مِنْ السِيْسِي إلَى البُرْهَانِ: لِمَاذَا يَحْتَاجُ السُوْدَانُ إلَى ابْتِنَاءِ الدَّوْلَةِ قَبْلَ البَحْثِ عَنْ رَئِيسِهَا؟
From Sisi to Burhan: Why Does Sudan Need to Construct the State Before Seeking Its President?
البروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي المؤسس لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
رشح في الآونة الأخيرة أن الدعوة إلى حوار مع القوى المدنية قد تستهدف، ضمن أغراضها، استكمال مؤسسات الحكم، وفي مقدمتها المجلس التشريعي، بوصفه استحقاقاً دستورياً مؤجلاً. وذهبت بعض التكهنات أبعد من ذلك، فرأت أن إنشاء المجلس قد يهيئ لمسار سياسي ينتهي بانتقال الفريق أول عبد الفتاح البرهان من رئاسة مجلس السيادة وقيادة الجيش إلى رئاسة الجمهورية، في مسار يشبه – ظاهرياً – الطريق الذي سلكه الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر.
ولكن التشابه في الخلفية العسكرية للرجلين لا يعني تشابه الظروف، كما أن استنساخ النهايات دون توافر مقدماتها قد يقود إلى نتائج معاكسة تماماً. والسؤال الذي ينبغي طرحه ليس: هل يستطيع البرهان أن يسلك طريق السيسي؟ بل: هل السودان اليوم في الوضع الذي كانت فيه مصر عندما انتقلت إلى انتخاب رئيس للجمهورية في 2014؟
السيسي والبرهان: تشابه في الخلفية واختلاف في الدولة
وصل الرئيس السيسي إلى الانتخابات الرئاسية المصرية في سياق شديد الجدل سياسياً، بعد إطاحة الرئيس محمد مرسي في يوليو 2013، لكن مصر، على الرغم من أزمتها السياسية والأمنية، لم تكن تعيش حرباً أهلية شاملة بين جيشين متنافسين يسيطران على أجزاء من أراضيها. وكانت الدولة المركزية وأجهزتها الإدارية والقضائية والمالية والأمنية قائمة وتعمل، ولم تكن السيادة على البلاد موزعة بين سلطات عسكرية متحاربة.
كما سبق الانتخابات الرئاسية المصرية إقرار دستور جديد في استفتاء يناير 2014، ثم جرت الانتخابات الرئاسية وفق إطار قانوني وانتخابي محدد، وتنافس فيها السيسي وحمدين صباحي. وتظهر الوثائق الرسمية للجنة الانتخابات أن السيسي تقدم مرشحاً وحصل على 188,930 تزكية، وأن الانتخابات أجريت في مايو 2014 وفق جدول وإجراءات انتخابية معلنة.
وهذا يعني ببساطة أن السيسي ترشح لرئاسة دولة كانت مؤسساتها الأساسية قائمة، وجيشها موحداً، وسلطتها المركزية تسيطر على معظم إقليمها، والحرب الأهلية الشاملة غائبة عنها. وهنا يقع الاختلاف الجوهري مع السودان. فالبرهان يقود القوات المسلحة بينما تخوض البلاد حرباً مدمرة مع الدعم السريع. والسلطة الفعلية للدولة لم تستعد بعد كامل سيطرتها على الإقليم، وملايين السودانيين شرَّدتهم الحرب، والمؤسسات والخدمات والاقتصاد تعرضت لضربات هائلة، بينما لم يُحسم بعد السؤال الأخطر: كيف تتوقف الحرب، وكيف يعاد بناء الدولة التي ستُمارس فيها الرئاسة نفسها؟ لذلك فإن المشكلة ليست في اسم من يشغل منصب الرئيس، بل في الدولة التي سيصبح رئيساً لها.
المجلس التشريعي استحقاق مؤسسي… لا جسراً إلى الرئاسة
لا خلاف على أن السودان يحتاج إلى مؤسسات تشريعية ورقابية. وقد نصت الوثيقة الدستورية لعام 2019 أصلاً على ثلاثة أجهزة للحكم الانتقالي: مجلس السيادة، ومجلس الوزراء، والمجلس التشريعي الانتقالي. وجعلت المجلس التشريعي سلطة مستقلة للتشريع والرقابة على الجهاز التنفيذي وإقرار الموازنة والتصديق على الاتفاقيات. لكن أهمية المجلس التشريعي هي تحديداً ما يجعل تشكيله مسألة ينبغي ألا تتحول إلى أداة لإضفاء شرعية على ترتيب سياسي سبق تحديد نتائجه. المؤسسة التشريعية في مشروع ابتناء الدولة ليست سلّماً يصعد عليه شخص إلى الرئاسة؛ إنها أحد الأعمدة التي تمنع الدولة من أن تصبح ملكاً لشخص. ومن ثم، فإن السؤال ليس فقط: هل يحتاج السودان إلى مجلس تشريعي؟ بالتأكيد يحتاج إليه. السؤال الأهم هو: كيف يتشكل، وفي أي بيئة سياسية، ومن يمثل، وما مصدر شرعيته، وما علاقته بعملية الانتقال الشاملة؟
الأولوية ليست رئاسة الجمهورية بل إنقاذ الجمهورية
إذا صحت التكهنات حول التفكير في مسار يقود إلى رئاسة البرهان للجمهورية، فإن النصيحة التي ينبغي تقديمها له ليست الاعتراض على حقه، أو حق أي سوداني مستوفٍ للشروط، في التطلع مستقبلاً إلى منصب الرئاسة. النصيحة هي: لا تبدأوا من نهاية الطريق. فالسودان اليوم أمام استحقاقات أسبق وأخطر من تحديد رئيس الجمهورية. الاستحقاق الأول هو الهدنة الإنسانية. والثاني هو وقف شامل ومراقَب لإطلاق النار بين الجيش والدعم السريع. والثالث هو استعادة سلطة الدولة ووحدة أراضيها وتأمين وصول المساعدات وعودة النازحين واللاجئين. والرابع هو إعادة بناء مؤسسات الدولة وإصلاح القطاع الأمني والعسكري والوصول إلى جيش قومي مهني واحد. والخامس هو إطلاق عملية انتقال مدني مؤسسة على ميثاق وطني وعقد اجتماعي يحددان طبيعة الدولة قبل تحديد شاغلي المناصب فيها. عندها فقط يصبح السؤال عن الرئيس سؤالاً طبيعياً في دولة طبيعية.
من دولة الحرب إلى الدولة المركبة
وهنا تبرز أهمية المنهج الذي طرحناه في مشروع ابتناء السودان. فالأزمة السودانية ليست مجرد أزمة في شاغلي المناصب العليا، وإنما أزمة في بنية الدولة نفسها. ولذلك لا يكون الحل باستبدال رئيس برئيس، أو حكومة بحكومة، أو مجلس سيادة برئاسة جمهورية، وإنما بالانتقال البنيوي من دولة الحرب إلى الدولة القادرة على إدارة التعدد والمواطنة والمؤسسات والتنمية. وفي هذا المنظور، ينبغي التمييز بين بناء الحكومة وابتناء الدولة. الحكومة مجموعة من المؤسسات والأشخاص الذين يديرون السلطة لفترة محددة. أما الدولة فهي المنظومة الأعمق: الدستور، وسيادة القانون، والمؤسسات، والمواطنة، والجيش القومي، والقضاء، والخدمة المدنية، والاقتصاد، والعلاقة المستقرة بين المركز والأقاليم والمجتمع. ولهذا ظل مشروع ابتناء السودان يحذر، في جوهره، من البدء بسؤال: من يحكم؟ قبل الإجابة عن السؤال الأعمق: ما الدولة التي نريد أن نحكمها وكيف نبتنيها؟
من الشرعية العسكرية إلى الشرعية المؤسسية
تواجه قيادة الجيش اليوم فرصة ربما تكون أهم تاريخياً من الوصول إلى أي منصب رئاسي: فرصة الإسهام في إنهاء الحرب وإعادة تأسيس الدولة السودانية. فإذا استطاع البرهان أن يقود المؤسسة العسكرية نحو هدنة، ثم وقف إطلاق النار، ثم إعادة بناء جيش قومي مهني واحد، وأن يفتح الطريق أمام انتقال مدني مستقر، فسوف يكون ذلك أثراً تاريخياً أعمق من أي تغيير في المسمى من رئيس مجلس السيادة إلى رئيس الجمهورية. والقيادة في اللحظات التأسيسية لا تقاس بالمنصب الذي يحتله القائد، وإنما بالدولة التي يتركها وراءه. وهذا يقتضي أيضاً تجاوز فكرة أن المؤسسة العسكرية تحتاج إلى احتكار المجال السياسي لحماية الدولة. البديل الذي اقترحناه هو الوشيجة الاستراتيجية المدنية–العسكرية: علاقة مؤسسية تتيح للجيش حماية الدولة والدستور والانتقال، دون أن يتحول إلى شريك دائم في الحكم، وتتيح للمدنيين إدارة الدولة دون التعامل مع المؤسسة العسكرية باعتبارها خصماً ينبغي إقصاؤه.
الرئاسة نتيجة للانتقال وليست أداة لصناعته
وهنا يكمن ربما أهم اختلاف بين المسار المصري المحتمل استلهامه والمسار الذي يحتاجه السودان. في مصر عام 2014 كان السؤال المطروح: من يتولى رئاسة الدولة القائمة؟ أما في السودان اليوم، فالسؤال الأسبق هو: كيف ننقذ الدولة نفسها من الحرب والتشظي والهشاشة؟ لذلك فإن تشكيل مجلس تشريعي، إذا تم، ينبغي أن يكون جزءاً من إعادة بناء المؤسسات والرقابة والشرعية الانتقالية، لا محطة في طريق مرسوم سلفاً لتنصيب رئيس للجمهورية. كما أن رئاسة الجمهورية، أياً كان من يتولاها مستقبلاً، ينبغي أن تكون ثمرة دستور ومؤسسات وانتخابات وبيئة سلمية، لا وسيلة لمنح المرحلة الانتقالية شرعية تبحث عنها. والتمييز هنا بالغ الأهمية: الدولة لا تُبنى حول الرئيس؛ الرئيس ينبغي أن يعمل داخل دولة بنت مؤسساتها وحددت دستوره وسلطاته وحدودها.
الطريق السوداني لا المصري
ليس المطلوب من البرهان أن يكون السيسي السوداني. وليس من مصلحة السودان أن يبحث عن نسخة سودانية من تجربة دولة أخرى اختلف تاريخها ومؤسساتها وتركيبتها وأزمتها جذرياً. المطلوب هو أن يكون السودان قادراً على إنتاج مساره السوداني الخاص. ويبدأ ذلك، وفق منطق مشروع ابتناء السودان، بترتيب الاستحقاقات:
أولاً: الهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار.
ثانياً: آلية مستقلة وموثوقة لمراقبة الاتفاق ومنع العودة إلى الحرب.
ثالثاً: توحيد المؤسسة العسكرية وإصلاحها وبناء جيش قومي مهني واحد.
رابعاً: عقد اجتماعي وميثاق وطني يؤسسان للدولة الجديدة.
خامساً: استكمال مؤسسات الانتقال، بما فيها المؤسسة التشريعية، على أسس تمثيلية وشفافة.
سادساً: انتقال مدني دستوري يعيد بناء المؤسسات والخدمة العامة والاقتصاد والحكم المحلي.
وأخيراً: انتخابات حرة يختار فيها السودانيون رئيسهم وممثليهم، ويكون فيها من حق البرهان، إذا سمح الدستور والقانون بذلك واختار خوضها، أن يتقدم للمواطنين مثل غيره، لا أن يكون الطريق قد صُمم للوصول إليه. وهذا الترتيب يتسق أيضاً مع الفكرة التي ناقشناها في المقال السابق: المتحاربون ينهون الحرب، والمدنيون يبنون السلام، والجيش القومي المعاد بناؤه يحمي الدولة والدستور والانتقال المدني. فالوثيقة الدستورية السابقة نفسها تعاملت مع المجلس التشريعي بوصفه مؤسسة للتشريع والرقابة، لا آلية لاختيار رئيس للجمهورية؛ وكان مجلس السيادة هو رأس الدولة خلال الانتقال.
ابتناء السودان قبل رئاسته
قد يكون السؤال المتداول اليوم: هل يسير البرهان على خطى السيسي؟ لكن السؤال الذي يحتاجه السودان أكثر إلحاحاً هو هل يستطيع البرهان، مع القوى المدنية والمجتمعية والمؤسسة العسكرية وبقية السودانيين، أن يسهم في نقل البلاد من دولة الحرب والهشاشة إلى دولة المؤسسات؟ إذا تحقق ذلك، يصبح منصب الرئيس لاحقاً تفصيلاً دستورياً تحسمه إرادة المواطنين. أما محاولة حسم الرئاسة قبل حسم الحرب، وبناء مؤسسة تشريعية قبل استعادة البيئة التي تمنح المؤسسات معناها، والبحث عن شرعية انتخابية قبل استعادة الدولة لقدرتها على حماية مواطنيها وأراضيها، فكل ذلك ينطوي على خطر وضع سقف الدولة قبل إقامة أعمدتها. لقد آن للسودان أن يعكس ترتيب الأسئلة. ليس: من يكون الرئيس؟ بل: كيف نوقف الحرب؟ كيف نعيد بناء الجيش؟ كيف نستعيد المؤسسات؟ كيف نتوافق على العقد الاجتماعي؟ وكيف ننتقل من دولة هشة إلى دولة مؤسسات؟ وبعد الإجابة عن هذه الأسئلة، يستطيع السودانيون أن يجيبوا بأنفسهم، عبر صناديق الاقتراع، عن السؤال الأخير: من يرأس الجمهورية؟
ففي مشروع ابتناء السودان، لا تسبق الرئاسة الدولة؛ بل تُبتنى الدولة أولاً، ثم تختار الدولة المكتملة المؤسسات رئيسها.
melshibly@hotmail.com
