مهمة الوعظ والدولة (2): النخب والوعي المقلوب .. بقلم: غسان علي عثمان
12 أبريل, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
46 زيارة
لا يعيب أحمد خير المحامي أنه عمل مع ضباط 1958م، أبداً ليس في الأمر تهمة، ومن يتهم لا يخجل!
النخب التي باعت نفسها للطائفية فعلت ذلك بوعي وإرادة، وجاءت لتعاير غيرها بما اقترفت واستفادت..!
الأحزاب القائمة على النسب العائلي أو الديني في طريقها إلى الزوال أو أقله إلى التشظي والتفكك لغياب الأسس الفكرية فيها..!
دافع غريزي يتملك العقل السياسي الطائفي فيربط بين مصالحه وبقاءه على سدة الحكم!.
ghassanworld@gmail.com
في المقاربة السابقة حددنا بعض أطر، وانكشف سعينا ناحية تنفيذ خطة تحليلية بموجبها نتفهم طبائع (الدولة السودانية)، ومن جملة ما ذكرنا هو هيمنة مزاج الطائفية الموصوف قادتها بالخلود والقدرة على التحور فيما بينهم خلية تنتخب أخرى، مما يصعب معه القول أنها في طريقها إلى الزوال! والأهم من ذا الذي ينادي في الأساس بزوال الطائفية السودانية؟ إننا على فهم أن المجتمعات لا تتعاظم قدرتها إلا عبر تعايش مكوناتها، والطائفية مكون أصيل في جسد الثقافة السياسية عندنا، لكن والحال كذلك فإن التوازن يتطلب شيء من المساواة في البنى الاجتماعية، أي إن كان من حق الطائفة الخلود مع بعض تحسينات – حقيقة في جوهرها شكلية، فالطائفية قائمة على مبدأ مركزي وهو أن هناك سادة وهناك… (؟) بل إن امتيازها يمتح من هذا المعين، معين كونها تعبير أرقى عن الظاهرة، وأرقى هذه موصولة بالنسب الشريف، أو بالحكم العائلي المستند على التاريخ المستثمر باستمرار، أليست الطائفية السودانية هي وهم كبير لما يسمى بأن التاريخ يعيد نفسه، وإعادته هنا هي جعل جسد القادة في هذا التجمع جسد مشتعل بالرغبة المطلقة في التعبير قسرياً عن الآخرين. فشبقها للمشاركة في السلطة بل الإدعاء المكرر أنها تملك الحق في تمثيل السودانيين جميعاً، أو لنقل من انتخبهم، ما هو إلا تعبير عن احتياج فرويدي للطاقة المتوحشة – من جنس قولنا (السلطة باعتبارها غريزة)، ومن فوق ذلك كله قلنا سابقاً بالتوازن الاجتماعي في الظاهرة، لكن كيف يمكن لهذا التوازن إن يكون إيجابياً والمبعدون منه كثر؟. وليس آخرهم الصامتون وهم الطبقة الوسطى..
إن هذا الجزء من المقال سينصرف أكثر ناحية فهم التشكل لما نسميه بالوعي المقلوب لمؤسسة السياسة في نشأتها، والوعي المقلوب ليس بطبيعة الحال يخص المؤسسة بقدر ما يخص الفاعل الاجتماعي الذي كان يفهم أن مصالحه مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بجلوسه على الكرسي، كرسي الحكم.. وهي أيضاً مَهمة صعبة لأن مقالاً صحفياً لا نستطيع أن نزعج مُطالعه بالتفاصيل والمراجع والهوامش، لذا سنكتفي بالإشارة المقتضبة لبعض الكتب..
أحمد خير المحامي يقدم شرحاً لماهية النشأة السياسية السودانية:
من الأوهام المساقة في تشويه صورة الأستاذ أحمد محمد خير (1902- 1995م) أنه تنكر لمبادئه في (الديموقراطية والليبرالية) بأن عمل مع ضبط (انقلاب) 1958م بقيادة الفريق عبود باشا، وأنه بذلك قدم نموذجاً بائساً لمثقف باع بضاعته للسلطة، ولعل ما يدور بخلدي في هذه اللحظات بالذات العبارة المصرية البليغة في معرض التندر على أصحاب التهم (والنبي إيه!!)، أي أعني متى كان العمل مع ضباط سودانيين سبة في وجه السوداني الموصوف بالمثقف الليبرالي؟! ولماذا من الأساس هذه النظرة ناحية الجيش وقادته أنهم في آخر سلم الوعي السياسي؟ من يقول بذلك لا يخجل البتة، بل ويخفي عنصرية بليدة تعتقد في لا تكامل الظاهرة، وتستلف وعي تزيفه في فهم طبيعة وجوده وتحديات مجتمعها، إذ أن النخبة السودانية بنت مؤتمر الخريجين (1938م) لم تكتف ببيع بضاعتها من المعرفة، بل سولت لها نفسها أن تتسول بها عند أقدام السادة من زعماء الطائفية، أنظر رعاك الله إلى الأستاذ محمد أحمد محجوب (1908- 1976م) الذي صدع رؤسنا بالحرية السياسية ومحاربة الطائفية، ونقد نقد المجتمع لصالح الحداثة المرجوة، هو من عمل في صفوف حزب الأمة المستند على الطائفة، والمحتمي بظل القيادة الدينية للسيد عبد الرحمن المهدي (1885- 1959م) ونال أعلى المناصب مسنوداً بجماهير طائفة الأنصار، فعل ذلك حتى تبين له فجر وهمه، فنازعه بن السادة موقعه، ولنقل بالصراحة طرد غير مأسوف عليه، ولا مكان لخدماته، إذ يمكن للصادق المهدي أن يلعب دوره بقبعة المثقف التنويري المحتشد بالغيبيات، وأليس من الأفضل أن يستمر نسل السادة رعاية الغريزة المتوحشة للسلطة؟!.
قلنا إن السبة التي يحاول البعض إلحاقها بالأستاذ أحمد خير كونه عمل وزيراً لخارجية حكومة عبود، مردودة على أصحابها، فهذه النخبة هي من فضحها أحمد خير قبل الاستقلال موضحاً تهافتها المطلق على المناصب وبيعها نفسها في سوق النخاسة السياسية في كتاب (كفاح جيل – 1948م) وهو يعني قسم من الخريجين كانوا يسعون حثيثاً لتقديم خدماتهم لمن يمنح كرسي وحاشية، فهذا سيوفر عليهم مشاق العمل في جبهة حداثية تعمل لإجل هدف بعيد يقول: (هل كان الخريجون، في مناهضتهم للصوفية في السودان مدفوعين بغريزة المنافسة لانتزاع القيادة من الزعماء الدينيين وكانوا في دخيلة أنفسهم يثيرونها حرباً طبقية سرعان ما انسحبوا منها وتنكروا على مبادئهم وزملائهم عندما مدت إليهم الصوفية أيديها وارتبطت مصالح زعمائهم معها، شأنهم في ذلك شأن الانتهازيين في كل زمان ومكان. يبدأ الواحد أول حياته مكافحاً في سبيل الحرية والمُثل العليا، حتى إذا ما أرضى طموحه الشخصي، واستجيبت مطالبه الذاتية انخرط في سلك المؤيدين وتهادن مع خصوم مبادئه ومُثُلِه، وانتهى به الأمر أخيراً للجلوس في مقعد وثير في صفوف الهيئة الحاكمة يسبق اسمه لقب، وتتبعه رتبة) كفاح جيل – صفحة 15.
الوصف أعلاه يفضح البنية الخفية داخل مشروع النخبة، وصحيح أنه هنا لا يعمم التهمة، بل يكشف عن وعي متفشي وسط جملة من النخبة التي ادعت بل وتعدت على حق الآخرين في إدارة شأن هي لا تفهمه.
لا يعيب أحمد خير البتة أنه عمل مع ضباط 1958م، أبداً ليس في الأمر تهمة، إذ التهمة تدين من يطلقها لا من يوصم بها، فالجيش مؤسسة اجتماعية، وليس صحيحاً أن نطلق الحديث على عواهنه ونقول إن مَهمة الجيش هي حماية الحدود والمرابطة هنالك، هذا وعي منتزع من سياق التجربة الغربية، ومن المؤذي فعلاً تلك المقارنات غير الواعية التي لا تفهم أن المقارنة تحدث بين أشياء من جنس واحد، أي في حالة عقدنا مقارنة بين تجربتين اجتماعيتين وجب في المقام الأول أن يكون بينهما رابط ولو على مستوى الشكل، لكن يأتيك أحدهم ليقول (إن الجيش في الولايات المتحدة يفعل كذا وصلاحياته كذا..إلخ هذى المنولوج المعصوب العينين)، لا يمكن عقد مقارنة تجزيئية بين دولتين، هذا أمر غير ممكن من الناحية المفاهيمية والعملية. والمنطق ذاته لا يجعل من الممكن اتهام من يعمل مع المؤسسة العسكرية بأنه تنكر لمثله، أي مثل تلك التي لا تجد مطابقاتها في الواقع، ثم الأهم أن مؤسسة الجيش لم تمارس حكماً في الأساس!، نعم الذي جرى منذ 1958 وحتى 1989م هو أنه تم الدخول بقيادات عسكرية إلى داخل مؤسسات الحكم لإعمال الضبط والتقييد المفقودان في سياق إدارة الحكم في السودان، وترك الأمر في مجمله للإدارة السياسية أو للحزب الذي أراد استخدام قوة الجيش ليعمق من وجوده السياسي، والحق أن كل الأحزاب السياسية السودانية إن كانت تتبرأ إلا أنها خلقت لنفسها وجوداً في المؤسسة العسكرية، ولماذا تفعل ذلك إن كان وعيها قائم على حيادية دور الجيش، بل وفي استبطانهم لعلوية يختصون بها من مجمل السودانيين، أم في الأمر نفاق سياسي..؟!
الأحزاب السياسية والنشأة المقلوبة وغياب الوعي بالذات:
لنعود لأحمد خير، يصف الأستاذ نشأة الأحزاب السياسية في فصل كتابه الآنف الذكر ويشرح مانفستو كل حزب، والفائدة التي تعود علينا من استذكار درس أحمد خير من صدور كتابه في آخر أربعينيات القرن الماضي، أن النشأة تكشف إلى حد كبير عن طبيعة ما سميناه البنية الخبيثة في فهم الدولة وإدارة الحكم، فمن يتصفح هذا الفصل لا يجد كبير معاناة في الوصول إلى أن هذه الأحزاب نشأت بإرادة خارجة عنها، إرادة قهرية إذا صح الوصف، نقرأ مثلاً في وصفه للاتحاديين: (والاتحاديون يتشبثون بالقواعد المقررة، والنظريات الفقهية، والأوضاع المحددة.. إلى أن يقول: وقد حال تعصبهم للمبادئ ومغالاتهم في التشبث بالنظريات، ونفورهم من أساليب الديماجوجية (Demagoguery- وهي كلمة لاتينية مكونة من (ديموس) وتعني شعب، و (غوجيا) وتعني قيادة) ويواصل أحمد خير، أن نفورهم من قيادة الشعب حال دون نموهم العددي، حتى أن قياداتهم تبدو مفككة الأوصال، متناثرة العقد، وقد قيل أن كل عضو فيهم يعبر عن رأيه الخاص) – كفاح جيل صفحة 86. من هذا النص القصير لا نعدم وجود مشابهات جمة بين هذا الوصف وبين واقع هذا الحزب الآن، بل أكثر ما يؤكد ذلك أنهم شيع وتجمعات متناثرة حتى الآن، ولا يمكلون من وحدة الرأي والطرح شيء، بل الحقيقي أنهم يفتقدون الأسس الفكرية التي تجعل منهم حزباً يملك برنامجاً يعد به جماهيره، بل انتهى بهم الأمر الآن أن صاروا إلى زوال في حال فقدوا القيادة الدينية، ونعني هنا السيد محمد عثمان الميرغني، نسأل الله له دوام الصحة..
نواصل في المقال القادم متابعة تحليل الأستاذ أحمد خير.. لبقية العقد غير الفريد من الأحزاب السياسية السودانية..
(نواصل)..