مواقع الظلال .. بقلم: إيمان أحمد شبرين

 

 

الوالد ” بروف شبرين .. أهتم بحركة التشكيل فى السودان وعمل جاهدا لتطويرها”

وصفه العارفون بصفات شتى ،تحدث عنه الكثيرون ممن يعرفون قدره ، حزن لرحيله اهله واحبابه صغاراً وكباراً، انه الأستاذ الجليل والدنا وعميد اسرتنا ” احمد محمد شبرين ” رحمه الله واسكنه فسيح الجنات وجمعنا به المولى الكريم فى جنات الخلد إن شاء الله .

اكرمه المولى عز وجل ، فقد كان ينتمى الى جيل اصيل معطاء ، جيل شب فوجد ارضه محتلة فما استكان ولاجبن ، انه من ابناء جيل كما قيل عنهم كرماء شرفاء ، نهلوا من العلم عندما كان الأخذ به ليس من الأولويات ، وانتزعوا الحرية عندما كان انتزاع الحرية امر صعب … حتى تحقق الجلاء واصبحت بلادهم حره .. انهم جيل الشرافة ورمز الفداء واهل الوفاء، لقد احب وطنه واهله وقدم الجهد الكثير فى مجالات عديدة وقد كان نعم المعلم والمفكر الذى لم يبخل بعلمه على الآخرين .

اهتم البروف شبرين (رحمه الله ) بحركه التشكيل فى السودان وعمل جاهداً على تطويرها مما دفعه ليشارك فى كثير من الأعمال التى من شأنها توثيق الصلة والعلاقات الثقافية فى دائرة فنون التشكيل ، ولقد كانت اعماله خير دليل على هذا الترابط ودليل على حسه التعبيري وتواصله مع الآخرين .

لقد كانت اللوحه رفيقة دربه كوسيلة من وسائل التعبير مع غيرها من ادوات التعبير ، وهو عندما يتحدث عن العمل الفني يشدد على ضرورة الجهد المبذول وعلى الأمانة فى تقديم اي عمل تشكيلي أو اي عمل آخر ، فهو يرى ان اللوحة يتحتم ان تكون متناً تعبيرياً رصيناً…. وان تكون مسرحاً ينطق فى صمت التفكير …. وان تكون شعراً غير مصاغ بالكلمات … ان تكون كتاباً بلا دفتين وان تكون نداء فرح فى قلب الإنسان وان لم يبح به للأخرين .

ودعنا صاحب هذه الكلمات الجميلة وفى قلبه حب لكل الناس بعد ان انتج الكثير ، ودعنا صاحب لوحه نبي الله نوح ” عليه السلام ” وصاحب لوحه حلفا مهد حضارة السودان – مدينة تحت الماء – وصاحب لوحة شجرة البرتقال … وغيرها من الأعمال بعد ان علمنا حب الناس وحسن الظن بهم بعد حب الله تعالى .

احب التشكليين وتعاون معهم … احب المفكرين .. احب العلماء والأدباء والشعراء … كان محباً للجمال … كان مستبشراً ومتفائلاً ولاعجب ان كان قد اعجب بكلمات الشاعر السوداني المبدع ، محمد المهدي المجذوب فى قصيدته التى تصور توقعاته عن مستقبل الذرَة ” بالراء المشددة ” وما يمكن ان تحدثه فى قصة سلام العالم والتى تقول :-

أيكون الخير فى الشر إنطوى

والقوى خرجت من ذرة هى حبلى بالعدم

أتراها تقتل الحرب وتنجو بالسلم

ويكون الضعف كالقوة عزماً وذماماً

سوف ترعاه الأمم

وتعود الأرض حباً وابتساماً ؟

شكسبير معان وجمال :

كما اعجب رحمه الله بقصائد الشاعرشكسبير لما تحوي من جمال ومعاني سامية لذلك فقد قام بترجمة بعض الأبيات الشعرية للشاعر ومن ثم عبر عن إحساسه بانتاج عدد من اللوحات من تلك الأبيات اذكر البيت الذي يقول :-
من يأتي ويصدق شعري في الزمن الأتي ، ان جاء الشعر مليا من أحلي ثمراتك
وهنالك أيضا البيت الرائع الذي يقول :-
“من الخلائق الجميلة ننشد اذديادا … فذاك أن زهرة الجمال لن تموت”
اخترت للقراء الأعزاء مقتطفات من الكلمة الإفتتاحية لأحد معارضه خارج السودان قبل أكثر من ربع قرن حيث يصرح في تلك الكلمة بانه عندما يتشرف بزوار معرضه فانه يكون قد حقق أمنية إجتماعية عزيزة الا وهي ” لقاء الإنسان مع الإنسان علي مستوى صياغة الجهد ولو كان متواضعا ” الكلمة كانت بعنوان مواقع الظلال حيث يقول ” البصر لا يستريح … تتجمع فينا ظلال الزكريات وشوق اللحظات الخاطفة … جميلة و مخيفة ثم تمضي الأشياء في حالها تاركة ظلالا تتمدد وتكبر ثم تتحول الي ترياق من الدفء ، كلما نحس بالنضوب نلهث وراء معنى الأشياء فينا… ذلك الشوق ، وهذا الدفء يلطف في نفوسنا ضراوة البرد القارص ، نلتقط الظلال كما يلتقط الحمام والقماري حبات الذرة والقمح والدخن … نتخيره كما يتخير ناظم العقد خرز اللؤلؤ من طاولة التجميع ، نكلف به كما يكلف الشاعر بالكلمات ، يجدها مرة مندفعة قبل المداد … يتصيدها مرة من بين نجيمات الليل الهادي .
البصر لا يستريح …. ثم نسرع لنطرح ظلال الأشياء في أعماقنا ثم على مساحة من الورق ، او المواد المألفة او ننحتها من الأخشاب … ثم نحدق فيما صنعت ايدينا ثم يبصر البصر عوالم ما بدواخلنا ، تلك الأشياء الصغيرة التي أفرحتنا عمراً من الدهر … هى صارت الرصيد الخير لهذه الحياة المتحركة المتعجلة..هى استمرارية دورة الأشياء والظلال فينا تنطلق من نقطة البدء وتسير فى رحلة العمق طويلاً طويلاً … ثم نعود من جديد لنغرف من دفء خواطرنا لتبدأ المسيرة من جديد هى تلك الظلال كالدم حافلاً بالطاقة له من خلال الشرايين يبدأ من القلب ويعود يصب فى القلب ، هكذا ارسم من مواسم الظلال …

نحن لانعرف مواقيت تلك المواسم … البصر لايستريح فاصوات الناس وعيون الناس تسكن فى خواطرنا …لطف الروح يصنع عذوبة الصوت ، والفة العيون تفصح عن اسرار الود النبيل ، وهنا نقرأ الكلمات التى لاتقوى الأقلام على تسطيرها ، وعلى حسب ولائنا لجمال الأشياء فتبقى الأشياء فينا كأروع تذكار وكاعظم علاقة للمعنى الحقيقي فى وجودنا ، فالجمال فينا كالعدل فينا نبرات الأصوات ووميض العيون فى رحلة بين امواج الأثير او داخل خيوط الشعاع … ومن جديد نتصيد فى مراسمنا عابر الموج وطيف الشعاع .

البصر لايستريح وكأن فينا اصداء نشيد قديم . يصعد فى اسماعنا عندما ننصت لما حولنا فصفير الرياح وهسهسه الصراصير تفرغ فينا رحابة المكان واتساق الطبيعة وتناسبها لفطرة التعبير فينا… وهل نقوى ان يطبق علينا الصمت غلافة السميك ؟ ولئن جاز للصمت ان يسد منافذ السمع ، فان احلامنا فى نومنا تعوضنا حرمان التعبير وعصيان الطاقة المبدعة عندما تعتصرنا هموم عصرنا الحاضر .

اننا نلهث لنفحة الود ونصارع السكون الفارغ من اجل نسمة تملأ الجنان والرئتين عطراً وسراً.. هكذا اسجل من دفتر ذكريات المرئيات الجمالية . وهى ظلال تقرب الى هاتيك الأشياء الجميلة الغائبة الحاضرة .

البصر لايستريح …. فهل يتيسر لنا ان نسرج ولو شمعة صغيرة تعين على التعرف لحدود مواقع الظلال ؟ ثم نترك البقية لاحاسيسنا فهى كفيلة بان تولد في دواخلنا شموساً واقماراً ونجوماً ، هى لتهدينا للجمال فينا ، وهى فطرة الله الذي فطر الناس عليها …وعند ذلك لا ننحرج ولا نستحي ان تسقط من عيوننا دموع الحب والفرح والشوق … فالأشياء الصغيرة امام ابصارنا هى التى تصدقنا دائما وتنبئنا عن معنى وجود حقيقي نحسه ولاندري فحوى إعجازه وكيف صيرنا ممتعين ومهمين لبعضنا البعض .

انتهت الكلمة التى كتبت فى الثمانينات من القرن الماضي ولكن يبقى اريجها وعبقها باق لكل من يقرأها ولكل من يتأمل مابين السطور …

اللهم ارحم رفقاء دربه وكل من رحلوا وان يدخلهم جميعاً فسيح الجنات والشكر لكل من كان وراء تكريم أدباء وعلماء الوطن وجزاهم الله خير الجزاء …..

اللهم ثبتنا بالقول الصالح والعمل الصالح وصلى الله على سيدنا محمد ( ص) وعلى آله وصحبه اجمعين.

drabdelmoneim@hahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً