من حياتنا – “في فلك دوائر الوعي واللا وعي”

د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

العلم اليوم يطير بالمركبات إلى القمر والمريخ، ويكشف أسرار الخلية والجينوم والذكاء الاصطناعي يساعد في تشخيص الأمراض . قبل حوالي عشرة أيام شاهدنا مع كل العالم أرتيمس الثانية Artemis 2 وهي تدور حول القمر في رحلة استغرقت 1.1 million KM وتصور لنا ماخفي عن الأنظار منذ بداية الكون، بينت السماء سوداء مظلمة والنجوم مضيئة وكشفت سر القمر أنه تراب وصخور تتخلله فوهات براكين وصور جيولوجية مذهلة. كلها آيات تسعد العاقل المؤمن وتثبت إيمان من يخامره الشك في عظمة الخالق. إنتشيت وأنا أتابع تلك الرحلة على الشاشة وقد حضرتني وقتئذ الآية من سورة آل عمران “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ (190)” . فكرت في علماء ناسا كيف بهذا الوعي التقني لا يزالون يدورون في دائرة اللاوعي فلا يومنون ؟.على صعيد آخر مع كل التطور العلمي والتقني المتطور وفي علوم الهندسة والطب الذي حققه الإنسان حتى هذا الوقت ، نرى أناساً يرفضون علاجاً شافياً، أو يموتون رفضاً لنقل دم أنقذ ملايين البشر. ليس هذا في مجتمعات نسميها «نامية» فقط، بل في قلب أوروبا وأمريكا. المشكلة ليست جهلاً بالمعلومات، بل بحبس العقل في مساحة ضيقة وخروجه من دائرة وعيه ليقع في محيط دوائر اللاوعي الكثيرة . على سبيل المثال حتى في يومنا هذا لا يزال بيننا من يؤمن ويجاهر بأن الأرض مسطحة ويقول: ما يقوله العلماء ” كروية” مسخرة!

ما هي دوائر الوعي واللاوعي؟
دائرة الوعي كما أعتقد: بجملة واحدة “العقل السليم في الجسم السليم”. هي مقدرة الشخص في اتخاذ القرار الصحيح الرشيد بالمنطق فلا يتبع القطيع ، وهي العلم والتجربة بالبحث العلمي والخبرة المتراكمة بالاكتساب والنقد الذاتي. تشمل كل ذلك وتتسع كسباً بالتعلم والحكمة من طول التجربة مع الآخرين وثقافة الحوار. أما دائرة اللاوعي فهي الأخطر تأثيرا. فخلاف فقدان الذاكرة عند كبار السن أو بسبب مرض عضوي أو سكتة دماغية، فهي بالمعنى الفلسفي العريض: أن العقل حاضراً لكنه مغيباً بمعوقات متعددة مثل الخوف، الغضب، والانتماء القبلي والتهور الذي يعمي عن نكران الذات ومراجعة النفس الإنسانية للتسامح في المواقف الحرجة، هيمنة التقاليد البالية الموروثة رغم تقدم العلم والتكنولوجيا وثبوت البراهين، الصدمات التاريخية، والاعتقاد بالمعجزات والتابو كبديل لقوانين الطبيعة. كلها من دوائر اللاوعي ومغناطيسها أقوى لأنها تعمل بصمت ودون مراجعة تصير ديناً ونبراسا.

بعض الأمثلة الحية لتأثير تيار اللاوعي في حياتنا اليومية :
أولاً: التطعيمات (اللقاحات): رغم الإجماع العلمي المختص على سلامتها بعد البحث والتحري بالتجربة ، تروّج دعاوى مضادة (للأسف في سوداننا يصدر هذاحتى من بعض ذوي المهن الطبية) وعلى الخصوص لقاحات الأطفال بأنها «مؤامرة غربية هدفها التعقيم وتحديد النسل». حتى بعض الأطباء الذين كانوا أيام ظهور جائحة كورونا يظهرون يطعّمون أنفسهم وهم على التلفاز فشلوا في إقناع بعض المشككين، لأن الخوف المتراكم صار أكبر من البرهان العلمي الذي تتم به إجازة إستعمال اللقاحات والأدوية الأخرى . التاريخ لا ينسى ذلك الجدل الذي دار حول صلاحية ومضاعفات لقاح الكورونا حتى أن بعض رؤساء دول معروفة رفضوا اللقاح لعدم إيمانهم بجدواه فلم تمهلهم الكورونا وماتوا في أقل من أسبوع

ثانياً: رفض نقل الدم (تجربة أعيشها ممارساً في دول الغرب): جماعات دينية في أمريكا وأوروبا ترفض نقل الدم لطفل أو حتى لأنفسهم، فيموتون بسبب نزيف حاد لأي سبب يكون، أو نتيجة مرض علاجه بسيط مثل الأنيميا المنجلية . هنا هذا اللاوعي الديني المسيطر يتفوق على جوهر الحقيقة وغريزة البقاء. كثيراً من هذه الحالات واجهتني مشكلة التعامل معها في السويد وهنا في انجلترا (أعني ملة جيهوفا المسيحية المنتشرة في اروبا)
Warning!:NOT FOR BLOOD TRANSFUSIONS ،The patient is a Jehovah witness

ثالثاً: الشفاء بالتعاويذ في شكل ورقيات معينة (بخرات) أو شراب بدلاً من الطب: حالات توجد لكنها غير مسجلة إحصائياً لوفاة أطفال او حتى كبار السن بسبب التهاب بسيط، فضّل الأهل فيه طرد الأرواح الشريرة على استعمال المضاد الحيوي. مثال آخر لعل معظمنا قد عشنا متاهاته: دعاء الأمهات والحبوبات لطرد الحمى عند الأطفال “يا عين يا عنية، يا كافرة يا نصرانية، عين الفتاة فيها واطاة، عين الكافر فيها خناجر، خسمتك بالرسول ، أخرجي أخرجي!”، والكافرة لا تخرج، فتظل نارها تشوي الجلد (كتبت وذكرت ذلك في مقال يوميات طبيب، الحذر من طب بديل لا ينفع على سودانايل أبريل 2020 ) https://sudanile.com/من-يوميات-طبيب-يا-عين-يا-عنية،-يا-كافرة/. أبدع المتنبي ورسم لوحة ناطقة في وصفه لعناد تلك الكافرة النصرانية التي كانت لا تزوره إلا في الظلام فتعذبه، تؤرقه وتؤلمه فيذكرنا كيف نعاني في وطننا من زيارات الملاريا الخبيثة:

“وزائرتي كأن بها حياء
فليس تزور إلا في الظلام
فرشت لها المطارف والحشايا
فعافتها وباتت في عظامي
يضيق الجلد عن نفسي وعنها
فتوسعه بأنواع السقام
أبنت الدهـــــــــر عندي كل بنت
فكيف وصلت أنت من الزحام
جرحت مجرّحا لم يبق فيه
مكان للسـيوف ولا السهام”

رحم الله المتنبي.

قصة أخرى من الواقع: «وأنا طفل صغير» في حوالي السن الرابعة من العمر، أذكر وبعد منتصف الليل الشتوي البارد حدثت دقة قوية على الباب من بنت الجيران، أيقظت الجميع وأخبرت أن بطن والدتها توجع وهي تنتظر الولادة. هرعت والدتي مسرعة، وبالطبع لأنني كنت أصغر البيت تبعتها. وجدت ساحة منزل تلك الأسرة قد تجمعت فيها نساء كل الجيران في انتظار حضور القابلة. الجارة كانت تتوجع وتصرخ والنساء كن في حالة خوف وترقب، رافعات أيديهن بالدعاء. ولكن أي دعاء؟ أذكره بالحرف جملة وتفصيلاً، كان هكذا: «يا الشيخ عبدالقادر الجيلاني، ألْحَقْنَا والْحَقْ فلانة». وعندما كبرت وكنت أدرس الطب في بغداد، اكتشفت أن للشيخ الجيلاني رضي الله عنه جامعاً ضخماً وضريحه الذي يرقد فيه. فزرته، ليس لأزعجه بالطلبات وهو في نومه السرمدي الأبدي في دار البرزخ، بل ذهبت لأستكشف حقيقة ومكانة هذا الرقم الديني الجليل، المشهور ليس عند السودانيين فحسب بل في العالم كله. ترحمت عليه بالدعاء، وصليت تلك الجمعة المباركة مع جمع كثيف. غادرت وفي ذهني كانت تدور أحداث تلك الليلة الشتوية المظلمة المرعبة، وجارتنا تصرخ وهي تتوجع من آلام الطلق. الشيخ الجيلاني رحمه الله في عليين كان حاضراً في أذهان نساء قرية صغيرة في وادي النيل البعيد، بينما كان الحل العلمي (القابلة أو الطب) حاضراً بينهن في نفس الوقت، لكنه غير كافٍ لمواجهة الخوف الجماعي والتفسير الغيبي للألم. لكنهن أميات ومعذورات. ربنا يغفر لهن ويرحمهن، فقد كن جاهلات، والجاهل مرفوع عنه القلم. هذه النماذج التي أذكرها هنا ليست اتهاماً للبسطاء أو للدين، بل هي تشريح صادق لكيفية عمل العقل البشري تحت ضغط التقاليد والصدمات التاريخية.

رابعاً: عدم الإعتراف بنوع المرض ورفض العلاج : مثلاً الاكتئاب يُعتبر عند غياب الوعي بالواقع بأنه «ضعف إيمان» وليس مرضاً سببه إفراز هرمونات زائدة عن الحد، مما يؤدي إلى معاناة صامتة وانتحارات تحدث، كان يمكن تجنبها بمراجعة الطبيب النفسي وتعاطي العقاقير الطبية. وفي حالات أخرى مثل الشيزوفرينيا يقال للمريض “أنت مسحور، إذهب إلي شيخ فلان، إيده لاحقة”، وشيخ فلان نفسه لا حول له ولا قوة، ربما نفسه يعاني من المستور ويحتاج إلى طبيب يعالجه

كيف يقع الأذكياء في هذه الدوائر؟ …. هذا الوقوع المؤسف نعيش سيناريوهاته في حياتنا اليومية طيلة السنين لأن لدوائر اللاوعي آليات قوية توظفها، منها :

أولاً: الانتماء الجماعي: غلبة المفهوم السائد بنحن قوم لنا حضارة على تريند (يشرب غيرنا كدراً وطينا) ، ولا ننخدع لأننا نعرف الحقيقة الخفية، والعلماء لا نثق في مفاهيم مستوردة بواسطة عملاء للشركات الأجنبية أو بحجة أنهم “»شيوعين أعداء الدين» علماً بأن روسيا نفسها قد شملتها رياح التغيير.

ثانياً: رواج الخزعبلات : سماع الروايات الشفهية عبر السنين «المعجزات والكرامات» والشفاء الخارق بهذه المادة أو نجاحات العلاج الطبي في البلد الفلاني . صارت من كثرة تداولها كالإعلانات التي تروج على الشاشات، فيصدقها الناس . ومراراً ما يغطي انتشارها وتداولها على الإحصاءات الحقيقية لعدم وجود نظام مؤسسة إحصاء مركزية تستند على نتائج بحثية دقيقة متخصصة ومضمونة في كل شاردة وواردة مهما صغرت تهم الوطن و المواطن .

ثالثاً: الخوف من الموت والألم: يجعل الإنسان يصدق أي شيء يظن فيه وعد بالشفاء، مهما كان غير عقلاني. مثلاً: رغم تفشي السرطان وكفاءة الطبيب المحلي في فن التشخيص والعلاج ، يسافر البعض في حالتهم المتأخرة إلى الهند أو الفلبين توخياً في حصول العلاج السحري فيموتون في الطريق (أو هناك عند الوصول). هنا يجدر ذكر المثل السوداني: «المُوَدِّر يفتح خَشْم البقرة»، يعني أن المضطر فاقد الشيء أو الذي لا يصدق الواقع ، لا يكترث من مواصلة البحث مهما كلفه ذلك وكالمجنون لا مانع من أن يفتح حتى فم البقرة آملاً أن يجد فيه ضالته. المثل يعني إهدار الوقت الثمين في محاولة التغلب على المستحيل

رابعاً: الصدمات التاريخية: مجتمعات عانت من استعمار أو تجارب طبية غير أخلاقية ترفض أي خطاب علمي غربي، حتى لو كان مفيداً. كنت قبل يوم قد تابعت على اليوتيوب حلقة شيقة عن مزرعة نخيل ضخمة نجحت تجربتها في صحراء العراق وصارت تضم حتى زراعة العنب والزيتون ومناحل العسل. أثني مقدم الحلقة على الإنتاج المحلي وقال مزهواً: “يجب أن نفخر بما نمتلك، وانا حتى الأدوية التي تصنع في الخارج لا أشتريها لأنني لا أثق فيها فأشتري المحلي البلدي!”. https://youtu.be/fUmuNTYaZLU?si=ZTIfdTORLeWG5XcN

رغم جهود منظمة الصحة العالمية، لماذا لا يتحد العالم ويتفق على حل؟ لا يتفقون لأن لكل مجموعة شعبوية في هذا العالم «دوائر وعي ولاوعي» تتعارض سياسات أي تغيير يؤثر على العادات والتقاليد . من ضمن الأسباب:

أولاً: في بعض البلاد “المصالح السياسية” هي التي تتحكم، تحتكر الحقيقة وتمنع التوعية الأجنبية. مثلاً نجد بلاداً إسلامية تعارض تطبيق أفكار إصلاحية هامة، قل في التربية والتعليم، بحجة أنها تخدم مصالح تيارات يتهمونها علمانية أو شيوعية… إلخ، حتى وإن كانت الحقيقة تناقض ذلك الفهم الذي لا يسنده دليل.
ثانياً: شعوب (أو حكومات) تخاف على هويتها من أي تأثير خارجي ولو بالإنترنت عبر وسائل التواصل الإجتماعي فتحرم شعبها من الاستفادة من هذه التقنية
ثالثاً: غياب سلطة عالمية جادة وعادلة تبسط الحق على الجميع دون تمييز واستبداد وتحمي من التضليل بالبرهان المثبت.

بدلاً من انتظار البشرية كلها أن تتفق (وهو ما لم يحدث أبداً)، أغلق باب حواري هذا في دائرة مجال مهنتي لينتهي بمقترحات تدور في ي فلك الوعي الصحي أرجو أن تفيد مجتمعنا الصغير في السودان :

أولاً: أنادي للمرة الثانية والثالثة بالإهتمام بالتعليم وبالرعاية الصحية الأولية المجانية الشاملة في كل الفطر ، خاصة التركيز على أهمية صحة الأطفال . البدء ببناء دوائر وعي صغيرة ناجحة: في القرى، والمدارس، وفي الأحياء تُطبَّق توعية صحية وفكرية رائدة، وتكون قدوة لتعم الفائدة في الأقاليم المختلفة .

ثانياً: محاربة المفاهيم المغلوطة والتقاليد الخاطئة بإستخدام الدراما الهادفة والنظيفة (ليست مشتراة أو مأجورة) والقدوة المحلية الحسنة والإرشاد الهادف من رجال الدين والعلماء على قنوات البث التلفزيوني والتواصل، بدلاً من ترديد الخطب والمحاضرات الجافة. أيضاً المشاركة بفعاليات تربوية واجتماعية من قبل نجوم ذات مكانة في الرياضة والفنون والثقافة بأنواعها المختلفة . مثلاً ، أن تظهر تلك الشخصيات وهي تُطَعِّمُ أطفالها باللقاحات الوقائية حسب توصيات منظمة الصحة العالمية، أو تظهر أنها ترتضي العلاج الطبي وتدعوا لمراجعة الطبيب المختص بدلاً من اعتماد العلاج البلدي (البصير في السودان يقوم بعلاج كسور العظام، وعلاج اليرقان المعدي بالكي، وهذا خطأ لا يجوز).

ثالثاً: الاعتراف بشرعية الخوف المهيمن وعلاجه : نعم، الأخطاء قد تحدث في حياتنا. وقد حدثت أخطاء طبية في الماضي في السودان وغيره، لكن لهذا السبب أصبحت إجراءات اليوم في مجال ال clinical governance أكثر انضباطاً وشفافية». الاعتراف بالخطأ يفيد لأنه يفتح نافذة للولوج في دائرة اللاوعي المغلقة لإيجاد الحلول . في ممارستنا اليومية في المستشفيات وجدنا أن الشرح التفصيلي للمرضى مهم جداً من الطبيب المعالج في ما يخص نوع المرض وطرق تشخيصه وعلاجه والعواقب الوخيمة إن لم يعالج ومن ثم اهمية الالتزام بالمتابعة . فالشرح والتوضيح بالصور أو الفيديوهات من قبل الطبيب المختص خاصة أطباء الجراحة والتخدير اثناء المراجعات الطبية الأولية يكفي لتبديد الخوف ويساعد على نجاح العمليات عند المريض الذي يحتاج للتدخل الجراحي بالذات في حال العمليات الجراحية الكبيرة والمعقدة. بمثل هذا الأسلوب من الشرح التفصيلي يمكن أيضاً بكل سهولة النجاح في تفنيد الكثير من التابو والشائعات المغلوطة .

رابعاً واخيراً : أوصي بالإسراع الفوري لأقرب مركز حوادث طبية بأي شخص يلاحظ عليه إضطراباً حادآ في الوعي أو ظهور الهذيان، أو عدم حسن التصرف، لأن أسباب مثل هذا الإضطراب المفاجئ confusion or hallucinations ونتائجها إن لم تسعف آنياً ستكون العاقبة جداً وخيمة، ( أعراض أسباب سكتات الدماغ، إرتفاع أو نقص السكري، التهابات المسالك البولية خاصة عند كبار السن، التسممات بأنواعها المختلفة، الملاريا الدماغية الخبيثة، السحائي، ضربات الشمس ، الجفاف الشديد بفقدان السوائل ….إلخ)

في ختام القول عالمنا صار قرية صغيرة، لكن سكانها (الذين صار يتحكم في مصالحهم كلها من ذوي اللاوعي رجل واحد مثل السيد ترامب) لم يتفقوا بعد على خريطة واحدة أو نظام واحد (ولا أعتقد يوما سيتفقون) . الأمم المتحدة خير مثال لعدم الاتفاق في كثير من قراراتها. الوعي الحقيقي ليس فقط معرفة الحقائق، بل معرفة كيف تعمل عكس الريح دوائر اللاوعي الضارة داخلنا وكيف يخدعنا الخوف، كيف يغرينا الانتماء، كيف تزيّن لنا بعض المعتقدات إن الموت الذي للأسف صار رخيصا على أنه كرامة وجزاءه الشهادة المضمونة . قد لا نغير اخطاء العالم كله أو عالمنا الصغير ، لكن يمكننا بالعزم والتخطيط الحكيم الصادق وشفيف والبحث العلمي أن نضيء شيئا من عتمة دروبنا وإن كان ذلك في دوائر أصغر من ما يسع الوطن فإنه يعتبر انجازا. والنور، حتى لو كان مصدره صغيراً، فإنه يبدد مساحة من الظلام تكفي للتحرك . بالطبع من الصعوبة، بل ليس المطلوب أن يتفق الجميع على كل شيء في يوم وليلة، لكن يجب أن يفكر القليلون بوعي، لكي يؤثرون على الكثيرين الذين يتيهون في دوائر اللاوعي. هذا لا يتم إلا بالصبر وحكمة تبادل الاراء واحترامها مع تواصل الحوارات الجادة .

هامش:

كل الشكر والتقدير للأستاذ التشكيلي الموقر الدكتور أحمد عامر جابر ( المقيم هنا في لندن) على إهدائه لي سفره الرائع «دوائر الوعي واللاوعي». لا أتطرق هنا لنقد أدبي لهذه الرواية الممتعة لعدم تخصصي في هذا المجال، لكن ما جذبني فيها من أول وهلة هو «العنوان الفلسفي» الذي يجعلك تغوص في خبايا معناه لتفكر في حقيقة أهمية استخدام هذا العقل الجبار الذي أتحفنا الله به فيما يصلح، وأن لا ننساق مع العوام يجرونا بجهلهم نحو الدرك الأسفل. ذلك كان أيضاً منطق محتوى سفر الدكتور أحمد. وما ذكرته في الحوار أعلاه هو إلهام وخواطر من واقع مهنتي ، ولدت وتراكمت فكرتها بعد قراءتي لهذا السفر الغني بالأحداث المتنوعة. أستبيحه المعذرة في استعارتي عنوان كتابه الذي حفزني لأكتب هذا الحوار رغم أن فرويد قد كان له قصب السبق في هذا المجال باهتمامه باللاوعي، يعتقد أنه هو الذي يتحكم في تصرفاتنا وأفعالنا. وما طرحته هنا لا يختلف كثيراً في مقصده عن الدرس المستفاد من قراءة كتاب دكتور أحمد. أحداث الرواية كانت مميزة وتعكس في مجملها عادات وتقاليد وثقافات تتمثل فيها صورة حية لوجه «السودان الكبير»، كانت تدور في مجتمع ذلك الزمن (جداً بسيط) وفي بلدة (جزيرة صغيرة جميلة سياحية اذا وجدت الاهتمام ، هي أبا) يحتويها نهر النيل في وسط السودان. ورغم طفولة الراوي آنذاك، فقد كان ذكاؤه الفطن «يعي»، وعدساته الكريستالية عالية الدقة ترصد ما يدور في عالم يختلط فيه “الوعي باللاوعي” والغلبة كانت للأخير. وعندما كبر الراوي ونضج عقله وتوسعت مداركه في الحياة، كان لابد لذكريات تلك الطفولة الغنية أن تخرج للعلن في مخطوطة أدبية تحتوي على كنوز تاريخية من شخص مخلص في سرده، محب لوطنه ومرتع طفولته، فصار شاهداً على العصر. لا يمكن الطعن في حقيقة ما ورد في هذه الرواية . لأتها قصة حياة وتجربة في العمر عاشها الراوي بكل جوارحه ووجدانه ولا شك في صحة أحداثها. بذلك الكم الهائل من الوعي رغم الصغر، الرواية نقلتني أحداثها إلى محطات طفولتي فكأنما السودان قرية واحدة. تخيلت نفسي وتخيلت الراوي وغيره من الصغار في السودان (عندما فجأة يرسلون إلى الدكان المجاور لشراء التنباك للعم فلان)، كيف كان كل واحد منهم مكرهاً ينفذ المرسال وهو على يقين أن أولئك الشيوخ فقط كانوا يريدون إقصاءهم حتى لا يسمعون سرديات مسكوت عنها. هكذا تخيلت طفل ذاك الزمن: في الطريق ووعيه منشغلاً بخدعة المرسال يفيق على نغمات عذبة تطرق أذنيه، تعجبه، عثمان حسين يغني: “ما بصدقكم” فيقول الصبي : “صدقت”، يعود بالتنباك وفي عينيه سؤال وفي حلقة غصة لا يستطيع يتكلم ليقول لأحد “ما بصدقكم”!

سفر جميل بيد فنان تشكيلي متخصص في التصميم ، ممتع السرد، في انتظار نسخته الجديدة في ثوب ربيعي مزهر.
د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
المملكة المتحدة

© Alarabi AA
April 2026 Sudanil

aa76@me.com

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

حينما كانت القضبان الحديدية شرايين الوطن

“قطار الشوق” … للعيد كان يودينا بقلم: د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي هل تذكرون ذلك الصوت؟ …