من يصنع المهارة ؟ تعقيب على مقال السيد عبدالعظيم الريح مدثر

بقلم د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

قال السيد عبدالعظيم الريح مدثر على منبر الرأي بسودانايل في مقاله الثالث عشر من هذا الشهر متسائلا ـ؛ “من يصنع المهارة”. أقتبس منه ما يلي ثم أعقب :

“سوق العمل يطلب، والتعليم يقدّم شيئًا آخر. النتيجة بطالة متعلمة، وعجز في الكفاءات في الوقت نفسه.
وهنا تظهر مفارقة مؤلمة: لدينا شباب يبحث عن عمل، ولدينا قطاعات تبحث عن مهارات، لكن الجسر بينهما مفقود.
التقنية تزيد هذه الفجوة تعقيدًا. فكلما تسارعت وتيرة التطور، أصبحت المهارات المطلوبة أكثر تخصصًا، وأكثر ارتباطًا بالفهم العميق لا بالمعرفة السطحية.
وهنا لا يكفي إصلاح المناهج، بل يجب إعادة التفكير في فلسفة التعليم نفسها.
هل نُعلّم الطالب ليحفظ، أم ليفكر؟
هل نُعدّه لوظيفة محددة، أم لمسار مهني متغير؟
الواقع
في السياق السوداني والعربي، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة الاعتبار للتعليم التقني
والتدريب المهني.
لسنوات طويلة، جرى التقليل من شأن هذه المسارات لصالح التعليم الأكاديمي التقليدي، مما أدى إلى خلل هيكلي في سوق العمل. لكن الواقع الاقتصادي يفرض اليوم تصحيح هذا المسار. الصناعة، والزراعة الحديثة، والخدمات التقنية، كلها تحتاج إلى مهارات تطبيقية، لا إلى شهادات فقط.
المبادرات المحلية، مثل إنشاء كليات تقنية، يمكن أن تكون نقطة تحول إذا أُحسن إدارتها وربطها بسوق العمل.
التجارب العالمية تثبت أن الاستثمار في المهارة هو أسرع طريق لرفع الإنتاجية، وتقليل البطالة، وتحقيق نمو مستدام.
الخاتمة
المهارة هي الجسر بين المعرفة والصناعة. ومن دون هذا الجسر، تبقى كل الخطط الاقتصادية معلّقة في الهواء.
العالم اليوم لا يقيس الدول بعدد سكانها، بل بقدرة هؤلاء السكان على الإنتاج، والتعلم، والتكيف”. انتهى الإقتباس

تعقيبي على هذا الموضوع:
أوافق السيد عبدالعظيم في طرحه المفيد، والإجابة على سؤاله ، بجملة واحدة مختصرة : يصنعها عقل وإرادة الحكومات الرشيدة
كلنا قد تطرقنا سابقاً لأهمية التعليم المهني والعلمي لمواكبة التطورات التكنولوجية الحديثة.
كل ما ذكر في الطرح أعلاه من أهم الأمور التي يجب على كل دولة تخصيص ميزانية خاصة لتغطية هذا الجناح الهام من التعليم، الذي يهدف إلى توفير عمالة ماهرة متخصصة في هندسة وتطبيق التقنيات الحديثة، لتفي بمتطلبات البلاد والمجتمع اليومية من خبرة مهنية عالية. ليس الغرض مثلاً توفير سباك فقط عند اللزوم ليحل مشاكل صنابير المياه المعطوبة أو تسليك مجاري المنازل الطافحة ، بل الهدف إيجاد تقنيين يلبون حاجة القطر كله في المصانع، المشاريع الزراعية، تربية الماشية والدواجن، صناعة النسيج، هندسة المجاري، البناء والنجارة، صناعة الأثاث والديكور، هندسة الحدائق، صيانة السيارات والمعدات الكهربائية… إلخ.
إضافة، قد تطرق سابقاً لهذا الموضوع الراحل بروفيسور أحمد شبرين (رحمه الله)، أول سوداني يتخصص في جامعة لندن (كلية الفنون المركزية) في فن التصميم. خلال مقابلة على تلفزيون السودان كان موضوع الحلقة عن دور الفنون في نهضة المجتمع، قال: “للأسف الفهم السائد لدى الجميع أن الدراسة في كلية الفنون تعني اللوحة، يعني أنها تعد الخريج ليكون رساماً وملوناً، في حين أن اللوحة هي وحدة واحدة من أصل ثمانية وحدات أساسية في دراسة الفنون التشكيلية.” وركز على كلمة تشكيل وتطبيق، وقال: “السودان محتاج إلى كليات فنون تطبيقية.” وأضاف أن البروفيسور رباح درس في لندن علم فنون طباعة النسيج، وقال: “رباح لو كان في اليابان لكان وجد تحت عهدته مصنع كامل للنسيج، لكنه في السودان.”
شبرين كان يرسم ويلون ويخرج إلى الوجود أجمل اللوحات، لكنه لم يتوقف ويحصر نفسه عند حروفيته والتلوين وتصميم العملة وغيرها، بل كان يشكل في الخشب والحديد، ويصمم الحلي الذهبية والفضية، ويصمم نماذج جميلة من الأثاث والنحت على الخشب. هكذا طبق في أعماله مفهوم الفنان التشكيلي الكامل، لأنه كان يفكر ثم يطبق، بغض النظر عن اللوحة الفنية التي تسيطر على مهارات أخرى يتمتع بها الكثير من التشكيليين، لو انتبهوا لها لأفادوا أوطانهم أكثر من التركيز فقط على إخراج لوحة فنية جميلة.
أذكر أنه في الستينيات، وجد أحد أقاربنا فرصة الالتحاق بمعهد التدريب الألماني بالخرطوم، فاستفاد مما تعلم وصار مرجعاً مهماً في مصنع الأسمنت بمدينة ربك. هل هذا المعهد لا يزال موجوداً أم العوض على الله؟
وأعيد ذكر تجربة الشيخ عبدالله البدري هنا لأهميتها كنموذج يحتذى . فهو كان تعليمه بعد المتوسطة في معهد جبيت التقني، وبعد التخرج عمل سنين طويلة في ورش سكك حديد السودان بعطبرة. بعد وفاة والده صار خليفة في مكانه، واستفاد من العلم والخبرة التطبيقية في هندسة وصيانة قطع غيارات القطارات. ففكر في النهوض بمستوى الخلوة التي تولاها، وحولها إلى معهد نموذجي يعلم القرآن، إضافة إلى تدريب عملي في مجالات هندسية تقنية تطبيقية، لكي يتخرج حافظ القرآن وفي يده شهادة مهنة فنية تكفيه من التسول والاعتماد على الغير. وبعد نجاح تلك التجربة، لم يتوقف طموحه، بل قام بتأسيس جامعة، كلية بعد كلية، حتى اكتملت جامعة الشيخ عبدالله البدري بالقدواب. تدرس فيها اليوم كل التخصصات العلمية التي تهم حاجة الوطن. وما يهمني هنا مجال الخدمات الطبية التي لم ينساها، فقام بإنشاء كلية للتمريض. وبعد نجاحها قال: “الكلية تحتاج إلى مستشفى تعليمي”، وكان يتمتع ببعد نظر، فتم له بعد جهد كبير ودعم من دول الخليج والأردن تأسيس كلية الطب وما يتبعها من مستشفى جامعي على أعلى مستوى.

الخلاصة:
تطبيقا لما تضمنه مقال السيد عبدالعظيم من معلومات جدا مفيدة فالسودان يحتاج إلى مهندسين وعمال مهرة يدرسون ويتلقون العلم الذي يمكنهم من جودة الأداء عندما يكملون تدريبهم فيطبقون ما تعلموه في الورش وأماكن الإنتاج، لا يجلسون في المكاتب. في المملكة المتحدة والدول الإسكندنافية، السباكة من أهم المهن، فالسباك خريج جامعي ودخله السنوي يفوق دخل الطبيب. في ألمانيا، 50% من الطلاب يلتحقون بالتعليم المزدوج (مدرسة + مصنع)، ونسبة البطالة بين الشباب 6% فقط. ورواندا حولت مراكز التدريب المهني إلى شراكة إلزامية مع الشركات التكنولوجية، فانخفضت بطالة الشباب من 18% إلى 9%. وفيتنام استوردت النظام الألماني ووصلت نسبة تشغيل خريجي التعليم التقني إلى 92% خلال 6 أشهر.
مقترحات عملية لصانع القرار:

  1. تخصيص نسبة لا تقل عن 15% من ميزانية التعليم للتعليم التقني والتطبيقي.
  2. إنشاء “صندوق لدعم الفنيين المؤسسين اصحاب الأفكار والإبداع ، ” على غرار تجربة شبرين والشيخ عبدالله البدري”.
  3. تحويل “الخلوات” والورش الناجحة إلى فروع معتمدة للتعليم التقني ورفع مستواها بدلاً من إهمالها. أيضاً العمل على إحياء اتفاقية معهد التدريب الألماني، وليته يتفرع في كل ولايات السودان
  4. استقدام خبرات من دول رائدة (هولندا، الدنمارك) في مجالات الزراعة والري لإحياء مشاريع كان لها شأن فتضاءلت، مثل مشروع الجزيرة.
    ختاماً:
    الشكر للسيد الأخ عبدالعظيم الريح على هذا الطرح الرائع. وليت كل المسؤولين من الحكومات التي تتولى مهمة حكم الوطن أن تتوجه أنظارهم وتركيزهم إلى دعم التعليم التقني. فمشروع الجزيرة مثلاً يحتاج إلى بعث الحياة فيه من جديد، ولكن بإجراء دراسات بحثية واستقدام خبرات متخصصة من الدول الرائدة. لا تبنى المشاريع الناجحة بالتمني، فإما أن نصنع المهارة، أو نصبح مجرد مستهلكين لتكنولوجيا يصنعها غيرنا. ولا يتحقق مجتمع الرفاهية فقط بالخطب الرنانة والحماسية على المنابر. ويبقي التحدي الأكبر هو مواجهة متطلبات تكنولوجيا العصر ومواكبتها

© Alarabi AA April 2026 Sudanile

aa76@me.com

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

رفقة طيبة كانت – وليلة قدر “حفها نور على نور”

بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي البارحة كان الحزن يغمرني بسبب تراكم المعاناة التي ليس …