قصر نظر في ركاب تطبيق سياسات او ممارسات خاطئة ساعدت في تعميق خطة الحكومة البريطانية في اذهان النخبة الجنوبية . فعند خروج البريطانيين من السودان خلت حوالي ثمانمائة وظيفة لم ينل الجنوبيون منها سوى ست وظائف . ثم بدأت الحكومات الوطنية ارتكاب عدة اخطاء منها على سبيل المثال لا الحصر.
– عدم الاهتمام بالتنمية في الجنوب : لم تقم الحكومات المتعاقبة بأي محاولات ملموسة للتنمية في الجنوب.
– استخدام حكومة عبود العنف المفرط ممثلة في سياسة وزارة الدفاع باستخدام الجيش للطيران والقصف الجوي وإحراق القرى ، واصدار قانون الجمعيات التبشيرية المسيحية الذي حظر التبشير وطرد المبشرين المسيحيين من الجنوب ، واللجوء إلى محاولة تطبيق الأسلمة والتعريب القسري ..الخ
– فشل مؤتمر المائدة المستديرة الذي عقد في مارس 1965 لإيجاد حل لمشكلة الجنوب . فقد ضم المؤتمر 18 ممثلا عن الأحزاب الشمالية و24 من السياسيين الجنوبيين بحضور مراقبين من الدول الإفريقية . واتفق المجتمعون على تقديم ثلاثة خيارات للمؤتمر تمثلت في الفدرالية والوحدة غير المشروطة مع الشمال والانفصال، وأبدى الجنوبيون رغبة في أن يكون البت في الخيارات الثلاثة عبر استفتاء عام ، لكن الأحزاب الشمالية جميعها وقفت ضد تلك الرغبة، وأوضحت أن أقصى ما يمكن أن تمنحه للجنوب هو وضع خاص يشمل قيام مجلس تشريعي للإقليم ومجلس وزراء محدود تنحصر صلاحياته في أمور التعليم والصحة والزراعة. وبالطبع رفض الجنوبيون ذلك العرض وردوا بالمطالبة بالفدرالية. وتلى ذلك مقتل الزعبم الجنوبي وليم دينق في ظروف غامضة في الجنوب مما زاد شعور الجنوبيين بالغبن والظلم . وذكر الأستاذ كمال عباس عضو لجنة الإثني عشر ممثلا عن حزب الأمة (في فيديو مشهور) أن فشل المؤتمر يرجع إلى الصادق المهدي وحسن الترابي لإصرارهما على أن يكون رئيس الجمهورية مسلم بحكم الدستور وثلاثة نواب رئيس جمهورية مسملمون بحكم الدستور وبالطبع لم يرض الجنوبيين بذلك .
– مجزرة جوبا في يوليو عام 1965 حيث قام الجيش بقتل المئات وتشريد عدد كبير للدول المجاورة ، وتم في نفس الشهر قتل المئات في حفل عرس في مدينة واو ببحر الغزال.
– مذبحة الضعين في مارس 1987 حيث تم قتل وحرق مئات من الرجال والنساء والأطفال من قبيلة الدينكا في حوش البوليس بمحطة السكة الحديد .
– فشل انفاقية أديس ابابا : تم توقيع هذه الاتفاقية في عام 1972 بين حكومة الرئيس نميري واللواء / جوزيف لاقو عن حركة التمرد (أنانيا) . أقرت الإتفاقية الحكم الذاتي للإقليم الجنوبي كإقليم واحد مكون من ثلاث ولايات . أدت هذه الاتفاقية إلى استقرار نسبي لحوالي عشر سنوات . لكن السياسيين من المديرية الإستوائية شعروا بسيطرة الدينكا على حكومة الإقليم برئاسة السيد أبيل ألير وهو من قبيلة الدينكا ، فطالبوا أن يكون لهم دور اكبر في حكم الجنوب نظرا لشعورهم بأن قبيلة الدينكا تسيطر على حكومة الإقليم ، فوافق الرئيس نميري على تفكيك اتفاقية أديس أبابا بتقسيم الجنوب إلى ثلاث ولايات . وبإعلانه حكم الشريعة في عام 1983 بدأ التمرد مرة أخرى بقيادة العقيد جون قرنق .
– معاملة التجار الشماليين للجنوبيين: بعض التجار كانوا يعاملون الجنوبيين معاملات غير انسانية .
– عدم الوفاء بالكثير من العهود والمواثيق كما جاء في كتاب السيد/ أبيل ألير الشهير .
كل تلك الأخطاء وفرت للتدخل الأجنبي من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وبعض الدول الأوروبية المسوغ لدعم التمرد والوصول إلى غاياتها في فصل الجنوب فقدمت دعما غير محدود جعلت جون قرنق يقاتل حتى وصول الجنوب إلى حق تقرير المصير بينما كان اقصى طموح الجنوب في بداية الاستقلال هو الحكم الاتحادي .
لقد قاتلت حكومة الإنقاذ التمرد لحوالي خمس عشرة سنة وقدمت الكثير من التضحيات البشرية والمادية في سبيل وحدة السودان وفي نهاية المطاف لم يكن لها خيار غير الرضى بالواقع المرير المفروض عليها بقبول مخرجات اتفاقية مشاكوس الظالمة المفروضة على الجانبين – الحكومة والتمرد – والتي أدت في النهاية إلى فصل الجنوب .
وفي رأيي الشخصى أن قبول حكومة الإنقاذ باتفاقية مشاكوس بكل مآخذها قد أدى إلى حقن الدماء من الجانبين الجنوبي والشمالي نتيجة الحرب التي استمرت منذ تمرد عام 1955م وتعتبر اطول حرب أهلية في القارة الإفريقية .
احقاقا للحق وضرورة توضيح الحقائق التاريخية رأيت أن اسهم بهذا المقال بتوضيح حقائق مجردة للأجيال القادمة من أجل الاستفادة من الأخطاء التاريخية وعدم تكرارها صونا لوحدة البلاد .
جعفر عبدالرحمن إسماعيل / طوكيو
Jabraldar@hotmail.com
/////////////