مواجهة إيران بالجيران!! .. بقلم: إستيفن شانج*

 

لماذا ظللنا نَصِف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (بالأخرق)؟! وهل الأحكام المسبقة دوماً تكون مغلوطة وغير خاضعة للتعقل والمنطق؟! بلا شك الأحداث التي تعصف بمنطقة الخليج العربي خلال هذه الفترة لم تأت نتيجة أزمة عاصفة أو حدث عارض في السياسة الدولية، بالقدر الذي يجعلها وليدة سياسات أمريكية ممنهجة ومرسومة بدقة في محاولة منها للسيطرة على أهم مناطق العالم وأكثرها إنتاجاً للطاقة نظراً لتقاطع أقدم الحضارات الشرقية (الساسانية والعربية) في هذه المنطقة من جهة، والنزاع المفتعل بين الطائفتين الإسلاميتين (السنة والشيعة) من جهة أخرى. فالمتابع للأوضاع الراهنة من تحرك أمريكي في مياه الخليج ونشوب حرب (عربية عربية) تحتم أن يكون اليمن السعيد ميداناً لها، لن يقف فاغراً فاه مندهشاً من توقيتها الدقيق والمذهل، لا سيما وأن المملكة العربية السعودية تدخل لأول مرة في تاريخها المعاصر غمار حرب عبثية لا يمكن مقاربتها إلا بالتكرار الممل لحروب الجاهلية الأولى على غرار (داحس والغبراء) !!
وغير بعيد من ذلك، فالعاصمة الأمريكية واشنطن تعلم أن أية حرب أخرى تنشب في المنطقة هي من ستكتوي بنيرانها قبل أن تلتهم إيران أو حليفاتها، فلقد مثّلت حروب الخليج خلال الثلاثين عاماً الماضية على مختلف ميادينها ومسوغاتها اختباراً حقيقياً على فرية القطب الأوحد (أمريكا) وتربعها على عرش قيادة العالم نحو الهدوء والعيش بأمان، على أنه والأمر هكذا فإن القرار الأمريكي السريع بإيقاف الرئيس ترامب لضربة عسكرية كانت وشيكة على إيران، ما هو إلا جزء من سيناريو ظلت الإدارة الأمريكية تلعبه لجعل دولاً عربية ذات ثقل اقتصادي مهم كالسعودية والإمارات والبحرين وسلطنة عمان تعيش أوضاعاً من الرعب والخوف الحذر، الأمر الذي يجعل قياداتها السياسية والتنفيذية تتسارع في شد الرحال صوب البيت الأبيض طلباً للنجدة والحماية (وكلٌّ بثمنه)!!
الجانب الأكثر تعقيداً وإيلاماً بطبيعة الحال هو المتعلق بالضغوطات الأمريكية على تركيا وإرهابها بالمزيد من العقوبات – شأنها في ذلك شأن إيران – في حال إصرارها على امتلاك منظومة (اس 400) الدفاعية روسية المنشأ، وهي عقوبات ظلت أمريكا تلوّح بها في وجه كل صناع القرار في الدول التي تحاول تطبيع علاقاتها مع جمهورية روسيا الاتحادية منذ مطلع تسعينات القرن الماضي بدواعي أقل ما يمكن أن يوصف بها أنها (الغطرسة والجبروت) في أسوأ تجلياتها.
الجانب الآخر الذي لا يقل سوءاً من هذا المشهد المتأزم في الخليج العربي هو معرفة الإدارة الأمريكية ومخابراتها بضلوع جماعة الحوثي اليمنية في الأحداث التي أدّت إلى تخريب عدد من السفن بالقرب من شواطئ الدول العربية الخليجية وآخرها إستهداف سفن صديقة لإيران بالقرب من سواحلها ومياهها الإقتصادية، ولشيء في نفس ترامب، فهو يصر على إطلاق سيل من الاتهامات لإيران حليفة تركيا وروسيا، وأحياناً تعميمات لا تخلو من التخبط وتشتيت الانتباه، وهو أمر معلوم بالضرورة. غير أن التراجع المفاجئ لـ(ترامب) عن الهجوم العسكري ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد الضربة الموجعة لأمريكا وإذلالها بإسقاط طائرتها التجسسية فوق المجال الجوي الإيراني، دليل قاطع على أن إدارة ترامب تعلم جيداً أن إيران لا تفتعل الحرب ولا تريدها، وأنها لن تتهاون في أمر يخص أمن وسلامة أراضيها. أما الحوثيين في اليمن فقد أدركوا مبكراً أن هذه السفن التي تجوب الخليج جيئة وذهاباً سيدفعون ثمن غبائهم غالياً في حال تركها لتعود حاملة السلاح والموت والدمار.
لقد أصبحت ممالك الخليج العربي ودويلاته بقرة أمريكا (الحلوب) وألعوبتها بلا أدنى شك منذ أن صعد إلى سدة الحكم جيل جديد من الشباب قليل التجربة خَلَفاً لآباء كانت أمريكا وإسرائيل تعد لقرارتهم ألف حساب، هذا باعتبار أن حرب أمريكا ضد إيران والتي يروّج لها ترامب لن تكون إلا عبر (الجيران) من المتخاذلين الذين رهنوا قرارهم الوطني إلى إرادة جنرالات الـ(ويست بوينت)، ولن تكون هناك حرب تبذل لها الولايات المتحدة المال والأنفس إلا بالقدر الذي تغدق به دول الخليج العربي من ما يدخل خزائنها من ريع النفط.
رحم الله فارس الأمة العربية (الملك فيصل) صاحب المواقف البطولية القوية التي قلّ أن تتكرر في زمان الخنوع هذا، فكلماته لا يزال صداها يتردد في أرجاء المنطقة وهو يعلن عقب إندلاع الحرب العربية الإسرائيلية أن لا قطرة نفط واحدة ستذهب إلى الغرب ما لم يبدِ احتراماً كافياً ومستحقاً للأمتين العربية والإسلامية.
* صحافي وباحث في الدراسات الاستراتيجية من جنوب السودان
stephone1258@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً