من وأد وحيدة؟ .. بقلم: عادل سيد أحمد
26 سبتمبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
43 زيارة
كانت الحياة الزوجيّة لغزاً، و صندوقاً مقفلًا بالنسبة لوحيدة ذات العشرين ربيعاً، و كانت مشاعرها متناقضة حيال الزواج نفسه؛ ففي نفسها شيء من تحفظ، وانقباضٍ جنس الرجال بحكم تربيتها التي قامت على المبالغة في إقامة الحواجز المنيعة التي تحدد التعامل بين الجنسين؛ كما أنها تتهيب مسئولية إدارة البيت لما نمى إلى سمعها و شاهدته، و عاصرته، من حكايات و مشكلات، أساسها سوء التفاهم في بين الزوجين بعد دخول القفص الذهبي، و قد يؤدي ذلك إلى الخروج منه من الجهة المقابلة، أو التزام الصبر على الشدة وحياة الضيم والقهر؛ بالإضافة إلى تجارب بنات الجيران، و زميلات وحيدة في المدرسة، و السنوات الأولى من الجامعة، فقد عاصرت و عايشت و رأت رأيَ العِيانِ تجربتي أختيها رفيدة و رشيدة، أما رفيدة فقد كانت أرملة تكبر وحيدة باثنتي عشرة سنة، و رشيدة مطلقة و تكبرها بخمس سنوات.
و لازمت الصراحة و الأريحية علاقة البنات الأخوات الثلاث، و كانت أحاديثهن ثرة ودودة و حميمة، لا يشوبها خوف من أن تبوح كل منهن بأسرارها لأختها ، لدرجة أنه يمكن وصفها بالصداقة، بالذات بين وحيدة و رشيدة، فقد كانت علاقة كلتيهما برفيدة أقل درجة من التفاهم و الانسجام لفارق السن من جانب، و لطبيعة شخصيتها المتأملة الصموت، من جانبٍ آخر، فقد كانت تشتري و لا تبيع، تأخذ و لا تعطي، تسمع و لا تصرح و لا تتكلم منداحة في جلساتهن الثلاثية الخاصة.
كانت رفيدة تحب المرحُوم لا تزال، و تكن له كل مشاعر الإعزاز والوفاء، ويصيبها الكدر و الحزن كلما تذكرت غيابه الأبدي عن دنيانا الفانية، بينما كانت رشيدة تقف على الضفة الأخرى، من حيث المشاعر نحو الزوج، فمُجرَّد نطق اسم طليقها كان يصيبها بالهستريا، و يلقي في قلبها الرعب والفزع؛ فقد كانت تكرهه، و تبغض سيرته،و ترى فيها قبساً من ذكر الشيطان الرجيم، الذي تبدى لها و لأسرتها في غفلةٍ من الزمن في ثوب إنسي.
لذلك، و لاختلاف التجربة الجوهري مع جنس الرجال، كانت أحاديث رفيدة و رشيدة صاخبة و حيَّة، تمور بالأفكار و الآراء المتصارعة و المتناقضة في أحيانٍ كثيرة، و تنتظر وحيدة بفارغ الصبر نشوب الخلافات بين أختيها في نظرتهن لشئون الحياة الزوجية، و لا بأس أن وصل النقاش مراحل حادة من المغالطة و الزعل، فحينها كانت تزيد درجة الصراحة و يظهر ما بين المفردات و الجمل بصورة أكثر جلاءً و وضوح، و تعضد كلٌّ منهن وجهة نظرها بأسرار، تنشر و تُقال للمرة الأولى… و كانت دائما ما تختتم النقاشات بأمر أُمومي من رشيدة:
– يا بت اسكتي… و قومِي شوفي ليك عدةغسِّليها!
و تنصرف رشيدة و هي تهم بتنفيذ أوامر أختها الكبيرة، و في جعبتها سهامٌ من آراء و كلام لم تقله بعد، و تكتشف أثناء الغسيل، ردوداً أفضل، مما فاهت به كان من شأنها ليس إقناع رشيدة فقط و إنما إفحامها.
كانت وحيدة، التي لم تنجُ من تلك الفظاعة الموروثة، تدين أختها الكبيرة على ختانها لبناتها الصغيرات، و كانت تغتاظ أكثر كلما دافعت رفيدة عن موقفها المؤيد لختان الإناث، و عندما كانت تنفعل جراء منطق أختها اللزج، فقد كانت تذكرها بتضررها هي، شخصياً و بالذات، من الختان و تشير إلى الأذى الذي ألحقه بحياتها الزوجية، و فرصتها في العلاقة الجنسية المعافاة، حسب حيثيات حديث المجلس الحالي أو استناداً لتصريحات رفيدة في أحاديث سابقة، و بلغت بها الحدة يوماً أن وجهت لها كلاماً لا يحتمل من حيث القسوة و الإيلام:
– أنت شريكة أصيلة و على علم و دراية بجريمة تعذيب بناتك و تشويه حياتهن الخاصة و إلى الأبد.
وفي ذلك اليوم بكت رفيدة، بعد أن انفض سامر المجلس عندما صارت لوحدها، لأنها، و في قرارة نفسها، كانت تؤمن بصحة رأي وحيدة، الذي مس أوتاراً حساسة من الندم و وخز الضمير الذي كان يناوش رفيدة، كلما تذكرت معاناتها الشخصيّة، من: تبعات و عواقب الختان، و التشويه الذي أعقبه لا لأعضائها التناسلية فقط، و إنما لمجمل حياتها الخاصة امرأة و أنثى، و على رأسها إعاقة علاقتها الزوجية و نشاطها الجنسي.
الخلاف الجوهري في مسيرة رفيدة و رشيدة الزوجية، أن الأولى تزوجت ابن خالتها المرحوم عن حب، نشأ و ترعرع هذا الحب منذ الطفولة و إلى ممات شريك العمر… أما رشيدة فقد قهرت، منذ البداية، و أجبرت على الزواج، بسبب كلمة من أبيها أعطاها لأهل العريس، استحال بعدها النكوص، و ضاعت على رفيدة فرصة الزواج من حبيبها، الذي كان لا يزال على بعد فراسخ و فراسخ من استطاعة الباءة، رغم جديته و حبه الكبير.
و كان لهذا الحب الموءود دوراً، فيما بعد، في الطلاق، و جعله خياراً حاسماً و نهائيًّا…
و لم يكن أحد سوى رفيدة، و لا وحيدة ذاتها بحكم السن، على علم بتلك الملابسة، و لم تفلت و لا كلمة، حتى أثناء الحوارات الملتهبة، و حالات الغضب و الانفعال، من رشيدة، عن علاقة الحب التي عاشتها قبل الزواج و ظلت حيّة، أغلب الظن، و تعتمل داخل نفسها، حتى الآن!
تحقق طلاق رشيدة بعد معركة و صراع، كاد أن يطرق أبواب المحاكم، لولا أن زوجها البخيل النذل، قد أخطأ في خضم المعركة، و تزوج من أخرى، مما رجح كفة رشيدة عند الوسطاء، و استدر عواطفهم و تأييدهم لها، فوقفوا بشكل حاسم، بعد ذلك، مع حق رشيدة البيِّن في نيلها الطلاق…
لقد ساعد عدم الإنجاب رشيدة في أن تتجاسر على طلب الطلاق و تتحمل أوزار المطلقة و الإدانة الاجتماعية المسبقة، و تنجو بنفسها من بيت طاعة الزوج الكذوب الجبان، لأن ليس هناك أطفال يقيدونها إليه و يجبرونها على الهوان و احتمال المذلة.
كانت رشيدة قد ناصبت الزوجة الجديدة العداء قبل أن تعرفها لأنها:
– جات بي ورا، و حجزت الضرا!
وفق تعبيراتها الساخرة و الحانقة، في آنٍ واحد، في مجلس البنات.
و كان هذا بغيضاً، أن يحب الزوج امرأة فينال هو ثمرة ذلك الحب، و ينغرس في قلب زوجته بغضاً و كراهية… فيا لها من مفارقة أنتجتها أنانية و حب ذات.
و لكن، رُفيدة، مستلهمة القول الشعبي الدارج: (ضُلْ راجِل و لا ضُلْ حِيْطة)، كانت ضد طلاق أختها، رغم أن رشيدة كانت بحاجة إلى مساندتها و الوقوف معها، هي، بالذات من دون الآخرين، في معركتها لنيل الطلاق.
كانت حكايات البنات الثلاث، و ضيفاتهن، في بيت ناس وحيدة، تركز على مواقف لرجالٍ بائسين، مارسوا التحرش ضدهن، أو العنف، حتى في العلاقات المباحة، و بالذات صعوبات ليلة الدخلة التي تتطلب تفهمًا و تعاملاً هينًا، قلَّ أن وسم تجربة من تجارب رائدات المجلس… و ما يترتب عليها من ضيق و تعب في ممارسة الحياة الزوجية لباقي العمر بأكمله. و كأن ليلة الدخلة مسابقة يجب أن ينتصر فيها العريس بإثبات فحولته، و تهزم فيها العروس بفقدها العذرية و ما يصاحب ذلك من آلام حسيّة، و نفسيّة، لا يد لها فيها ، ولا قبَل لها باحتمالها إلا على مشقة، و مضض … و تكتفي بالدخول في موجة من البكاء العارم، تنفيساً لمشاعر غامضة من الحنق و الألم…
و لمّا لم تكن هناك مصادر معرفيّة يعتمد عليها سوى ما تهمس به تلك المجالس، و لا حتى في المدرسة، و كانت القراءة في هذا المجال ضرباً من ضروب الأنشطة السريّة، فقد أكسبت وحيدة فوق أعضائها التي بُترت وشوِّهت بالختان؛ وعياً موازياً، كان هو الآخر: مختُونًا.
و على طريقة أن تبعد عن الشر و تغنيله، فقد قررت وحيدة، و منذ الآن، الابتعاد و إبعاد الرجال عن حياتها الخاصة، و آلت على نفسها أن تحقق نجاحات مهنيّة و أكاديمية تحقيقاً و إرضاءً لذاتها، و أن تبقى وحيدة و تنتصر وحيدة، و ألا تتزوج: مهما كانت الضُغُوط و مهما طال الزمن… إلى الأبد!
amsidahmed@outlook.com