من كتاب الأصل الأفريقي للحضارة * .. بقلم: محمد السيد علي
3 أبريل, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
(( إن تاريخ البشرية سوف يبقى مشوشا طالما أخفقنا في التمييز بين أول مهدين للحضارة ، صاغت فيها الطبيعة ، الغرائز ، المزاج ، الطباع ، المفاهيم الأخلاقية لمجموعتين قبل أن تلتقيا بعد إنفصال طويل يعود إلى عصور ما قبل التاريخ . أول هذين المهدين هو وادي النيل ، من البحيرات العظمى إلى الدلتا ، عبر ما سمي بالسودان (الأنجلو – مصري) . إن وفرة الموارد الحيوية ، الطبيعة الزراعية المستقرة ، الظروف النوعية للوادي ، تولد عنها إنسانها الزنجي المهذب ، ذو الطبيعة المسالمة ، المفعم بروح العدالة والمرح . إن هذه المزايا ضرورية بصورة أقل أو أكثر بالنسبة للتعايش اليومي .بسبب متطلبات الحياة الزراعية فإن مفاهيم مثل النظام الأمومي ، الطوطمية ، النظام الإجتماعي الأكثر مثالية ، ديانة التوحيد ، ظهرت إلى حيز الوجود وقد نتجت عن هذه المفاهيم مفاهيم أخرى فالختان جاء من التوحيد . أما مفهوم الخنثوية فقد جاء من فكرة الإله (آمون) الخالق الذي أوجد كل الأشياء . بالنسبة لعقلية الأقدمين فإن (آمون) قد إحتوى ضمن ذاته كل مقومات الذكورة والأنوثة اللازمة للإنجاب . عليه كان على آمون الإله الزنجي الأعظم في السودان (بلاد النوبة) وباقي أفريقيا السوداء ، أن يظهر في الأساطير السودانية كخنثي . إن ذلك نجم عنه ختان الذكور والإناث في العالم الأسود . بإستخدام الظروف المادية لوادي النيل كنقطة فارقة ، يمكن للمرء أن يفسّر كل السمات الأساسية للروح والحضارة الزنجية .
في المقابل فإن قساوة السهوب الأوربية الأسيوية ، جدب تلك المناطق ومجمل الظروف المادية فيها ، عمل على إيجاد الغرائز الضرورية للبقاء في مثل هذه البيئة . هنا فإن الطبيعة لا تدع مجالا لتخيل العطف أو الإهتمام فعلى المرء أن يحصل على خبزه من عرق جبينه . إضافة إلى ذلك فإن عليه على إمتداد عيشه الطويل القاسي أن يعتمد على نفسه وعلى إمكانياته ، فهو لا يستطيع أن يطلق العنان في الإعتقاد بإله يغدق عليه بالعطايا في حياته . بدلا من ذلك فإنه يستحضر الآلهة الشريرة ، الحاقدة والحاسدة : (زيوس) ، (ياهو) بين أخريات . في ظل هذا النشاط الذي فرضته البيئة المادية على الإنسان ، كانت هناك سلفا المادية مضّمنة والتجسيد وكذا الروح العلمانية . إن هذا هو السبب الذي جعل البيئة تصوغ هذه الغرائز تدريجيا لدى سكان تلك المناطق وعلى وجه الخصوص الهندو – أوربيين . لقد كانت كل شعوب تلك المنطقة بيضا أو صفرا ، تميل غريزيا لحب الغزو والقتال وذلك للرغبة في النجاة من تلك البيئات العدائية ، فالبيئة التي حولهم تطاردهم فإما أن يغادروها ، يستسلموا أو أن يحاولوا الإستيلاء على أرض تتوافر فيها عناصر طبيعية أفضل .
إن الغزوات لن تتوقف طالما عرفت هذه الشعوب من الإتصال الأول مع العالم الأسود إلى الجنوب ، أن هناك أرضا تتوفر فيها سبل العيش ، تتوفر فيها الثروات وتزدهر فيها التقنيات . لذا ومنذ عام 1450 ق. م وحتى هتلر ومنذ برابرة القرنين الرابع والخامس إلى جنكيز خان والأتراك فإن تلك الغزوات من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب لم تتوقف )) – من الفصل الخامس .
_______________________
* د. أنتا ديوب
msaidway@gmail.com