موقعنا الحضاري: والمصالحة الثقافية بين مصر والسودان .. بقلم: غسان علي عثمان
13 يوليو, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
31 زيارة
ghassanworld@gmail.com
إنها الحتمية التاريخية هي التي تجعل من غير الممكن الحديث عن ثقافة سودانية في فضاء آخر غير فضاء الثقافة العربية، يحدث هذا وإن رفضه البعض قولاً منهم بأننا لسنا عرباً خلصاً!، وهذا شأن آخر كذلك إذ أنه ينتمي لسجال الهوية، سجالها الدائري الذي لن ينتهي طالما أن معيار الانتماء لا يزال يرهن نفسه للعرق ويقفز على حقائق الثقافة، كما أنه ليس موضوعنا هنا، فالذي نريد قوله إن الثقافة السودانية، سودانية كانت عربية أو لا، حاملها الرئيس هو اللغة، إنه ميدان إنتاجها الجبري، ولكن رغم هذا الانتماء إلا أن هذا المنجز الإبداعي السوداني يُنظر إليه بشيء من الاستخفاف إن لم يكن الإنكار، ونحن هنا لا نعمم، ولعل من أسباب هذا الإنكار أمر يتصل بطبيعة الصورة النمطية التي يتعاطاها مستهلك الثقافة العربية مع الحالة السودانية، فهذا الاسم الذي نحمل يُلقى بتبعات شاذة تجعل من حقيقة ظاهرتنا في الفضاء العربي أننا ورثة تاريخ الرق في الحضارة الإسلامية، وقد لا يعجب كلامي هذا الكثير من الناس، لكن لنجعلها فرضية ونصبر حتى نصل إلى منطق التحليل الذي نطمح.
إن الحالة الثقافة السودانية تعيش في راهننا اليوم خسائر شتى، وأول مظهر لهذه الخسائر هو إقامتنا الدائمة عند أسماء بعينها، وليست أسماء بل اسم وحيد استهلكناها ولا نزال نقدمه عربوناً للعروبة الثقافية وهو الأستاذ الكبير الطيب صالح، فرغم أهمية الطيب لنا بالذات عند تقديم أوراق اعتمادنا عرب مثقفين، إلا أنه يشكل من ناحية أخرى هزيمتنا الثقافية، ولندلل بأن جملة القائلين باتصالهم بنا ثقافياً من العرب يدخلون إلينا من بوابة الطيب صالح عليه الرحمة، وهذا أمر جيد لا مشكلة فيه، لكن غير الجيد أن اتصالهم هذا اتصال مُجمد في لحظة تاريخية بعينها، هي لحظة بروز أدب الطيب عالمياً، ومنعنا ذلك من إفساح المجال لآخرين قدموا ويقدمون أعمالاً أهم مما كتب الطيب نفسه، والعيب حقيقة يتصل بنا لا بهم، فقد انحسرت موجتنا من الإبداع المتجاوز للحدود منذ الستينيات، وبتنا محليين للغاية في عرض بضاعتنا، شيء مثل الصدى نفعله، ولا نكلف أنفسنا البحث عن موطئ قدم حقيقي في الفضاء الثقافي في المشرق أو في المغرب العربي.
إن حالتنا الثقافية المنكفئة على نفسها لهي تعبير جيد عن حالتنا الحضارية ذاتها، فالسودان فقد ريادته في كثير من المجالات وبطبيعة الحال كانت الثقافة حاملاً عّرف الناس في يوماً ما بالأستاذ جمال محمد أحمد قاصاً ومترجم ورجل دولة، والحال ينطبق على الأستاذ محمد أحمد محجوب وغيرهم كثيرين، إن الجمود الذي التكلس فينا يعود إلى أسباب عدة، أهمها الحالة السياسية التي نعيش، وليس بالضرورة أن يكون لبلداً ما استقرارا سياسياً ورفاه واقتصادي حتى تنجز أعمالاً عظيمة، ولكن المقصود هو تغلغل السياسة داخل الثقافة بالشكل الذي بات معه من المستحيل أن يشير إلى منتج ثقافي دون الوضع في الاعتبار هوية صاحبه، هويته السياسية، هذا هو مكمن الضرر ومعقل الأزمة، فالمثقف السوداني مناضل سياسي بالدرجة الأولى قبل أن يكون مبدعاً يحمل أدواته المتجاوزة للواقع وآثامه ناحية إنسانية كبرى يعيد بها صياغة المُنهد من جسم الشعب والأمة، ولا يعني حديثي هذا أن ينفصل المثقف عن السياسة، هذا حقه وحقه الأصيل، لكنني أعني أن يتجاوز المثقف حضوره الإبداعي ناحية الانتماء السياسي، ويصبح سياسياً يعمل ضمن أرومة ما، ويترك مهنته الرئيسية وهي الإبداع، إنه هنا يخون نفسه مرتين، الأولى حين ظن بأنه عبر امتلاكه هوية ثقافية إبداعية تميزه عن الآخرين، ظن أن ذلك كفيل بأن يمنح نفسه فاعلية سياسية تدخل ضمن الهم العام، والخيانة الثانية هي اكتفاؤه بالجماعة أو الحزب ينجز داخله عمله، فهو بذلك يقدم ماهيته عربون انتماء ضيق يعزله من الجماعة الأم.
أما عن غيابنا الثقافي في المنطقة فإن الأمر يعود بالدرجة الأولى إلى النمط المحلي في الإنتاج الثقافي، ولا يتعلق هذا النمط فقط بالخروج بالعمل الفني أو الإبداعي خارج الحدود، بل هو في الأساس يعود إلى طبيعة الانشغال المعرفي الذي يتناوله المبدع في أعماله، نعم سيقول قائل أن المحلية هي بوابة الخروج إلى العالم، لكنني أعني بالمحلية هنا الانكفاء على الذات في تدابير المعالجة، فالذي مكن الطيب صالح من الخروج إلى الدنيا هو قدرته على تحويل المحلي/الذاتي/ الطبيعي إلى كوني، وكوني مطلق بالذات، وحتى الأسماء أنجزت حضورها خارج السودان بعضها يعاني من غياب محلي واكتفاء بالذي ينشر في الخارج، وفي ذلك تناقض بائن، فمن جهة أنت تحمل لافتة هوية سودانية وتقدم نفسك بها، ومن جهة أخرى ينحسر اتصالك بالداخل مما يجعل منك غريباً وسط من تقول بتمثيلهم، وقد تكون المسئولية موزعة على المشتغلين بالثقافة داخل وخارج السودان.
والسؤال المهم في سياق حديثنا حول موقعنا في الثقافة العربية، فعلينا الاعتراف بصعوبة طرح السؤال من الأساس، فنحن بلد يحمل ملامح خاصة وتختلف في كثير عن الدول العربية، أي وجب الأخذ في الاعتبار خصوصية الهوية السودانية، وتعددها غير المُدرب بعد على الافصاح عن نفسه، واعتقد أن الأسباب وراء صعوبة موقعنا تتعلق في البداية بالشكل الذي نحن عليه، هوية مُركبة، وثقافات متعددة، بعضها لم يكتشف بعد، إذن أي المشكلة؟ بل ما هي المشكلة؟ ببساطة المشكلة أن انتاجنا الثقافي غير معترف به عربياً، ونعني بالاعتراف أولاً التعرف عليه، فهو لا يصل بشكل جيد إلى المتلقي العربي، وعدم وصوله لا يتعلق فقط بشأن الطباعة والنشر والتوزيع، بل في المقام في تكوين المنتج ذاته، فأدبنا الروائي لا يقل في جودته عن الأعمال التي تُنجز في البلاد العربية، ودوننا أعمال بارزة لحمور زيادة وعبد العزيز بركة ساكن وطارق الطيب وإشراقة مصطفى وليلى أبو العلا وجمال محجوب وغيرهم الكثير، هذه الأسماء وجدت اعترافاً عربياً بل وعالمياً، لكن المشكلة لا تكمن في الاعتراف بل في وجود مد إبداعي سوداني يحقق معادلة الخصوصية التي ينبغي التعبير عنها، وعِماد هذه المعادلة أن يصل المنتج السوداني بصورة لائقة إلى من يستهلكه، ولا يسعنا إلا العجب أن تظل أعمال ممتازة مثل روايات وكتابات إبراهيم إسحق رهينة المحلية، بل محلية المحلية، نعتقد أن جملة الإنجازات السودانية في المجال الأدبي والفكري عموماً ينقصها التعبير عن نفسها بالشكل المطلوب، ومرد هذا النقصان يعود في المقام الأول إلى غيبة الشخصية السودانية، غيبتها عن نفسها أولاً، ثم عن الآخر، فنحن بتنا اليوم في حالة مزرية من الانكفاء غير المتقن على الذات، والصحيح على ذوات سودانية متحاربة فيما بينها ضربتها السياسة في مقتل.
والحال كذلك فإن في البال تجربة الإبداع المغاربي، فقد ظل هو الآخر في غير تقدير في المشرق، والسبب قد يكون لطبيعة العقل المغربي المشغول بالمفاهيم وتقعيدها بل حتى الأدب يمتح من الفرانكفونية في جوهره، وهذا بطبيعة الحال يجعل من نوع الكتابات في المغرب العربي تحمل بصمة غير مُسوقة في المشرق، لكن وبعد الثمانينيات بات الأدب المغاربي يحقق انتشاراً واسعاً في المشرق، وعبارة المشرق التي نكثر منها نقصد بها في المقام السوق المعرفي الكبير – مصر- فجمهورية مصر العربية بحق ولأسباب تاريخية ظلت السوق الكبير الذي تعرض فيه البضائع من كل لون، فتاريخ مصر شاهد واضح المعالم على هذه الخصوصية، خصوصية السوق، بل حتى الطيب صالح لم يجد الاهتمام إلا بعد أن كتب عنه رجاء النقاش مثنياً على فريدته “موسم الهجرة إلى الشمال”، لكن المغاربة استطاعوا وبطريقة متدرجة أن يغزو هذا السوق، فعلوا ذلك عبر تجويد المنتوج الفكري والإبداعي، وكذلك بسبب من اتصالهم بأوروبا فرنسا على وجه الخصوص، أما نحن فنعيش عزلة المجال الحضاري، والسوق الوحيد المتاح لنا هو مصر، ولكننا عاجزون لا محالة من اختراق هذا السوق لعُقدة فينا تجاه مصر، والحل يبدأ بالمصالحة الثقافية معها، فليس من الممكن أن نفرط في هذا السوق الجار لنا والذي توفر لنا الجغرافيا إمكانات هائلة تسمح بتسرب ما ننجز إلى هناك، نمنع أنفسنا ذلك لأسباب تاريخية، إذن الحل يبدأ من تجويد ما ننتج، وأن نخفف من جرعة السياسة في العملية الثقافية، ونفكر في جبهة ثقافية أعلى من الانتماء السياسي للأفراد، وكذلك النظر بشكل موضوعي ناحية إنجاز المصالحة الثقافية بين مصر والسودان.