مُحسن خالد: مصير مجهول ! .. بقلم: عبدالله الشقليني

 

alshiglini@gmail.com

افتحوا ، حرَّاسَ سنّارَ ، افتحوا للعائد الليلة أبواب المدينة
افتحوا للعائد الليلة أبوابَ المدينة
افتحوا الليلة أبواب المدينة.
– بدوىُّ أنت
– لا
– من بلاد الزَّنج ؟
– لا
أنا منكم. تائهٌ عاد يغنِّى بلسانٍ
ويصلَّى بلسانٍ

*
دكتور محمد عبدالحي – العودة إلى سنار

(2)

تجربة الروائي ” مُحسن خالد ” جديرة بالتسجيل والمتابعة. كيف تسنى لكاتب يُتقن اللغة العربية الفصيحة ، وله في طفولته أثرٌ من حفظ القرآن على روايتين ، وفق ما هو منقول لنا ، أن يتخذ من الأرقام سبيلاً لإثبات قداسة نص ديني ؟
ليست الأرقام نُزهة من يبحث عن النزوات ، بل عمل إبداعي مُضنٍ أنجزته الإنسانية خلال مرّ العصور. نشأ “مُحسن ” في مجتمعٍ مُتديِّن ، بل سافر هو الجنوب كدبّاب ، خلال” لوثة ” الإنقاذ الأولى . ونكس هو عن قيّمها ، وصار يتندّر على الأسلمة ، وشواء الأجساد ظلماً عند الجماعة المتأسلمة في السودان . وخرج عن المألوف .
كتب كثيراً عن أخطاء الكتابة في مدونة “سودانيزأونلاين “، فهو يُتقن فن الكتابة العربية والفصيحة والعامية السودانية ، ويعرف متى يرفع أشرعة قاربه للريح . عرف من أين يبدأ الكتابة الغريبة . ومن حيث لا يدري القارئ ، يبدأ هو النص. ومن حيث لا يتوقع المرء يُطلق رصاصات الحكاية . كتاباته جدارية مُزينة بالدهشة .

*
هو كاتب رواية ، مُحترف ، إن طلّق أمر الكتابة الروائية أو لم يزل . هاجر لاجئاً للمملكة المتحدة . وفجأة انتفض بعيداً وعاد للسودان . ووفق أقوال أحد أصدقائه رجع رجوع الغريب إلى أهله .
“رجع البسطامي إلى مدينته التي تَرك “، رجع لحوزته التي غزلت ضفائره . عاد مُبشراً بأن القيامة قائمة ، بل ومُستعجلة الخُطى ، وحدد لها ميقاتاً . وكتبَ ملفاً يتسع لكل مُجسمات النفوس البشرية وغرابتها وشواظها اللاهبة ، وقال أنه سمع هاتفاً وهو متيقن من أنه هاتف سماوي خاطبه ، وقصّ ذلك الهاتف عليه تفاصيل غريبة على ذهنه أول مرة ، فكرَّ راجعاً ، وعاد سيرته المُتديّنة من جديد وبغرابة جديدة !.

(3)

أنموذج من قصته ” عيد المراكب ” :
قبل الفجيعة :

{ النهر كان دهراً من لمع الشوق ، ولم يكن لحظة ماء عابرة . هناك مركب تَغبَّش بها النهر عن بعد ، وفي لوثة من ضباب ، كما العقل المرهون لهاجِس خوف وخطر مُقْلِقْ ، ثم أخيراً تفتق عن فكرة تنقذه .
قدماي مخضرتان حيث يحزهما ماء النهر الذي وقفت فيه طويلاً ، أية خضرة هذه يا ترى ؟ أدغدغة حقل يا ربي ، لكوني رقعة لآدم من طين وبذور ؟ أم عوالق وطحالب الانتظار ، لكوني وقفت لملء عمر من السنوات ؟ ربما المراكب التي تأتي بسلمى لا ينتظرها الإنسان في نهر . فقد تَزِل قدم الشوق عفواً ، ويدفع الإنسان ثمن وقعته ، وقعة نهر كاملة وبحذافيرها . تمضي نحو مصب مياه كجهة الغروب في لوحة ، جهة لا تبلغها شمس الرسم أبداً }.

وبعد الفجيعة :

{ الليلة يذهب بها العُمرإلى حيث قَصَّرت بك الأيام . هاك العمر كله ، أضحى مُسَوِّساً ، ومفتوحاً بالحرمان وغياب أحد كبيوت الأرامل . جاءوا بها بلا كراسات كما هي ليست طالبة الآن . لم تعُد تَهُمّ ، ككتابك الذي أخذوه إن كنت تذكر . رائحة درس لم يكتمل تكفي كذكرى من أحد . لا ، بل انتظرها عند المُشرَع ستعود ، أو هاهنا حيث تنام ، فقد تصحو مع نوارس البحر الأبيض ،إذ تعلَّقَ بها صِحابها من الملائكة كي تقضي معهم هذا الخميس ، فاهِم؟ }

(4)

كتب في مدونة ” سودان فور أول ” كتابة مُغايرة دون شك . وفجأة هجم على القراء بملف يدعي هو أنه من الأمثال السودانية . كان الملف يحوي البذاءة وقد نهضت في صورها القصوى ، وقد أجهزت على الملف الأقلام ، قبل أن تطرده إدارة ” سودان فور أول ” من المدوّنة.
رجع لمدوّنته التي أشهرته “المنبر العام لسودانيزأونلاين” وافتتح بها ملف الأمثال البذيئة ، التي يزعم أنها ” أمثال سودانية ” !.وهاجت المدونة وماج كاتبوها ، مُشيدين بملفه ، وأنه أصبح بعودته حراً ، يكتب ما يشاء . ففي ” سودانيزأونلاين” ، سيجد الحرية الكاملة .

(5)

افتتح مدونة الأرقام وهي كتابة مُغايرة أخرى ، وصعد بنا لتاريخ قديم ربط فيه الأرقام بالحوادث التي ورد أغلبها من خلال الكتاب الديني المقدس . وصعد آخر الأمر لمقاربات رقمية خاصة بإحصاء عدد الآيات القرآنية أو أرقامها ودلالاتها ، وذلك بالرجوع لأبجدية الرياضيات : جمعاً وطرحاً وضرباً وقسمة . لقد استمعنا قبل سنوات لدكتور” أبوضفيرة” ، والذي له قصب السبق في تناول الظاهرة الحسابية ، ومُضاهاتها بآي الذكر الحكيم ، التي يؤمن باعتقاد شبه جازم بأنها من المُعجزات بمدلولاتها الرقمية.
وليس ذلك بنهج غريب ، فقد جمع دكتور” مصطفى محمود ” من قبل، أفلام الكشوفات العلمية للغير، و” كاوَّرها” واستدلّ بها أن العِلم يتبع الإيمان في برامج تلفزيونية متسلسلة !.
وكلها قضايا أكل الدهر عليها وشرب ، فالذكر الحكيم نسخه بشر . جمعه الصحابي علي ابن أبي طالب ،و عند سؤاله حين تأخر عن بيعة الخليفة أبوبكر ، فقال أنه أقسم ألا يتزر إلا لصلاة الجمعة وجمع القرآن . وجمعه الصحابي أبوبكر أيضاً .وجمعه لاحقاً الصحابي عثمان بن عفان عندما ولي الخلافة ، بل أحرق المصاحف جميعاً التي تُخالف نصه الذي جمع . ودقق على نسخته التي تَسمى بها الذكر الحكيم الذي نقرأه . وأمر النُساخ ، وبعد أن أتمّوا النُسخ، وزعها على عمّاله في أنحاء الدولة الإسلامية حينذاك. ولم تزل لدينا النسخ التي يسمونها النسخة العثمانية ، ولكنها في الأساس تختلف عن مصاحفنا اليوم ، فلم تكُن الأحرف العربية منقوطة :
( ب ، ي ، ن ، ت ، ث ،ف ، ق ، غ ، ف ، ق، ظ ، ز، ذ) .
ولم يدخل على الكلمات التنوين ( الفتح والضم والكسر ) منفردات أو مُجتمعات . ولم يكن كل الصحابة من حفظة القرآن ، فقد كانت النصوص تُكتب على جلد الغزلان . حتى جاء زمن أبو الأسود الدوءلي ، وظهر التنقيط والتنوين والرسم الفصيح الذي نقرأه اليوم .

(6)

كل الاجتهادات الرقمية والحسابية ، هي أعمال بُنيت على عمل بشري بامتياز، ومهما شيدنا منها مُدن مُقدسة ، فهي بُنيان شُيد أساسه فوق رمل مُتحرك مع الزمان. إن علم النفوس البشرية واسع ، بل جوعان و شرِه ، ويمكن في عُباب غضبه أن يبتلع ” مُحسن خالد ” .
لن ندعوه ليتوقف عن أبجديته التي اصطنع أو مقارباته التي أشاد . ليس ذلك لأنه بذل جُهداً في غير مكانه و إهماله كتابة الرواية. ليس الأمر طفرة مُعتقدية كما أبان في لقاءاته ، ولكنه نكوص عن بذرة إبداع ، كان من الممكن أن تتطوّر وتُسهم بصورة أو أخرى، لتنفتح النوافذ التي يدخل منها هواء الحرية النقي ، الذي أُنغلقت نوافذه في السودان . وانسدّ الأفق هناك في الوطن ، وتكلّست الرؤى . وحار أطباء السياسة في توصيف الحالة الراهنة ، وكيفية الخروج من هذا الكهف المُظلم. كل خطوة تبدو أكثر إظلاماً من سابقتها .
قال ” مُحسن ” إنه ضد التصوّف، وأتمنى أن يقرأ عنه في كل الكتابات الفكرية والعقدية في كافة الأديان ليتعرف على هذا التاريخ الغزير، قبل أن يصدر حُكماً عليه.
*
https://www.alrakoba.net/news-action-show-id-123062.htm
وردت آراءه في لقاء في مدونة الراكوبة في 11 أكتوبر 2013 ، وصحيفة اليوم التالي .

عبدالله الشقليني
14 مارس 2018

عن عبد الله الشقليني

عبد الله الشقليني

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً