من وقف إطلاق النار إلى منع الحرب من جديد: دراسة تحليلية نقدية في كيفية إنهاء الحروب الأهلية ومنع تجددها وبناء السلام المستدام، مع التركيز على السودان (الجزء الثاني والأخير)
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الفصل السابع: الوساطة الدولية والإقليمية والتدخل الخارجي
- الوساطة ليست محايدة بمجرد إعلان الحياد
تتوقف فعالية الوساطة على فهم موازين القوة ومصالح الأطراف وشبكات الدعم الخارجي، وعلى قدرة الوسطاء على التأثير في حسابات المتحاربين. وقد تفشل الوساطة عندما تتعدد المبادرات دون تنسيق، أو عندما تتنافس الدول الراعية، أو عندما يكون لبعض الوسطاء دور مباشر أو غير مباشر في دعم أطراف النزاع (Crocker et al., 1999).
ويجب التمييز بين الوساطة، والتيسير، والضمان، والرقابة، والضغط الدبلوماسي. فالوساطة تسعى إلى تقريب المواقف وصياغة التسوية، بينما يوفر التيسير مساحة للحوار، وتضمن الأطراف الضامنة تنفيذ الالتزامات، وتتحقق بعثات المراقبة من الامتثال، وتستخدم الدول أدوات الضغط والعقوبات لتغيير حسابات الأطراف. وقد يجمع إطار واحد بين هذه الوظائف، لكن ينبغي تحديدها وتوزيعها حتى لا تتضارب الأدوار (Bercovitch & Gartner, 2009).
- تعدد المبادرات ومشكلة التنافس الدولي
في السودان، تداخلت مبادرات إقليمية ودولية متعددة، شملت الاتحاد الإفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية، والأمم المتحدة، والجامعة العربية، والولايات المتحدة، والسعودية، ومصر، والإمارات، ودولاً أوروبية وإفريقية أخرى. وقد أتاح هذا التعدد قنوات اتصال مختلفة، لكنه خلق أيضاً خطر ازدواج المبادرات وتضارب الأولويات وتنافس الوسطاء (EUAA, 2026). وتشير تقارير مكتب الدعم الأوروبي للجوء إلى أن جهود الوساطة الدولية، بما فيها جهود الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية والولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات وسويسرا، فشلت في التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار بسبب الخلافات بين الفاعلين الخارجيين، ورفض القوات المسلحة السودانية التفاوض مع قوات الدعم السريع على قدم المساواة، وتضارب المصالح السياسية (EUAA, 2026).
وتبرز أهمية التنسيق بين الأطر الدبلوماسية بدلاً من إنشاء مسارات متوازية لا تتبادل المعلومات ولا تتفق على الحد الأدنى من المبادئ. وقد أكدت مبادئ برلين لعام 2026 ضرورة تنسيق الجهود الدولية والإقليمية دعماً لحل سلمي ومستدام، وربط ذلك بحماية المدنيين، وتوفير المساعدات، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، والتعافي وإعادة الإعمار بقيادة سودانية (UK Government, 2026). كما ينبغي أن تتولى جهة تنسيق مشتركة تحديد الأدوار، وتبادل المعلومات، ومنع تضارب المبادرات، مع عدم تحويل التنسيق الدولي إلى بديل عن العملية السياسية السودانية (US Department of State, 2026).
- وقف التدخل الخارجي شرط لنجاح التسوية
لا يمكن بناء اتفاق سلام مستدام إذا استطاع أي طرف تعويض خسائره العسكرية أو المالية عبر حلفاء خارجيين. فاستمرار تدفق الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة والتمويل والمرتزقة والخدمات اللوجستية قد يقوض كل حوافز التفاوض. كما أن الدول الداعمة قد تستخدم الحرب لتوسيع نفوذها الإقليمي أو الوصول إلى الموارد أو الموانئ أو الممرات التجارية (Chatham House, 2026). وقد وثقت منظمات حقوقية دولية، من بينها العفو الدولية، تدفق أسلحة وذخائر حديثة الصنع أو مسلّمة حديثاً إلى السودان من دول تشمل الصين وروسيا وصربيا وتركيا والإمارات واليمن، مما يؤكد أن الحرب السودانية مدعومة بشبكات توريد خارجية متعددة (Amnesty International, 2026).
وتحتاج معالجة التدخل الخارجي إلى آلية تحقق متعددة الأطراف، تشمل مراقبة الحدود والمطارات والموانئ ومسارات النقل، وتبادل المعلومات عن شبكات التمويل والتجنيد، ومراجعة تراخيص تصدير السلاح، وتطبيق العقوبات على الجهات التي يثبت تورطها. ويجب أن تستند الاتهامات إلى أدلة قابلة للفحص، لا إلى التصريحات السياسية وحدها (UK Government, 2026).
وقد أفادت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان، في تقريرها الصادر في 3 سبتمبر 2026، بأن شبكات عابرة للحدود ساعدت في تجنيد وتدريب ونقل أفراد أجانب لدعم قوات الدعم السريع، وسهلت نقل أسلحة وذخائر وتقنيات عسكرية ودعم لوجستي. كما ذكرت البعثة أن لديها أسباباً معقولة للاعتقاد بأن القوات المسلحة السودانية استخدمت طائرات مسيّرة أجنبية في عمليات ألحقت أضراراً بالمدنيين والأعيان المدنية. وخلص التقرير إلى أن الدعم الخارجي عزز القدرات العسكرية للطرفين ووسّع نطاق العمليات، ودعا إلى تعزيز تنفيذ حظر السلاح المفروض على دارفور والنظر في توسيعه على مستوى السودان (UN Independent International Fact-Finding Mission for Sudan, 2026). وتشير تحليلات لاحقة إلى أن التقرير ذكر صراحة الإمارات العربية المتحدة ضمن شبكات الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المساءلة الدولية (SUNA, 2026).
وتتضمن مبادئ برلين لعام 2026 التزاماً بإنهاء الدعم الخارجي المباشر وغير المباشر الذي يتيح استمرار الحرب، سواء كان عسكرياً أو مالياً أو لوجستياً. كما شدد الاتحاد الإفريقي على وقف تدفق السلاح وعلى ضرورة تنسيق الدعم الدولي بما يخدم عملية سياسية سودانية الملكية والقيادة (African Union, 2026).
- حدود الضغط الخارجي
لا تستطيع القوى الخارجية فرض سلام مستدام إذا رفضت الأطراف السودانية التسوية، أو إذا ظلت مراكز القوة الداخلية قادرة على تعطيلها. كما أن فرض ترتيبات سياسية من الخارج قد يضعف شرعيتها ويحوّلها إلى اتفاق بين رعاة دوليين لا بين السودانيين. لذلك يجب أن يتركز الدور الخارجي على وقف تدفق السلاح، وتوفير الضمانات، ودعم المراقبة، وتمويل الإغاثة والتعافي، ومساندة الحوار السوداني الشامل، دون مصادرة القرار الوطني (Chatham House, 2026).
الفصل الثامن: بعثات السلام وبناء المؤسسات ومنع تجدد الحرب
- ما الذي تستطيع عمليات حفظ السلام فعله؟
تستطيع عمليات حفظ السلام، عندما تتوفر لها ولاية واضحة وموارد كافية وقبول سياسي، أن تقلل مخاطر تجدد القتال عبر مراقبة وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، ودعم تنفيذ الاتفاق، وتيسير عودة النازحين، ومساندة إصلاح المؤسسات. وقد وجدت دراسة فورتنا أن وجود عمليات حفظ سلام بعد الحروب الأهلية يرتبط بزيادة فرص استمرار السلام، وأن أثرها لا يقتصر على مراقبة الاتفاق بل يشمل تقليل مخاوف الأطراف من تعرضها لهجوم جديد (Fortna, 2004). وتشير دراسات كمية أخرى إلى أن اتفاقات السلام المدعومة بقوات حفظ سلام تكون أقل عرضة لتجدد الحرب (Quinn et al., 2007).
لكن لا ينبغي المبالغة في قدرة بعثات السلام. فهي لا تستطيع أن تحل محل الدولة أو أن تفرض تسوية سياسية دون موافقة الأطراف أو أن تعالج بمفردها الاقتصاد السياسي للحرب. كما أن بعثات محدودة العدد أو التمويل، أو ذات تفويض غامض، قد تفشل في حماية المدنيين أو مراقبة مناطق واسعة. ويتطلب نجاحها وضوح الهدف السياسي، وحرية الحركة، والتعاون مع المجتمعات المحلية، والقدرة على التحقيق والإبلاغ، والارتباط بخطة انتقال سياسي ومؤسسي (Fortna, 2008).
- بناء السلام لا يبدأ بعد انتهاء الحرب
ينبغي أن يبدأ بناء السلام أثناء التفاوض ووقف إطلاق النار، لا بعد اكتمال التسوية. فإعادة فتح المدارس والمراكز الصحية والأسواق، وإصلاح المياه والكهرباء، واستعادة الوثائق المدنية، ودفع الرواتب، وإعادة تشغيل المحاكم، وتوفير خدمات الحماية، كلها إجراءات تقلل دوافع العودة إلى العنف وتعيد بناء الثقة بالدولة (Lederach, 1997).
ويجب أن تتجاوز برامج بناء السلام المشروعات القصيرة الممولة خارجياً، وأن تتحول إلى خطط وطنية وولائية ومحلية متكاملة. كما ينبغي أن تتضمن ميزانيات تشغيل وصيانة، ومؤشرات لقياس جودة الخدمة وتوزيعها، وآليات للشكاوى، ومشاركة المجتمعات في تحديد الأولويات (Paris, 2004).
- دور المؤسسات المحلية
قد تكون المؤسسات المحلية أكثر قدرة على فهم النزاعات اليومية من المؤسسات المركزية، خاصة في المناطق الريفية والحدودية. وتشمل هذه المؤسسات الإدارات المدنية والبلديات واللجان المجتمعية والهيئات المهنية والمنظمات النسائية والشبابية ومؤسسات الإدارة الأهلية، وفق حدود دستورية وقانونية واضحة (Mac Ginty, 2008).
لكن لا يجوز افتراض أن كل مؤسسة محلية محايدة أو ممثلة للجميع. فقد تكون بعض المؤسسات المحلية جزءاً من شبكات الهيمنة أو التمييز أو التعبئة المسلحة. لذلك ينبغي تقييمها وفق معايير الشمول والمساءلة والشفافية واحترام الحقوق، وليس وفق صفتها التقليدية أو الاجتماعية وحدها (Mac Ginty, 2008).
الفصل التاسع: الدروس المستفادة من التجارب الدولية المقارنة
- موزمبيق: اتفاق السلام لا يكفي دون بنية مستدامة لمنع العنف
انتهت الحرب الأهلية في موزمبيق بين جبهة تحرير موزمبيق والمقاومة الوطنية الموزمبيقية باتفاق روما العام للسلام في 1992، الذي ركز بدرجة كبيرة على نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والتحول السياسي. لكن الاتفاق لم ينهِ جميع أشكال العنف المحلي، ولم يمنع عودة التوتر المسلح. وقد شهدت البلاد مواجهات متجددة بين الحكومة والمقاومة الوطنية الموزمبيقية في الفترة 2013–2016، قبل أن يتجه الطرفان إلى مفاوضات مباشرة أفضت إلى اتفاق مابوتو للسلام والمصالحة الوطنية عام 2019 (Maputo Accord, 2019).
وتشير دراسات بناء السلام في موزمبيق إلى أن اتفاق 1992 لم ينهِ العنف منخفض الحدة بصورة كاملة، وأن ضعف المؤسسات المستدامة لإدارة النزاعات المحلية كان أحد أوجه هشاشة مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب عوامل سياسية واقتصادية أخرى. ويعرض مركز جنيف للسياسة الأمنية أن محاولات الوساطة بين 2012 و2016 لم تنتج تسوية نهائية، وأن انتقال الرئيس فيليبي نيوسي وزعيم المقاومة الوطنية الموزمبيقية أفونسو دلاكاما إلى الحوار المباشر في أواخر 2016 ساعد على تهيئة عملية تفاوض وطنية مرنة انتهت باتفاق مابوتو عام 2019 (GCSP, 2024). ويشير تحليل عملية الوساطة إلى أن اتفاق 2019 جاء بعد سلسلة من الاتفاقات الجزئية، بما فيها اتفاق وقف الأعمال العدائية العسكرية لعام 2014، مما يبرز أهمية التدرج والوساطة التكيفية في إنهاء الصراعات الممتدة (Springer, 2022). وتؤكد دروس عملية مابوتو على أربعة عناصر: معالجة الأسباب الجذرية، والتنفيذ أثناء التفاوض، وبناء هيكل وساطة مرن، ودمج المساواة بين الجنسين في العملية (Devex, 2024).
والدرس للسودان أن برامج نزع السلاح لا تعوض غياب مؤسسات السلام المحلية، وأن الاتفاق الأمني يحتاج إلى نظام مستمر لمعالجة النزاعات على الأرض والموارد والسلطة والخدمات. كما أن الوساطة لا ينبغي أن تكون عملية مغلقة بين القيادات المسلحة وحدها، بل يجب أن تتصل بالمجتمعات التي ستتحمل آثار تنفيذ الاتفاق.
- كولومبيا: شمول الاتفاق واتساعه لا يضمنان التنفيذ
أنهى اتفاق السلام الكولومبي لعام 2016 المواجهة الرئيسية بين الحكومة والقوات المسلحة الثورية الكولومبية، وتضمن إصلاحاً ريفياً، ومشاركة سياسية، ونزع السلاح، وإعادة الإدماج، والعدالة الانتقالية، والتعامل مع المخدرات غير المشروعة، وضمانات لحماية القادة الاجتماعيين والمدافعين عن حقوق الإنسان (Kroc Institute, 2024).
لكن تنفيذ الاتفاق واجه تباطؤاً وتفاوتاً بين المناطق والملفات. وتُظهر تقارير معهد كروك لمتابعة تنفيذ الاتفاق أن تنفيذ الالتزامات يتطلب زمناً طويلاً، وأن التقدم يختلف بين بنود الإصلاح الريفي، والضمانات الأمنية، وإعادة الإدماج، والعدالة، والمشاركة السياسية. وقد نبهت تقارير المتابعة إلى أن عدداً من الالتزامات معرض للتأخر أو عدم الإنجاز في الإطار الزمني المحدد، وأن استدامة الاتفاق تتوقف على قدرة الدولة على تنفيذ الالتزامات في المناطق الطرفية وحماية القادة الاجتماعيين والمشاركين السابقين في العملية السياسية (Kroc Institute, 2024؛ Council on Foreign Relations, 2025). وتشير بيانات معهد كروك إلى أن نسبة الالتزامات المكتملة تراكمياً منذ 2016 حتى نوفمبر 2023 بلغت 32%، مع تفاوت كبير بين البنود (Kroc Institute, 2025). ويشير التقرير التاسع للمعهد، الذي يغطي الفترة من ديسمبر 2023 إلى نوفمبر 2024، إلى أن 34% من التدابير المنصوص عليها في الاتفاق قد نُفذت بالكامل، و19% نُفذت جزئياً (Kroc Institute, 2025).
وتكشف التجربة أن الاتفاق الشامل لا يضمن التنفيذ تلقائياً. فالإصلاح الريفي يحتاج إلى تمويل وقدرة إدارية وحماية للمجتمعات، والانتقال السياسي يحتاج إلى ضمانات حقيقية للمشاركين السابقين، ونزع السلاح يحتاج إلى فرص اقتصادية وأمنية بديلة، وحماية القادة المحليين تحتاج إلى مؤسسات قادرة على منع الاغتيالات والتهديدات. كما أن عودة جماعات مسلحة أخرى إلى مناطق انسحاب القوات السابقة قد تقوض مكاسب الاتفاق إذا لم تترافق إعادة الانتشار مع وجود الدولة والخدمات والحماية (Kroc Institute, 2024).
- أيرلندا الشمالية: أهمية المؤسسات المشتركة وآليات التنفيذ
يُعد اتفاق الجمعة العظيمة لعام 1998 مثالاً مهماً على بناء ترتيبات سياسية لإدارة صراع طويل، من خلال تقاسم السلطة، وتطوير مؤسسات مشتركة، وإصلاح الشرطة، وترتيبات نزع السلاح، وآليات للعلاقات بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا والمملكة المتحدة (Coakley, 2020).
لكن التجربة لم تكن خطاً مستقيماً من الحرب إلى السلام؛ فقد شهدت مؤسسات الحكم الذاتي أزمات وتعليقاً للعمل، وكان نزع السلاح وإصلاح الشرطة وتشكيل السلطة التنفيذية موضوعات خلاف متكرر. ويعرض كوآكلي كيف واجه تنفيذ الاتفاق أزمات مؤسسية، بما في ذلك تأخر تشكيل المؤسسات، وتعليق الجمعية التنفيذية عام 2002، قبل استعادة تقاسم السلطة بعد اتفاق سانت أندروز عام 2006. ويركز تحليله على إعادة تنظيم الإدارات الحكومية، وإنشاء الهيئات المشتركة بين الشمال والجنوب، وآليات العمل الحكومي في سياق سياسي شديد الحساسية (Coakley, 2020). وقد عُلقت المؤسسات في أكتوبر 2002 للمرة الرابعة في أربع سنوات، بسبب allegations تتعلق بجمع معلومات من مكتب أيرلندا الشمالية، مما يبرز هشاشة ترتيبات تقاسم السلطة في غياب الثقة الكافية (BBC News, 2002). وفي عام 2024، عادت مؤسسات الحكم الذاتي للعمل بعد توقف دام عامين بسبب خلاف حول ترتيبات ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (BBC News, 2025). ورغم أن السنة المالية 2024/25 كانت الأولى منذ 1969 التي لم تُسجل فيها وفيات مرتبطة بالنزاع، فإن تقارير بريطانية تشير إلى أن أجزاء رئيسية من الاتفاق لا تزال غير منفذة، وأن جذور النزاع لم تُحل، وأن مستويات الانقسام والتهديدات والعنف لا تزال مرتفعة (UK Parliament, 2024؛ ODI, 2024).
والدرس هو أن السلام يحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارة الخلاف، لا إلى افتراض اختفاء الخلاف. لكن نقل تجربة أيرلندا الشمالية إلى السودان لا يمكن أن يكون حرفياً؛ فالسياق القانوني والمؤسسي، وحجم الدولة، وطبيعة الجماعات المسلحة، وتاريخ الصراع، والبيئة الإقليمية، تختلف اختلافاً كبيراً. وما يمكن الاستفادة منه هو تصميم آليات سياسية تمنع احتكار السلطة، وتتيح التفاوض المؤسسي، وتضمن استمرار الخدمات والحكم حتى عند تعطل التوافق بين القوى السياسية (Coakley, 2020).
- جنوب السودان: خطر اتفاقات تقاسم السلطة دون توحيد الأمن
تكشف تجربة جنوب السودان أن تقاسم المناصب الحكومية بين النخب المسلحة قد يوقف القتال مؤقتاً، لكنه لا يضمن قيام دولة مستقرة إذا ظلت القوات متوازية، والقيادات متنافسة، والموارد المالية غير خاضعة للمساءلة، والترتيبات الأمنية مؤجلة. وتُظهر تقارير الأمم المتحدة استمرار التعثر في تنفيذ الترتيبات الأمنية الانتقالية، بما في ذلك الفجوة بين أعداد القوات التي خضعت للتدريب وتلك التي تم نشرها فعلياً. فقد أفاد تقرير الأمين العام الصادر في 24 يناير 2025 بأن نحو 7,000 من أصل 53,000 من أفراد القوات الموحدة الضرورية كانوا قد نُشروا، بينما ظل تدريب الدفعة الثانية والاتفاق على هيكل القيادة الوسطى معلقين (United Nations Secretary-General, 2025). وفي يناير 2026، أعرب مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي عن “قلق بالغ” إزاء بطء التنفيذ واستمرار انتهاكات وقف إطلاق النار، داعياً إلى الإسراع في الترتيبات الأمنية وصياغة الدستور وإنشاء المحكمة المختلطة والتحضير للانتخابات المقررة في ديسمبر 2026 (African Union Peace and Security Council, 2026). وفي فبراير 2026، حذر وكيل الأمين العام لعمليات السلام من أن “الجمود السياسي بين الموقعين الرئيسيين لا يزال يغذي تصاعد التوترات، ويتجلى في مواجهات مسلحة في أجزاء كثيرة من البلاد” (UN Peace Operations, 2026). كما أفادت بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان بأنها سجلت أكثر من 480 حادثة اعتراض للسلاميين والوصول الإنساني بين أكتوبر 2025 ومارس 2026 (VOA, 2026).
والدرس للسودان أن المحاصصة بين القيادات العسكرية لا تمثل بديلاً عن بناء مؤسسات وطنية. كما أن الاتفاق على نسب تمثيل أو مناصب وزارية لا يحل مشكلة تعدد الجيوش أو مصادر التمويل أو مراكز القيادة.
- المقارنة ليست وصفة جاهزة
لا يجوز استنتاج أن تجربة نجحت في دولة ما يمكن نقلها تلقائياً إلى السودان. فالمقارنة العلمية ينبغي أن تراعي طبيعة أطراف الحرب، وعدد الجماعات المسلحة، وشكل الدولة، ودرجة التماسك المؤسسي، ومصادر التمويل، والتدخل الخارجي، والقدرة المالية، ووجود قضاء مستقل، ومستوى المشاركة المجتمعية (George & Bennett, 2005). وتفيد المقارنة في تحديد الآليات الممكنة وشروط نجاحها وحدودها، لا في استنساخ نموذج دستوري أو أمني كامل.
الفصل العاشر: السودان في 2026 — طبيعة الصراع وشروط إنهائه
- الحرب بوصفها أزمة دولة متعددة الأبعاد
اندلعت الحرب في السودان في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لكنها سرعان ما تجاوزت إطار المواجهة العسكرية بين الطرفين إلى أزمة مركبة شملت تفكك مؤسسات الدولة، واتساع النزوح، وانهيار قطاعات واسعة من الاقتصاد والخدمات، وتعدد مراكز السيطرة المسلحة، وتزايد التدخلات الخارجية، وتصاعد النزاعات المحلية (UN News, 2026). وحتى منتصف عام 2026، نزح نحو 14 مليون شخص، منهم 8.9 مليون نازح داخلياً و4.4 مليون لاجئ عبر الحدود، خصوصاً في تشاد وجنوب السودان ومصر (UN News, 2026؛ UNHCR, 2026). وتشير تقديرات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن 33.7 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدة إنسانية في عام 2026، بينما وثقت منظمة الصحة العالمية أكثر من 200 هجوم على مرافق صحية أسفرت عن 2,052 وفاة (UN News, 2026؛ UNRIC, 2026). وتتفاوت تقديرات الوفيات بشكل كبير: فبينما تشير تقديرات الأمم المتحدة “المتحفظة” إلى أكثر من 150,000 قتيل، تسجل قاعدة بيانات ACLED نحو 50,000 وفاة مؤكدة، مع تقديرات بحثية تصل إلى 61,202 وفاة في الفترة من أبريل 2023 إلى يونيو 2024، وتقديرات أخرى تصل إلى 250,000 (Newtral, 2025؛ EUAA, 2026؛ ACLED, 2026). وفي النصف الأول من عام 2026 وحده، تسببت الطائرات المسيّرة في أكثر من 80% من وفيات المدنيين، مما أسفر عن مقتل 880 شخصاً على الأقل في أربعة أشهر (UN News, 2026).
ولا يمكن اختزال الحرب في تنافس شخصي بين قيادتين عسكريتين، رغم أهمية الصراع على القيادة والسلطة. فقد كشفت الحرب عن مشكلة أعمق تتعلق بوجود قوات مسلحة موازية، وتداخل النشاط العسكري والاقتصادي، وضعف الرقابة المدنية، وتراكم اختلالات الانتقال السياسي، وفشل إصلاح المؤسسات الأمنية، وعدم معالجة جذور النزاعات الإقليمية والاجتماعية. وقد كان مقترح دمج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي، الذي جاء ضمن مسار الانتقال السياسي بعد الإطاحة بالبشير في 2019، هو الشرارة المباشرة التي فجّرت التوتر بين الجنرالين عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو، لكن هذا التوتر لم يكن ليؤدي إلى حرب شاملة لولا البيئة البنيوية الهشة التي وفرتها عقود من العسكرة وتفكك المؤسسات (De Waal, 2024).
وتشير تقارير المتابعة الدولية خلال عام 2026 إلى استمرار الانقسام الفعلي في مناطق السيطرة، واتساع القتال في كردفان ومناطق أخرى، وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة والهجمات على البنية التحتية والمواقع المدنية (UN News, 2026). فقد سقطت مدينة الفاشر، آخر معاقل القوات المسلحة في دارفور، في أكتوبر 2025 بعد حصار استمر ثمانية عشر شهراً، وسط تقارير عن ارتكاب قوات الدعم السريع جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب “تحمل بصمات الإبادة الجماعية” ضد المجتمعات غير العربية، وفقاً لبعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة (UN Independent International Fact-Finding Mission for Sudan, 2026؛ HRW, 2026). وقد وثقت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة أن الهجوم على الفاشر أسفر عن مقتل أكثر من 6,000 شخص عبر إعدامات جماعية موجزة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية (UN OHCHR, 2026). وفي يوليو 2026، أفاد نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بأن المحكمة جمعت “أدلة ملموسة” تربط قادة كبار في قوات الدعم السريع بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور (IBA, 2026). كما أصدرت محكمة مكافحة الإرهاب والجرائم ضد الدولة في بورتسودان في 12 يوليو 2026 حكماً بالإعدام على الجنرال محمد حمدان دقلو (“حميدتي”) وقيادات أخرى في قوات الدعم السريع، في قضية تتعلق بمقتل حاكم غرب دارفور خميس عبد الله أبكر وجرائم في الجنينة (EJIL: Talk!, 2026). كما استمرت الجهود الدبلوماسية في الدعوة إلى هدنة إنسانية ووقف دائم لإطلاق النار ومسار سياسي مدني، دون تحقق اختراق حاسم في إنهاء الحرب. وينبغي عند وصف خريطة السيطرة العسكرية تحديد تاريخ كل معلومة، لأن خطوط السيطرة تتغير خلال الحرب، ولأن السيطرة الميدانية لا تعني بالضرورة قيام سلطة إدارية مستقرة أو اعترافاً قانونياً بها.
- تعقيد مراكز السلطة وتعدد السلطات المتنافسة
تتطلب التسوية السودانية التعامل مع أكثر من مستوى للسلطة الفعلية: المؤسسات الرسمية، والقيادات العسكرية، والقوى المسلحة المحلية، والسلطات المدنية والإدارية في مناطق السيطرة المختلفة، والشبكات الاقتصادية، والجهات الخارجية الداعمة. وقد أدى ذلك إلى حالة من التفتت المؤسسي، بحيث لا تكفي موافقة قيادة واحدة لضمان تنفيذ الاتفاق في كل المناطق أو لدى جميع الوحدات التابعة لها (De Waal, 2024).
ومن ثم يجب أن تتضمن عملية التفاوض آليات للتحقق من قدرة القيادات على إلزام القوات التابعة لها، وأن تميز بين القيادة السياسية والعسكرية والميدانية، وأن تحدد مسؤولية كل مستوى عن تنفيذ الالتزامات. كما ينبغي ألا تتحول الاعترافات السياسية أو الترتيبات الإدارية إلى شرعنة دائمة لسلطات الأمر الواقع التي نشأت بفعل الحرب (Staniland, 2012).
ولا بد من التمييز بين الاعتراف بوجود سلطة أمر واقع بوصفها طرفاً يجب التعامل معه لأغراض إنسانية أو أمنية، وبين الاعتراف بها سلطة دستورية أو حكومة شرعية. فالتعامل العملي قد يكون ضرورياً لتأمين المساعدات ووقف القتال، لكنه لا ينبغي أن يسبق التوافق السوداني على النظام الدستوري والشرعية السياسية (US Department of State, 2026).
- التدخل الخارجي وتدويل اقتصاد الحرب
أصبح الدعم الخارجي أحد العوامل التي تزيد صعوبة إنهاء الحرب، سواء عبر التمويل أو السلاح أو الذخائر أو التقنيات العسكرية أو الإمداد اللوجستي أو شبكات التجارة. وقد دعا تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان، الصادر في سبتمبر 2026، إلى تعزيز تنفيذ حظر السلاح المفروض على دارفور والنظر في توسيعه على مستوى السودان. كما وثق التقرير شبكات تجنيد وتسليح وتدريب وإمداد عابرة للحدود، وذكر أن الدعم الخارجي عزز القدرات العسكرية للطرفين ووسّع نطاق العمليات التي يمكن تنفيذها بالطائرات المسيّرة. وهذه نتائج تقرير تحقيق دولي ينبغي نسبتها إلى البعثة، مع التمييز بين ما خلصت إليه من أدلة وما يظل اتهاماً أو ادعاءً يحتاج إلى تحقيق مستقل (UN Independent International Fact-Finding Mission for Sudan, 2026). وتشير تقارير إلى أن تراخيص تصدير المعدات العسكرية البريطانية إلى الإمارات ضمن الفئة (ML10)، التي تشمل الطائرات المسيّرة ومحركاتها، ارتفعت من أربعة ملايين جنيه إسترليني في عام 2023 إلى 87 مليوناً في عام 2024 و77 مليوناً في عام 2025، مما يثير تساؤلات حول دور الشبكات الخارجية في إطالة أمد الحرب (SUNA, 2026).
ولا يكفي في معالجة هذه المشكلة إصدار بيانات سياسية عامة تدعو إلى وقف التدخل الخارجي. بل ينبغي تحديد أنواع الدعم المحظور، ومسارات نقله، والجهات الوسيطة، والمستفيدين منه، وآليات التحقق والعقوبات. كما ينبغي أن تشمل الرقابة الأسلحة التقليدية والذخائر والطائرات المسيّرة ومكوناتها والاتصالات العسكرية والخدمات اللوجستية والتمويل والتجنيد، مع مراعاة أن الاتهامات الموجهة إلى الدول أو الشركات تحتاج إلى أدلة محددة، ولا يجوز تحويلها إلى أحكام قطعية دون تحقيق (Chatham House, 2026).
- الأزمة الإنسانية ليست نتيجة جانبية منفصلة عن مسار السلام
إن استمرار النزوح والجوع وانهيار الخدمات ليس مجرد أثر إنساني للحرب، بل عامل يؤثر في إمكان إنهائها. فالنزوح الواسع يضعف الروابط الاجتماعية والاقتصادية، ويزيد المنافسة على الموارد في مناطق الاستقبال، ويؤثر في شرعية المؤسسات، ويجعل عودة السكان مرتبطة بالأمن والسكن والملكية والخدمات. كما أن انهيار التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل يزيد مخاطر التجنيد والاستغلال والعنف المحلي (UNHCR, 2025).
وأفاد منسق الأمم المتحدة للإغاثة الطارئة في أبريل 2026 بأن نحو 34 مليون شخص، أي قرابة ثلثي السكان، يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، وأن ملايين الأشخاص نزحوا داخل السودان وخارجه، وأن الاستجابة الإنسانية تعاني نقصاً حاداً في التمويل. كما أشار إلى أن العاملين في المجال الإنساني تمكنوا من الوصول إلى 17 مليون شخص خلال العام السابق، بينما استهدف برنامج الاستجابة في 2026 الوصول إلى 20 مليون شخص (UN OCHA, 2026). وتشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن 21 مليون سوداني يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، بينما واجه نحو 19.5 مليون شخص (41% من السكان) مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد (المرحلة الثالثة أو أعلى من التصنيف المرحلي المتكامل) بين فبراير ومايو 2026، مع تأكيد خطر المجاعة في 14 منطقة في شمال دارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان (WFP, 2026؛ IPC, 2026). كما يُتوقع أن يعاني 825,000 طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد الوخيم في عام 2026، بزيادة 7% عن عام 2025 و25% عن مستويات ما قبل الحرب (UNICEF, 2026).
لذلك ينبغي أن يتضمن أي اتفاق مساراً إنسانياً مستقلاً وممولاً، يضمن وصول المساعدات عبر خطوط القتال والحدود، ويحمي العاملين المحليين، ويدعم غرف الاستجابة للطوارئ، ويوفر الخدمات للنازحين واللاجئين والمجتمعات المضيفة، ويهيئ لعودة طوعية وآمنة وكريمة. وقد تضمنت مبادئ برلين لعام 2026 هذه العناصر، إلى جانب دعم الدول المجاورة التي تستضيف اللاجئين والنازحين العائدين، وتمويل الاستجابة الإنسانية، وإعادة بناء الخدمات الأساسية والبنية التحتية (UK Government, 2026).
- المبادئ السياسية الضرورية للتسوية السودانية
ينبغي أن تقوم التسوية على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وعلى قيادة مدنية للانتقال السياسي، وعلى شمول العملية السياسية للقوى المدنية والمجتمعية والنساء والشباب والنازحين واللاجئين، دون أن تتحول إلى محاصصة بين القيادات المسلحة. ويجب أن تكون المشاركة السياسية قائمة على الحقوق والمواطنة والتمثيل الديمقراطي، لا على حجم السلاح أو القدرة على تعطيل الدولة (Berlin Principles, 2026).
كما ينبغي أن تتضمن التسوية التزاماً واضحاً بإصلاح القطاع الأمني، وتوحيد المؤسسات النظامية وفق معايير مهنية وقانونية، وحظر إنشاء قوات حزبية أو قبلية أو شخصية، وإخضاع الأجهزة الأمنية لرقابة مدنية وتشريعية وقضائية، وفصل النشاط التجاري العسكري عن المالية العامة (NUPI, 2017).
وتشدد مبادئ برلين بشأن السودان على وحدة البلاد وسيادتها، وعلى وقف إنساني يعقبه وقف مستدام لإطلاق النار، وآليات للمراقبة والتحقق، وحوار مدني سوداني شامل، ومشاركة النساء، وإنهاء الدعم الخارجي، وضمان وصول المساعدات، وحماية المدنيين والبنية التحتية، وتحقيق العدالة والمساءلة، ودعم التعافي وإعادة الإعمار بقيادة سودانية (UK Government, 2026). وقد أكد البيان المشترك لدول “الخماسية” في يونيو 2026 على ضرورة بدء عملية سياسية بقيادة مدنية خلال ستة أشهر، مع التأكيد على أنه “لا يوجد حل عسكري للصراع في السودان” (US Department of State, 2026؛ Dabanga, 2026).
الفصل الحادي عشر: خارطة طريق عملية لإنهاء الحرب ومنع تجددها في السودان
- المرحلة الأولى: وقف التصعيد وحماية المدنيين وفتح المسار الإنساني (0–12 شهراً)
تبدأ العملية بوقف الهجمات على المدنيين والمرافق الحيوية، ووقف القصف العشوائي والهجمات بالطائرات المسيّرة على المناطق السكنية والمنشآت المدنية، وفتح ممرات إنسانية آمنة، وتأمين وصول الإغاثة عبر خطوط القتال والحدود. ويجب أن تكون هذه الالتزامات نافذة فوراً، وألا تُربط بالتوصل إلى اتفاق سياسي شامل (UN OCHA, 2026).
ويتطلب ذلك إنشاء غرفة تنسيق إنسانية مستقلة، تضم وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الوطنية والدولية وممثلين عن غرف الاستجابة للطوارئ والجهات المحلية المعنية، مع ضمان عدم خضوع المساعدات للتمييز السياسي أو العسكري. وينبغي نشر تقارير دورية عن وصول المساعدات، وعدد المناطق التي أمكن الوصول إليها، وحجم التمويل، والعوائق، والاعتداءات على العاملين الإنسانيين (UK Government, 2026).
ويجب أن تتضمن هذه المرحلة إجراءات لبناء الثقة، مثل إطلاق سراح المحتجزين المدنيين تعسفياً، والكشف عن مصير المفقودين، وتبادل قوائم المحتجزين، وتسليم الجرحى، وحماية المستشفيات ومرافق المياه والكهرباء والأسواق والمدارس ومخازن الغذاء. ولا ينبغي اعتبار هذه الإجراءات تنازلات سياسية، بل التزامات إنسانية وقانونية (UN News, 2026).
وتبقى واقعية هذه المرحلة مشروطة بوقف الأعمال العدائية واسع النطاق، وهو ما لم يتحقق حتى الآن. غير أن التجارب الدولية تشير إلى أن الممرات الإنسانية المحلية المحدودة جغرافياً قد تكون قابلة للتنفيذ حتى في ظل استمرار القتال، إذا توفرت ضمانات من القيادات الميدانية وتنسيق مع المنظمات الإنسانية (UN OCHA, 2026).
- المرحلة الثانية: اتفاق وقف إطلاق نار شامل قابل للتحقق (السنة الأولى إلى الثالثة)
ينبغي أن يتضمن الاتفاق خريطة للمناطق العسكرية، وخطوط التماس، ومواقع القوات، ومناطق حظر الأسلحة الثقيلة، وقواعد حركة القوات، وآلية للإبلاغ والتحقيق، ونظاماً لتوثيق الخروقات. ويجب تحديد مسؤولية القيادات عن القوات التابعة لها، وإلزامها بإصدار أوامر مكتوبة، وإتاحة التحقق من تنفيذها (Mattes & Savun, 2010).
ويُنشأ جهاز مستقل للمراقبة والتحقق، بدعم إقليمي ودولي، وبمشاركة فنية سودانية ومدنية. وتكون مهمته التحقق من الالتزام، وليس إدارة البلاد أو الحلول محل مؤسساتها. وينبغي أن تكون تقاريره علنية بقدر الإمكان، وأن تتضمن تصنيفاً للخروقات بحسب خطورتها وتكرارها والجهة المسؤولة عنها، مع إحالة الجرائم الخطيرة إلى الجهات القضائية المختصة (Fortna, 2004).
ولا ينبغي الإعلان عن نجاح وقف إطلاق النار بمجرد انخفاض عدد الاشتباكات في بعض الجبهات. بل يجب قياسه أيضاً من خلال توقف الهجمات على المدنيين، وانخفاض الاعتقالات التعسفية، ووقف التجنيد القسري، وتراجع تدفق السلاح، وإزالة الحواجز غير القانونية، وفتح الطرق والأسواق والمرافق العامة (UN News, 2026).
وتظل هذه المرحلة هي الأكثر حرجاً في السياق السوداني، نظراً لانعدام الثقة العميق بين الطرفين، وعدم وجود سابقة في تنفيذ أي اتفاق سابق بشكل كامل. ويشير تقييم واقعية هذه المرحلة إلى أن نجاحها يتوقف على وجود ضمانات خارجية قابلة للتنفيذ، وعلى استعداد القيادات العسكرية لقبول تقييد سلطاتها المطلقة على قواتها، وهو ما لم يظهر حتى الآن (Chatham House, 2026).
- المرحلة الثالثة: الاتفاق على المبادئ الدستورية والانتقال المدني (السنة الثانية إلى الرابعة)
يجب أن يتضمن المسار السياسي مبادئ دستورية واضحة، أهمها وحدة الدولة، والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والتعددية السياسية، والحقوق والحريات الأساسية، واللامركزية، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والرقابة المدنية على القوات النظامية. كما يجب أن يحدد مدة الانتقال، واختصاصات مؤسساته، وآليات تشكيلها ومساءلتها، والجدول الزمني لصياغة الدستور والانتخابات (Berlin Principles, 2026).
وينبغي أن تكون المشاركة السياسية مدنية ومجتمعية واسعة، وألا تتحول إلى محاصصة عسكرية أو حزبية مغلقة. ولا يجوز أن تحتكر القوى التي امتلكت السلاح تمثيل المجتمعات المحلية أو تحديد خياراتها السياسية. وتُراعى مشاركة النساء والشباب والنازحين واللاجئين والنقابات والمهنيين والجامعات والمنظمات المدنية والقيادات المحلية، مع توفير آليات تمنع الهيمنة المالية أو التنظيمية على الحوار (US Department of State, 2026).
ويجب أن تسبق الانتخابات تهيئة مؤسسية وقانونية وأمنية، تشمل حرية التنظيم والتعبير والإعلام، واستقلال المفوضية الانتخابية، وتحديث السجل المدني، وتوفير شروط عودة النازحين واللاجئين الراغبين في المشاركة، وتأمين الاقتراع في المناطق المتأثرة بالحرب. فالانتخابات المبكرة في بيئة تسيطر عليها القوات المسلحة والميليشيات قد تعيد إنتاج الهيمنة بدلاً من تأسيس شرعية ديمقراطية (Paris, 2004).
- المرحلة الرابعة: تفكيك القوات الموازية وإعادة بناء المؤسسات الأمنية (السنة الثالثة إلى السابعة)
تتطلب هذه المرحلة حصر جميع القوات والتشكيلات المسلحة، وتسجيل الأفراد، والتحقق من القيادات، وتوثيق الأسلحة والمعدات، وحصر مصادر التمويل، وتحديد الوحدات التي يمكن إصلاحها أو إعادة هيكلتها أو تسريحها. ويجب أن تكون العملية فردية ومهنية، لا قائمة على الحصص التنظيمية أو القبلية أو السياسية (Palik, 2025).
وتُنشأ مفوضية وطنية لإصلاح القطاع الأمني ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، ذات استقلال إداري ومالي، وتخضع للرقابة المدنية والتشريعية والقضائية. ويجب أن تضم خبراء في الأمن والقانون والمالية العامة والحقوق وإعادة الإدماج والتنمية المحلية، مع مشاركة مجتمعية ورقابة مستقلة (NUPI, 2017).
وتُحدد معايير إدماج الأفراد في القوات النظامية وفق الكفاءة واللياقة والتدريب والسجل القانوني والالتزام بالدستور، مع تدقيق فردي يستند إلى الأدلة. ويُمنع إدماج القيادات أو الوحدات بوصفها كتلًا مستقلة تحتفظ بسلاسل قيادة أو تمويل أو عقائد خاصة. كما يجب تسريح من لا يستوفون المعايير، وتوفير برامج تدريب وعمل وتعليم ودعم نفسي واجتماعي لهم (Hoddie & Hartzell, 2003).
ويجب أن يكون إصلاح القطاع الأمني أوسع من دمج القوات المسلحة والتشكيلات شبه العسكرية؛ إذ ينبغي أن يشمل الشرطة والأمن والاستخبارات وحرس الحدود والسجون، وأن يعالج اختصاصات كل مؤسسة وعلاقتها بالمؤسسات الأخرى، ويمنع التداخل غير القانوني في المهام. كما يجب مراجعة قوانين الأجهزة الأمنية والاحتجاز والتفتيش واستخدام القوة، وإلغاء السلطات الاستثنائية التي تسمح بالاعتقال خارج الضمانات القضائية (Hutchful, 2003).
وتُعد هذه المرحلة الأكثر تعقيداً من الناحية السياسية، لأنها تمس مباشرة مصالح القيادات العسكرية والاقتصادية التي تشكلت خلال الحرب. ويشير تقييم الواقعية إلى أن تفكيك البنية العسكرية الموازية لا يمكن أن يبدأ بجدية قبل توفر سلطة مدنية قادرة على فرض قراراتها، وهو ما يجعل التسلسل بين المرحلة الثالثة والرابعة محل نقاش: فهل يمكن بناء سلطة مدنية قبل تفكيك القوات، أم أن تفكيك القوات شرط لقيام سلطة مدنية حقيقية؟ التجارب المقارنة تشير إلى أن الترتيب المثالي هو التوازي، مع تأمين الحد الأدنى من تفكيك البنية الموازية قبل منح الثقة الكاملة للمؤسسات الانتقالية (Call, 2008).
- المرحلة الخامسة: إصلاح الاقتصاد السياسي والمالية العامة (السنة الثالثة إلى الثامنة)
ينبغي أن تشمل التسوية حصر الشركات والأنشطة الاقتصادية التابعة للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية والتشكيلات الموازية، ومراجعة ملكيتها وإيراداتها والتزاماتها، وإخضاع النشاط التجاري غير العسكري للقانون العام والضرائب والتدقيق. ويجب منع استخدام الشركات العامة والخاصة واجهات لتمويل العمليات المسلحة أو شراء السلاح أو تحويل الموارد العامة إلى حسابات خاصة (UK Government, 2026).
كما ينبغي إنشاء نظام شفاف لإدارة الذهب والمعادن والموارد الطبيعية، يشمل التراخيص والإنتاج والتصدير والمستفيدين الحقيقيين، وربط العائدات بالخزانة العامة. وتُراجع الجبايات غير القانونية والحواجز والرسوم المفروضة بالقوة، وتُستعاد سلطة الدولة القانونية على الضرائب والجمارك والمعابر، مع ضمان ألا يؤدي ذلك إلى حرمان المجتمعات المحلية من نصيبها العادل في الموارد (C4ADS, 2025).
وتحتاج إعادة بناء المالية العامة إلى إصلاح الضرائب والجمارك، ومراجعة الإعفاءات، وإدارة الدين العام، وتوحيد الحسابات الحكومية، وإعادة بناء المصارف وأنظمة الدفع، وتوفير معلومات مالية دورية. كما يجب أن تتضمن الموازنة العامة اعتمادات واضحة للصحة والتعليم والمياه والحماية الاجتماعية وإعادة الإعمار، لا أن تُعامل هذه القطاعات باعتبارها نفقات ثانوية أمام الإنفاق الأمني (World Bank, 2024).
وينبغي أن يصاحب ذلك تدقيق مستقل في الأصول العامة التي جرى الاستيلاء عليها أو تحويلها خلال الحرب، ووضع آليات قانونية لاستردادها، والتحقق من ملكية الأراضي والعقارات التي انتقلت قسراً، ومنع التصرف في الممتلكات العامة والخاصة تحت غطاء الضرورات العسكرية. ويجب أن توازن هذه الإجراءات بين استرداد الأموال العامة وحماية المعاملات المدنية المشروعة وحقوق الأطراف حسنة النية (UN Security Council, 2024).
- المرحلة السادسة: العدالة الانتقالية وجبر الضرر وإعادة بناء الثقة (السنة الثانية إلى العاشرة)
يُنشأ إطار وطني مستقل للعدالة الانتقالية يضم مفوضية للحقيقة، وآليات قضائية مختصة، وبرامج لجبر الضرر، وصندوقاً لتعويض الضحايا، وآليات لاستعادة الممتلكات والأراضي، وبرامج للمصالحة المحلية. ويجب أن تكون مشاركة الضحايا حقيقية، وأن تتوفر حماية للشهود والناجين، وأن تُحفظ الأدلة وفق معايير قضائية (OHCHR, 2024).
وتُعطى الأولوية للتحقيق في الجرائم الأشد خطورة، مع مراعاة المسؤولية الفردية وعدم العقاب الجماعي. ويجب ألا تُستخدم المصالحة المحلية بديلاً عن المحاكمة في الجرائم الخطيرة، كما لا ينبغي أن تتحول المحاكمات إلى إجراءات انتقائية تستهدف طرفاً واحداً وتتجاهل جرائم الأطراف الأخرى (Sriram, 2004).
ويجب أن تتضمن الخطة برامج متخصصة للبحث عن المفقودين، وتحديد هوية الرفات، وإعادة الجثامين إلى أسرها متى أمكن، وتوثيق المقابر ومواقع الاحتجاز، وتقديم الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي للضحايا والناجين. كما ينبغي أن تشمل جبر الضرر الفردي والجماعي، بما في ذلك التعويض المالي ورد الممتلكات وإعادة التأهيل والاعتذار الرسمي وضمانات عدم التكرار (Olsen et al., 2010).
وتمثل العدالة الانتقالية أحد أكثر المجالات تعقيداً في السياق السوداني، نظراً لاتساع نطاق الانتهاكات الموثقة، وتورط أطراف متعددة، وضعف المؤسسات القضائية. ويشير تقييم الواقعية إلى أن العدالة الشاملة والفورية غير ممكنة في المدى القصير، لكن تأجيلها الكامل إلى ما بعد استقرار السلام قد يقوض شرعية التسوية. لذلك فإن النهج الأكثر واقعية هو البدء بتوثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة وتقديم جبر الضرر الفوري للضحايا الأشد احتياجاً، بالتوازي مع بناء القدرات القضائية، وتأجيل المحاكمات الكبرى إلى مرحلة لاحقة عندما تتوفر الظروف المؤسسية والأمنية (Taylor & Binningsbø, 2026).
- المرحلة السابعة: التعافي الاقتصادي والاجتماعي وإعادة الإعمار (السنة الأولى إلى الخامسة عشرة)
يجب أن تُبنى خطة التعافي على بيانات دقيقة عن الدمار والسكان والاحتياجات والموارد والقدرات المحلية. وتشمل الأولويات إعادة تشغيل المستشفيات والمدارس ومحطات المياه والكهرباء والطرق والجسور والموانئ والمطارات وشبكات الاتصالات، وإعادة تأهيل الزراعة والثروة الحيوانية والصناعة والأسواق (UNDP & ISS, 2026).
ويجب أن تكون إعادة الإعمار عادلة جغرافياً، وأن تعطي الأولوية للمناطق الأشد تضرراً والأكثر حرماناً، مع منع التمييز في توزيع المساعدات والتعويضات والمشروعات. كما ينبغي أن تُربط المشروعات بفرص العمل المحلية، وبالتدريب المهني، وبتمكين النساء والشباب، وبإعادة دمج النازحين واللاجئين وفق العودة الطوعية والآمنة والكريمة (UN-Habitat, 2024).
ولا بد من إدراج المجتمعات المضيفة ضمن خطط التعافي، حتى لا تتحول عودة النازحين إلى مصدر جديد للتنافس على الخدمات والأراضي وفرص العمل. وينبغي أن تتضمن الخطط آليات واضحة لاستعادة الوثائق المدنية، وتسوية أوضاع السكن والأراضي والممتلكات، وإعادة فتح المدارس والجامعات، وإعادة تأهيل المرافق الصحية، وتوفير الخدمات الأساسية في المناطق الريفية والنائية (UNHCR, 2025).
- الجدول الزمني الواقعي ومخاطر التسرع
لا ينبغي تحديد جدول زمني سياسي بمعزل عن الشروط الأمنية والمؤسسية. ويمكن اعتماد مراحل إرشادية: إجراءات إنسانية ووقف تصعيد فوري؛ ثم اتفاق وقف إطلاق نار ومراقبة خلال الأشهر الأولى؛ ثم بدء الترتيبات الأمنية والسياسية بالتوازي؛ ثم تنفيذ إصلاحات مؤسسية ومالية على مدى سنوات؛ ثم انتخابات عندما تتوفر شروط المنافسة الحرة والأمن والرقابة المستقلة (US Department of State, 2026).
ولا يجوز اعتبار المدد المقترحة مواعيد مضمونة. فسرعة التنفيذ تتوقف على التزام الأطراف، وتعاون الدول الخارجية، وتوافر التمويل، وقدرة المؤسسات السودانية، واتساع مناطق الحرب، ومدى تماسك القيادات المسلحة. لذلك يجب أن يتضمن الجدول الزمني مراجعات دورية، ومؤشرات إنجاز، وإجراءات تصحيحية، وألا يُستخدم لتبرير انتخابات شكلية أو دمج عسكري متعجل (Chatham House, 2026).
الفصل الثاني عشر: قياس نجاح السلام وتقييم واقعية التطبيق
- مؤشرات الأمن ووقف الحرب
يُقاس النجاح الأمني من خلال انخفاض عدد الاشتباكات والضحايا المدنيين، وتوقف الهجمات على المرافق المدنية، وتراجع النزوح القسري، وانخفاض التجنيد القسري، وتوقف تدفق الأسلحة، وتفكيك الحواجز المسلحة غير القانونية، ووجود قيادة موحدة للقوات النظامية، وانتظام الرواتب من الموازنة العامة، وانخفاض الاعتقالات خارج القانون (UN News, 2026).
ولا يكفي استخدام مؤشر واحد؛ فقد ينخفض عدد المعارك بينما يستمر العنف المحلي أو التهديد أو التهجير أو الجريمة المنظمة. لذلك ينبغي أن تجمع منظومة القياس بين بيانات الحوادث، والمسوحات السكانية، وتقارير المستشفيات، وشكاوى المجتمعات المحلية، ومعلومات النزوح، والتحقق الميداني (ACLED, 2026).
كما ينبغي قياس قدرة السلطات المدنية على الوصول إلى المناطق المختلفة، ومدى خضوع القوات للأوامر القانونية، ودرجة حرية حركة المدنيين والمنظمات الإنسانية، وانخفاض الاعتداءات على العاملين في الإغاثة. ويجب نشر المؤشرات دورياً مع توضيح مصادر البيانات ونطاق التغطية ونقاط النقص، حتى لا تتحول الأرقام إلى أدوات دعائية للأطراف (UN OCHA, 2026).
- مؤشرات السياسة والمؤسسات
تشمل المؤشرات السياسية وجود مؤسسات انتقالية ذات صلاحيات محددة، ومشاركة مدنية حقيقية، وحرية النشاط السياسي والإعلامي، واستقلال القضاء، ووجود رقابة تشريعية على الأجهزة الأمنية، وشفافية الميزانية العامة، وإجراء انتخابات حرة في موعد واقعي، وتراجع استخدام القوة في المنافسة السياسية (Paris, 2004).
ويجب قياس المشاركة لا بمجرد عدد المقاعد أو المناصب، بل بقدرة الفئات المختلفة على التأثير في القرار، والوصول إلى المعلومات، ومراقبة التنفيذ، ومساءلة المسؤولين. كما يجب قياس استقلال المؤسسات من خلال ممارستها الفعلية لصلاحياتها، لا من خلال النصوص الدستورية وحدها (Berlin Principles, 2026).
ومن المهم قياس مدى استقلال المفوضيات والهيئات الرقابية عن الأحزاب والقوات المسلحة ومراكز التمويل، وشفافية التعيينات العامة، وعدالة التوزيع الجغرافي للوظائف والخدمات، وقدرة المحاكم على الفصل في القضايا ذات الصلة بالسلطة والأمن دون تدخل سياسي أو عسكري (Call, 2008).
- مؤشرات الاقتصاد والتعافي
تتضمن المؤشرات الاقتصادية انتظام دفع الرواتب، ونمو الإيرادات العامة غير الريعية، وتراجع الجبايات غير القانونية، وشفافية عائدات الذهب والموارد الطبيعية، وعودة الإنتاج الزراعي والصناعي، وتحسن التجارة والنقل، وتراجع التضخم والبطالة والفقر، واستعادة الخدمات الأساسية. وينبغي ألا يُقاس التعافي بالناتج المحلي الإجمالي وحده؛ لأن النمو قد يتركز في قطاعات محدودة أو مناطق بعينها دون تحسين مستوى معيشة غالبية السكان (World Bank, 2024).
وتؤكد سيناريوهات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية أن السلام وحده لا يضمن التعافي، بل يجب أن يترافق مع إصلاح الحوكمة والزراعة والصحة والتعليم والبنية التحتية والتجارة والتمويل. فالسيناريو المتفائل يتطلب سياسات مترابطة واستثمارات متواصلة، وليس مجرد انتهاء القتال (UNDP & ISS, 2026).
كما ينبغي قياس توزيع ثمار التعافي بين الولايات والمحليات، وبين المدن والأرياف، وبين الفئات الاجتماعية المختلفة، ورصد مدى عودة فرص العمل والإنتاج المحلي، وقياس القدرة على تمويل الخدمات العامة من الإيرادات الوطنية بدلاً من الاعتماد الدائم على المنح الخارجية (UK Government, 2026).
- مؤشرات العدالة والمصالحة
تشمل المؤشرات عدد القضايا التي جرى التحقيق فيها وفق معايير قانونية، ونسبة القضايا التي وصلت إلى المحاكمة، ومدى حماية الشهود، وحجم التعويضات المدفوعة، وعدد الأسر التي استعادت ممتلكاتها أو حصلت على جبر للضرر، ومدى مشاركة الضحايا في تصميم البرامج، ومستوى الثقة في القضاء والمؤسسات (OHCHR, 2024).
ولا ينبغي استخدام عدد المحاكمات وحده مؤشراً على نجاح العدالة الانتقالية؛ فقد تكون المحاكمات كثيرة لكنها انتقائية أو غير عادلة. كما لا ينبغي قياس المصالحة بعدد اللقاءات أو الاتفاقات المحلية فقط، بل بمدى انخفاض العنف، واستعادة الحقوق، وتحسن العلاقات المجتمعية، ووجود ضمانات عملية لمنع تكرار الانتهاكات (Lederach, 1997).
- تقييم الواقعية السياسية والمؤسسية والاقتصادية
من الناحية السياسية، تواجه التسوية السودانية صعوبة تتمثل في تضارب مصالح الأطراف المسلحة، وتعدد مراكز القرار، وتفاوت قدرة القيادات على ضبط القوات التابعة لها، ووجود أطراف قد ترى أن استمرار الحرب أفضل من التنازل عن الموارد والسلطة. ولهذا لا يكفي أن يتفق الوسطاء على مبادئ عامة؛ بل يجب تغيير الحوافز التي تجعل استمرار الحرب مجدياً لبعض الفاعلين، عبر وقف الدعم الخارجي، وتقييد التمويل غير المشروع، ورفع كلفة الانتهاكات، وتوفير ضمانات واقعية للانتقال (De Waal, 2024).
ومن الناحية المؤسسية، لا يمكن تنفيذ إصلاح القطاع الأمني دون وجود سلطة مدنية قادرة على إصدار القرارات ومراقبة التنفيذ، ووجود جهاز قضائي مستقل، وإدارة مالية عامة قادرة على دفع الرواتب وتوحيد الحسابات، ومؤسسات محلية تستعيد الخدمات. لذلك فإن الإعلان عن إصلاح شامل قبل استعادة الحد الأدنى من القدرة المؤسسية قد ينتج خططاً شكلية لا تنفذ (NUPI, 2017).
ومن الناحية الاقتصادية والمالية، تتطلب إعادة الإعمار موارد ضخمة تفوق قدرة الموازنة الوطنية في ظل انهيار الإيرادات واتساع الاحتياجات. ولهذا يجب الجمع بين استعادة الإيرادات العامة، ومكافحة التهريب، وإصلاح الضرائب والجمارك، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، وإعادة توجيه الإنفاق العام، والحصول على دعم دولي ميسر، وتخفيف أعباء الديون عندما تسمح الظروف، وضمان أن تُدار الأموال وفق رقابة مستقلة (UNDP & ISS, 2026).
ومن الناحية الاجتماعية، لا يمكن استدامة السلام إذا عادت مؤسسات الدولة إلى إنتاج التهميش أو إذا جرى توزيع الموارد والمناصب بين النخب المسلحة دون معالجة المظالم المحلية. ولذلك يجب أن تكون العدالة الإقليمية والخدمات والتمثيل السياسي وحقوق الملكية وعودة النازحين جزءاً من خطة السلام، لا موضوعات ثانوية مؤجلة (UNHCR, 2025).
- المخاطر التي قد تُفشل التسوية
أول المخاطر هو وقف إطلاق نار لا يتضمن آليات تحقق، فيتحول إلى هدنة لإعادة التسلح. وثانيها اتفاق تقاسم سلطة يوزع المناصب دون تفكيك القوات الموازية. وثالثها دمج عسكري سريع يدمج الولاءات المتنافسة داخل مؤسسة واحدة. ورابعها الإفلات من العقاب أو العدالة الانتقائية، بما يضعف شرعية الدولة. وخامسها استمرار التمويل الخارجي واقتصاد الحرب. وسادسها إعادة إعمار غير عادلة تزيد التفاوتات. وسابعها انتخابات مبكرة في ظل استمرار السلاح والتهجير وانعدام تكافؤ الفرص. وثامنها إقصاء النساء والشباب والمجتمعات المحلية والنازحين واللاجئين عن صناعة القرار. وتاسعها ضعف التنسيق بين الوسطاء الدوليين والإقليميين. وعاشرها غياب تمويل مستدام للتنفيذ (Paris, 2004؛ Palik, 2025).
ويمكن إضافة مخاطر أخرى، منها غياب خطة واضحة للتعامل مع المقاتلين السابقين، وضعف حماية الشهود والضحايا، وتسييس أجهزة العدالة، وعدم القدرة على استعادة الممتلكات، وعودة شبكات التهريب والجبايات، واحتكار النخب للمساعدات وإعادة الإعمار، وفشل إصلاح الإدارة المحلية، والتنافس بين الولايات على الموارد، وغياب آلية لمعالجة الخلافات الدستورية والسياسية بعد انتهاء المرحلة الانتقالية (Call, 2008).
- أولويات التنفيذ القابلة للقياس
ينبغي أن تُترجم التسوية إلى برنامج عمل وطني يتضمن مسؤوليات محددة، وميزانية معلنة، ومواعيد تنفيذ، ومؤشرات مستقلة. ومن أهم الأولويات: وقف الهجمات على المدنيين؛ فتح المساعدات؛ التحقق من وقف إطلاق النار؛ حصر القوات والسلاح؛ وقف التجنيد والتسليح الموازي؛ قطع التمويل غير المشروع؛ توحيد المالية العامة؛ بدء إصلاح القطاع الأمني؛ إطلاق مسار العدالة الانتقالية؛ استعادة الخدمات الأساسية؛ ضمان المشاركة المدنية؛ وتوفير شروط العودة الطوعية والآمنة للنازحين واللاجئين (UK Government, 2026).
ويجب أن تُنشر تقارير دورية عن التقدم، وأن تتضمن تقييماً مستقلاً للفجوات والتأخيرات والخروقات، وأن تكون البيانات قابلة للمراجعة من المؤسسات المدنية والبحثية والرقابية. كما ينبغي أن يُسمح بتعديل خطة التنفيذ عندما تظهر أدلة جديدة أو تتغير الظروف، دون التخلي عن المبادئ الأساسية المتعلقة بحماية المدنيين ووحدة الدولة وسيادة القانون والانتقال المدني (US Department of State, 2026).
خاتمة نقدية: السلام المستدام نتيجة تغيير بنية القوة لا مجرد توقيع اتفاق
تُظهر الأدبيات العلمية والتجارب المقارنة أن إنهاء الحرب الأهلية لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، ولا بمجرد الاتفاق على تقاسم السلطة، ولا حتى بمجرد نزع جزء من السلاح. فالسلام المستدام يتطلب تغييراً في بنية الحوافز والمؤسسات التي جعلت الحرب ممكنة ومربحة وقابلة للتكرار. وتتمثل أهم هذه التحولات في إقامة احتكار قانوني ومهني للقوة المسلحة، وإخضاع المؤسسات الأمنية للسلطة المدنية والرقابة، وتفكيك شبكات التمويل غير المشروع، ومعالجة المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وضمان العدالة والمساءلة، وإعادة بناء الخدمات والاقتصاد، وتوفير آليات سلمية لإدارة الخلافات (Call, 2008؛ Paris, 2004).
وتكشف الأدلة المقارنة أن الاتفاقات التفاوضية ليست بالضرورة أقل استدامة من الانتصارات العسكرية، وأن تنفيذ ترتيبات تقاسم السلطة قد يقلل مخاطر عودة الحرب عندما يكون كاملاً وقابلاً للتحقق، وأن المراقبة الدولية وتبادل المعلومات العسكرية والتحقق منها يمكن أن تخفض مخاطر انهيار التسويات (Gromes & Ranft, 2021؛ Mattes & Savun, 2010). لكنها تكشف أيضاً أن هذه الآليات لا تعمل بصورة آلية، وأن تصميم الاتفاق وتنفيذه والسياق السياسي والاقتصادي والمؤسسي عوامل حاسمة. كما أن برامج نزع السلاح قد تفشل عندما تقتصر على جمع الأسلحة دون معالجة إعادة الإدماج، أو عندما تستبعد النساء والأطفال، أو عندما لا توفر فرصاً اقتصادية حقيقية (Palik, 2025).
وتقدم موزمبيق درساً في أن نزع السلاح لا يعوض غياب مؤسسات مستدامة لإدارة النزاعات، وتقدم كولومبيا درساً في أن الاتفاق الشامل قد يتعثر بسبب بطء التنفيذ وضعف الحماية في المناطق الطرفية، وتقدم أيرلندا الشمالية درساً في أهمية المؤسسات المشتركة والقدرة على إدارة الأزمات، بينما تكشف تجربة جنوب السودان خطورة تأجيل توحيد القوات والقيادة والتمويل (Kroc Institute, 2024؛ Coakley, 2020؛ UN Peace Operations, 2026). ولا تمثل أي من هذه الحالات وصفة جاهزة للسودان، بل توفر آليات ودروساً ينبغي تكييفها مع خصوصية الدولة السودانية.
أما في السودان، فإن التحدي يتجاوز التوصل إلى اتفاق بين قيادتي القوات المسلحة والدعم السريع. فالمطلوب إنهاء نظام تعدد مراكز القوة المسلحة والاقتصادية، واستعادة الدولة بوصفها مؤسسة عامة لا ملكية خاصة لأي تنظيم أو قيادة، وبناء نظام سياسي مدني تعددي يضمن المشاركة والمساءلة، ويعالج جذور التهميش والنزاعات المحلية، ويعيد توزيع الموارد والخدمات بصورة أكثر عدالة. كما أن وقف التدخل الخارجي وتجفيف اقتصاد الحرب شرطان أساسيان، لأن أي اتفاق داخلي سيظل هشاً إذا استطاعت الأطراف مواصلة الحرب عبر مصادر تمويل وتسليح خارجية (UN Independent International Fact-Finding Mission for Sudan, 2026؛ UK Government, 2026).
ولا ينبغي أن يُفهم إصلاح القطاع الأمني على أنه مجرد دمج عددي للقوات أو إعادة توزيع الرتب والمناصب. بل يجب أن يقوم على توحيد القيادة والعقيدة والميزانية والتدريب والانضباط، وإخضاع الأجهزة للرقابة المدنية، والتدقيق الفردي في المسؤولية والكفاءة، ومنع الحصص المسلحة، وضمان عدم الإفلات من العقاب. كما ينبغي أن يُنفذ نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج بالتوازي مع إصلاح الاقتصاد المحلي وإعادة بناء الخدمات، حتى لا يتحول المقاتلون السابقون إلى مصدر جديد للعنف أو الجريمة المنظمة (NUPI, 2017).
ويجب أن تكون العدالة الانتقالية جزءاً من بناء السلام، لا عقبة أمامه ولا شعاراً رمزياً. فالسلام الذي يتجاهل الضحايا ويمنح الحصانة الجماعية لمرتكبي الجرائم قد يوقف القتال مؤقتاً لكنه يضعف شرعية الدولة ويترك أسباب الثأر والعنف قائمة. وفي المقابل، فإن العدالة الانتقائية أو الانتقام الجماعي قد يعيدان إنتاج الحرب. لذلك فإن المسار الأكثر واقعية هو المسؤولية الفردية، والتحقيق المستقل، والمحاكمات العادلة، وجبر الضرر، واستعادة الحقوق، والمصالحة المحلية القائمة على الحقيقة والإنصاف (OHCHR, 2024).
وتوضح السيناريوهات الاقتصادية الحديثة أن استمرار الحرب سيضاعف الخسائر البشرية والاقتصادية ويعمق الفقر لعقود، بينما يمكن للسلام المصحوب بإصلاح مؤسسي واستثمار منتج أن يفتح مساراً مختلفاً للتنمية. لكن هذه السيناريوهات تظل تقديرات نمذجة وليست ضمانات؛ إذ يتوقف تحققها على قدرة الدولة على استعادة الأمن، وإصلاح الحوكمة، وزيادة الإنتاجية، وتوجيه الاستثمار إلى القطاعات والمناطق الأكثر احتياجاً. ويؤكد تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية أن السيناريوهات المختلفة للسودان تتباعد بصورة كبيرة تبعاً لاستمرار الحرب أو تحقق السلام المصحوب بالإصلاح والاستثمار، وهو ما يجعل القرارات السياسية والأمنية والمؤسسية في السنوات القليلة المقبلة ذات آثار تنموية طويلة الأجل (UNDP & ISS, 2026).
والخلاصة أن إنهاء الحرب في السودان يتطلب مشروعاً متكاملاً لإعادة تأسيس الدولة، لا مجرد تسوية بين أطراف مسلحة. ويجب أن تكون أولوياته حماية المدنيين ووقف الحرب، ثم توحيد المؤسسات الأمنية وإخضاعها للسلطة المدنية، وتفكيك اقتصاد الحرب، وإقامة انتقال سياسي مدني شامل، وتحقيق العدالة، وإعادة بناء الاقتصاد والخدمات، وتأسيس نظام لامركزي عادل لإدارة الموارد والخلافات. ولا يمكن ضمان نجاح هذا المشروع مسبقاً، لكن يمكن رفع احتمالات نجاحه من خلال التدرج، والتحقق المستقل، والشفافية، والتمويل المستدام، والمشاركة المجتمعية، والالتزام الصارم بسيادة القانون. فالسلام الحقيقي ليس غياب المعارك فحسب، بل قيام دولة لا يستطيع أي طرف فيها تحويل السلاح إلى طريق دائم للسلطة والثروة والإفلات من المساءلة.
قائمة المراجع
أولاً: المراجع العربية
- وزارة الخارجية الألمانية. مبادئ برلين بشأن السودان. برلين: وزارة الخارجية الألمانية؛ 2026.
- العربي الجديد. وثيقة مبادئ برلين بشأن السودان: توافق شكلي لا يكفي لإنهاء الحرب. العربي الجديد. 2026 مايو 4.
- التلفزيون العربي. نزع السلاح حول العالم.. لماذا نجحت بعض التجارب وتعثرت أخرى؟ التلفزيون العربي. 2026 أكتوبر 30.
ثانياً: المراجع الإنجليزية
- ACLED. Armed Conflict Location & Event Data Project: Sudan Conflict Monitor. Madison: ACLED; 2026.
- Africa Confidential. Riyadh flashes the gold card. Africa Confidential. 2026 October 25.
- African Union Peace and Security Council. Communiqué of the 1326th Meeting of the Peace and Security Council, held on 23 January 2026, on the Update Briefing on the Situation in South Sudan. Addis Ababa: African Union; 2026.
- Amnesty International. City Under Siege, Children Under Fire: Sudan. London: Amnesty International; 2026.
- Basedau M, Lay J. Resource curse or rentier peace? The ambiguous effects of oil wealth and oil dependence on violent conflict. Journal of Peace Research. 2009;46(6):757–776.
- BBC News. NI talks follow assembly fall. BBC News. 2002 October 31.
- BBC News. Don’t hold Stormont to impossibly high bar, says George Mitchell. BBC News. 2025 July 9.
- Bercovitch J, Gartner SS. Is there method in the madness of mediation? Some lessons for mediators from quantitative studies of mediation. International Interactions. 2009;32(4):329–354.
- Billon P le. The political ecology of war: natural resources and armed conflicts. Political Geography. 2001;20(5):561–584.
- Brookings. Compromised Coalitions: Power Sharing and Its Perils. Washington, DC: Brookings Institution; 2025.
- C4ADS. Bullion for Bullets: The Role of Mining in Sudan’s Conflict Economy. Washington, DC: C4ADS; 2025.
- Call CT. Building States to Build Peace. Boulder: Lynne Rienner; 2008.
- Chatham House. The flow of arms and money feeding the war in Sudan can be cut. What is missing is the will. London: Chatham House; 2026 May 19.
- Coakley J. The Good Friday Agreement, 1998: Implementation. In: Coakley J, Todd J, editors. Negotiating a Settlement in Northern Ireland, 1969–2019. Oxford: Oxford University Press; 2020. p. 453–522.
- Collier P, Hoeffler A. Greed and grievance in civil war. Oxford Economic Papers. 2004;56(4):563–595.
- Collier P, Elliott VL, Hegre H, Hoeffler A, Reynal-Querol M, Sambanis N. Breaking the Conflict Trap: Civil War and Development Policy. Washington, DC: World Bank and Oxford University Press; 2003.
- Council on Foreign Relations. Preventing Renewed Conflict in Colombia. New York: Council on Foreign Relations; 2025.
- Crocker CA, Hampson FO, Aall P, editors. Herding Cats: Multiparty Mediation in a Complex World. Washington, DC: United States Institute of Peace Press; 1999.
- Dabanga. Int’l group backs civilian led Sudan dialogue within six months. Dabanga Radio TV Online. 2026 June 9.
- DDR-40 Dataset. Why do Armed Groups Return to War after Disarmament, Demobilization, and Reintegration? Introducing the DDR-40 Dataset (1980–2020). 2026.
- De Waal A. Sudan: A Political Marketplace Framework Analysis. World Peace Foundation; 2024.
- Devex. Opinion: 4 lessons from Mozambique’s successful peace process. Devex. 2024 January 24.
- Drezner DW. Sanctions sometimes smart: targeted sanctions in theory and practice. International Studies Review. 2011;13(1):96–108.
- EJIL: Talk! Sudan’s Death Sentences Against RSF Leaders: Complementarity and Accountability Under International Law. 2026 August 11.
- EUAA. Country of Origin Information Report: Sudan – Security Situation. Valletta: European Union Agency for Asylum; 2026.
- Fearon JD. Rationalist explanations for war. International Organization. 1995;49(3):379–414.
- Fearon JD, Laitin DD. Ethnicity, insurgency, and civil war. American Political Science Review. 2003;97(1):75–90.
- Fortna VP. Does peacekeeping keep peace? International intervention and the duration of peace after civil war. International Studies Quarterly. 2004;48(2):269–292.
- Fortna VP. Peace Time: Cease-Fire Agreements and the Durability of Peace. Princeton: Princeton University Press; 2008.
- Galtung J. Violence, peace, and peace research. Journal of Peace Research. 1969;6(3):167–191.
- GCSP. Mozambique: A Classic Case of Mediation in Modern Times. Geneva: Geneva Centre for Security Policy; 2024.
- George AL, Bennett A. Case Studies and Theory Development in the Social Sciences. Cambridge, MA: MIT Press; 2005.
- Giustozzi A. Post-conflict Disarmament, Demobilization and Reintegration: Bringing State-building Back In. London: Routledge; 2016.
- Gromes T, Ranft F. Preventing civil war recurrence: Do military victories really perform better than peace agreements? Causal claim and underpinning assumptions revisited. Civil Wars. 2021;23(4):612–636.
- Hartzell C, Hoddie M. Institutionalizing peace: Power sharing and post-civil war conflict management. American Journal of Political Science. 2003;47(2):318–332.
- Hartzell CA, Hoddie M. Crafting Peace: Power-Sharing Institutions and the Negotiated Settlement of Civil Wars. University Park: Pennsylvania State University Press; 2007.
- Hoddie M, Hartzell C. Civil war settlements and the implementation of military power-sharing arrangements. Journal of Peace Research. 2003;40(3):303–320.
- HRW. UN Body Finds ‘Hallmarks of Genocide’ in Darfur. New York: Human Rights Watch; 2026 February 24.
- Hutchful E. Pulling back from the brink: The politics of security sector reform in Africa. In: Cawthra G, Luckham R, editors. Governing Insecurity: Democratic Control of Military and Security Establishments in Transitional Democracies. London: Zed Books; 2003. p. 58–82.
- IBA. Damning evidence mounts against Sudan’s warlords. London: International Bar Association; 2026 August 25.
- IPC. Sudan: Acute Food Insecurity Situation for February–May 2026 and Projections for June–September 2026 and October 2026–January 2027. Rome: IPC Global Support Unit; 2026.
- Joshi M, et al. Peace Accords Matrix expansion: Partial agreements and implementation. 2025.
- Kalyvas SN. The Logic of Violence in Civil War. Cambridge: Cambridge University Press; 2006.
- Keen D. The Economic Functions of Violence in Civil Wars. Adelphi Paper 320. Oxford: Oxford University Press; 1998.
- Knight M. Security sector reform and post-conflict peacebuilding. In: Bøås M, Dunn KC, editors. African Guerrillas: Raging Against the Machine. Boulder: Lynne Rienner; 2009. p. 199–218.
- Kroc Institute for International Peace Studies. Seven Years of Final Accord Implementation: Perspectives to Strengthen Peacebuilding at the Halfway Point. Notre Dame: University of Notre Dame; 2024.
- Kroc Institute for International Peace Studies. Ninth Comprehensive Report on the Implementation of the Colombian Final Accord. Notre Dame: University of Notre Dame; 2025.
- Lederach JP. Building Peace: Sustainable Reconciliation in Divided Societies. Washington, DC: United States Institute of Peace Press; 1997.
- Luttwak EN. Give war a chance. Foreign Affairs. 1999;78(4):36–44.
- Lyons T. The importance of winning: Victorious insurgent groups and authoritarian politics. Comparative Politics. 2016;48(2):167–184.
- Mac Ginty R. Indigenous peace-making versus the liberal peace. Cooperation and Conflict. 2008;43(2):139–163.
- Maputo Accord. Maputo Accord for Peace and National Reconciliation. Maputo; 2019 August 6.
- Mattes M, Savun B. Information, agreement design, and the durability of civil war settlements. American Journal of Political Science. 2010;54(2):511–524.
- Newtral. Claves y datos de la guerra de Sudán: casi 50.000 fallecidos confirmados y 12 millones de desplazados en los últimos dos años. Newtral. 2025 November 11.
- Norris P. Driving Democracy: Do Power-Sharing Institutions Work? Cambridge: Cambridge University Press; 2008.
- NUPI. Security Sector Reform: A Literature Review. Oslo: Norwegian Institute of International Affairs; 2017.
- ODI. HPG briefing note: Northern Ireland – key parts of the Good Friday Agreement remain unenforced. London: Overseas Development Institute; 2024.
- OECD. Peacebuilding and livelihoods: Mozambique case study. Paris: OECD; 2024.
- OHCHR. Transitional Justice and Peace Agreements. Geneva: Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights; 2024.
- Olsen TD, Payne LA, Reiter AG, editors. Transitional Justice in Balance: Comparing Processes, Weighing Efficacy. Washington, DC: United States Institute of Peace Press; 2010.
- Palik J. Costly concessions: Insights from 78 disarmament, demobilization, and reintegration (DDR) provisions in peace agreements. Global Policy. 2025;16(5):921–933. doi:10.1111/1758-5899.70040.
- Paris R. At War’s End: Building Peace after Civil Conflict. Cambridge: Cambridge University Press; 2004.
- Quinn JM, Mason TD, Gurses M. Sustaining the peace: Determinants of civil war recurrence. International Interactions. 2007;33(2):167–193.
- Roeder PG, Rothchild D, editors. Sustainable Peace: Power and Democracy after Civil Wars. Ithaca: Cornell University Press; 2005.
- Rome Statute of the International Criminal Court. Adopted 17 July 1998; entered into force 1 July 2002.
- Springer. Peacemaking from Within: Adaptive Mediation of Direct Dialogue in Mozambique’s New Peace Process (2013–2019). 2022.
- Sriram CL. Confronting past human rights violations: Justice vs. peace in times of transition. Journal of Peace Research. 2004;41(5):603–620.
- Staniland P. States, insurgents, and wartime political orders. Perspectives on Politics. 2012;10(2):243–264.
- Steenkamp C. The legacy of war: Conceptualizing post-conflict violence. African Journal on Conflict Resolution. 2011;11(2):9–30.
- SUNA. Des analystes : La mention des Émirats arabes unis dans un rapport de l’ONU sur le Soudan ouvre la voie à une phase de redevabilité. Sudan News Agency. 2026 October 18.
- Taylor LK, Binningsbø HM. Incremental peacebuilding in Africa: Rethinking time and sequencing in Liberia’s peacebuilding process. Third World Quarterly. 2026;47(1):1–20.
- Toft MD. Securing the Peace: The Durable Settlement of Civil Wars. Princeton: Princeton University Press; 2010.
- UK Government. Third International Sudan Conference 2026: Berlin Principles for Sudan. London: Foreign, Commonwealth & Development Office; 2026 April 30.
- UK Government. UK sanctions illicit gold networks fuelling Sudan’s war amid crisis around El Obeid. London: Foreign, Commonwealth & Development Office; 2026 July 16.
- UK Parliament. Hansard: Northern Ireland – Legacy of the Troubles. London: UK Parliament; 2024 December 4.
- UN-Habitat. Housing, Land and Property in Sudan: Challenges and Responses. Nairobi: United Nations Human Settlements Programme; 2024.
- UN Independent International Fact-Finding Mission for Sudan. Fuelling Sudan’s Conflict: Weapons, Fighters and External Support Networks. Geneva: United Nations; 2026.
- UN News. Sudan: 14 million displaced; hunger and attacks on health continue as war enters fourth year. UN News. 2026 April 10.
- UN News. Armed drones leading cause of civilian death in Sudan war: UN rights chief. UN News. 2026 May 14.
- UN OCHA. Statement by the Under-Secretary-General for Humanitarian Affairs and Emergency Relief Coordinator on the humanitarian situation in Sudan. New York: United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs; 2026 April 14.
- UN OHCHR. Sudan: RSF violations in capture of El Fasher amount to war crimes. Geneva: Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights; 2026 February 13.
- UN Peace Operations. Statement by Under Secretary-General for Peace Operations, Mr. Jean-Pierre Lacroix, to the United Nations Security Council on South Sudan. New York: United Nations Department of Peace Operations; 2026 February 10.
- UN Security Council. Final Report of the Panel of Experts on the Sudan. S/2024/xxx. New York: United Nations; 2024.
- UNHCR. Sudan Emergency: Regional Refugee Response. Geneva: United Nations High Commissioner for Refugees; 2025.
- UNICEF. Risk of famine persists as nearly 19.5 million people face acute food insecurity in Sudan. New York: UNICEF; 2026 May 19.
- United Nations Secretary-General. Report of the Secretary-General on the Situation in South Sudan. S/2025/54. New York: United Nations; 2025.
- UNDP, ISS. Beyond the Conflict: Charting a Path to Sustainable Growth and Development in Sudan. New York: United Nations Development Programme and Institute for Security Studies; 2026.
- University of Essex Repository. Cabinet Power Sharing and Civil War Termination. Essex: University of Essex; 2024.
- US Department of State. Joint Statement on Sudan: Political Track. Washington, DC: US Department of State; 2026 June 8.
- VOA. The U.S. Pressures South Sudan to Make Peace. Voice of America. 2026 May 13.
- Walter BF. Committing to Peace: The Successful Settlement of Civil Wars. Princeton: Princeton University Press; 2002.
- Walter BF. Does conflict beget conflict? Explaining recurring civil war. Journal of Peace Research. 2004;41(3):371–388.
- WFP. Risk of famine persists as nearly 19.5 million people face acute food insecurity in Sudan. Rome: World Food Programme; 2026 May 15.
- World Bank. Sudan Economic Monitor. Washington, DC: World Bank; 2024.
