مِنْ بَيتِ الكَلاوِيْ .. بقلم: عادل سيد أحمد

 

لأوّل مرّة، يا سادتي، في حياتي، أعرف فصيلةَ الدَّمِ الذي يَجري في أوردتي و شرياييني، و يُبقيني،هُنا معكُم، وعلى وجه البسيطةِ، و قيد الحياة… 

و كانت الفصيلة، و بحمد الله، متوافقة مع: فصيلة دم (عماد) صديقي الذي ابتلاهُ الله بمرض الفشل الكلوي، و بهذا أكون قد إجتزت أوّل إختبار لصلاحيتي مُتبرعاً بكليةٍ، تُنزع من جنبي (من بيت الكلاوي)، لتستقر في جنبِهِ الأيمن، و تهبه فرصة العيش دون مُعاناة و مكابدةِ الألم ودون عنتِ الغسيل بأنواعِهِ: دَمَوِي أو بُروتُوْني، و تقلل من حرصهُ على مُتابعة الفتوحات العلميّة في مجال زراعة الكلى الإليكترونيّة… و الشرائح الذكيّة المرجو دخولها أجساد البشر بديلاً لمصفاة الدم السحرية تلك، و التي تعمل بلا كلل أو ملل… مدى العُمر.
كانت قرابتي من (عماد) من الدرجة الثانية، و كان ذلك أحد أهم مَطلوبات صلاحيتي كمُتبرِّع، و شرطاً أساسيَّاً من الشروط التي يجب تحققها لضمان إستقرار كليتي في بيت كلاوي صديقي (عماد)، و دخولها الخدمة الطويلة الممتازة هناك دون أن تُلفظ… و كنت في الشريحة العمريّة المسموح لها بالتبرع بالكلى … إذ كان عُمري عندها، مُناسباً و أقل من الستين عاماً بكثير.
و بعد أن تأكَّد الأطباءُ من تَمتُعي بالصحةٍ النفسيَّة والجسديَّة الكاملة، أخضعُوني إلى العديد من الفحوصات الإضافيّة… مِثل: فحص جهد القلب، وفحص وظائف القلب والرئتين والكلى والكبد، وعملوا أشعة صوتية للبطن، تأكدوا من عدم حَملي أية أمراض معدية.
ثم ركَّزوا على الكلية نفسها، فعملوا أشعة مقطعية: للتأكد من خُلو الكلية من وُجود الحَصى، ومعرفةِ حجمِها ومكانِها، ومعرفةِ عدَد الأَوردة والشرايين التي تُغذيها.
ثم شرعُوا في تقديم بعض النصائح الهامَّة لي، مُؤكدين ضرُورة إلتزامي بها قبل إجراء عملية نقل الكلية، وأهمها حفاظي على صحتي العامة ووزني، والتوقف عن التدخين.
و قد أصابني كلُّ هذا التركيز و الإهتمام، و قوائم المُباح و المَحظُور من الأطعمة، و الأنشطة اليوميّة: بالتَّوتُرِ… و القلق.
و كان أقسى المحظورات عليّ، لو تعْلموُن، هو: التَدْخِين…
و أصابني الجَّوُّ العام بالمستشفى و عالم الأطباء بالرهبةِ و الخوف، و بدأت أفكر في التراجُع عنِ التبرُّع، و لكن كان الزمنُ قد فات، و كانت الصحفُ قد جفت و رُفعت عنها الأقلامُ… بحيث سيكُون مُجرَّد إبدائي أيَّ مظهرٍ من مظاهرِ التردُدِ عيباً، و مَلامَة ما بعدها ملامة، و سيلُوكها الناسُ و يُخلِّدها التاريخ… لا سيما و قد طوَّقتني أسرة عماد بإهتمام مبالغ فيه، خصوصاً والدته السيدة (فَوْزيَّة)، حتى خلتُ أنني تنازلت له عن كُليتين و ليس فقط واحدة، فقد فاقت الرعاية و الحرص ما يستوجبه: التبرُّع بإِحدَاهِن!
و جاءَ اليومُ المُوعُود، واضاعاً حدَّاً فاصلاً و نهائيّاً لإحتمالاتِ التراجُع و حالات التردُّد التي نجحتُ في كِتمانها بداخلي، بحيثُ لم يطَّلع عليها و لم يَحِسَّها أحد.
ألبسونا (أنا و عماد) مرايل العمليات البيضاء، المُتسقة مع البياض الطبي الذي يصبِغ الأمكنة و الناس و الأشياء حولي… و وصيت (طارقاً) بضرورة وجوده قريباً مني أثناء إجراء العملية، و قلت له ساخراً و أعني ما أقول:
– أسمع لي الهَضْرَبَة كُويِّس!
و ودعتُ الناس، بمن فيهم صديقي و رفيقي (عماد)، وداعاً أخيراً: و داعَ من لن يلتقيهم مرَّةً أخرى…
و وجدتُ نفسِي بعدها في قبضةِ فريقِ جراحةِ الكُلى و تحتَ رحمتِهِ، و ما أن أكملوا الإجراءات، و نشَّقُونِي غازَ البنج، حتى بدأ جسدي يرتخي و وعي يزول و تصغر الصور و تتلاشى بالتدريج في ناظري … ثمَّ:
فتحت عينَيَّ بصعوبة، و أفقتُ جزئيَّاً، و أنا أشعر بآلامٍ طفيفةٍ في جانبي الأيمن… و من بين براثن الألم، و طشاش البنج، قلت بصوت واهن، موجهاً كلامي لمن يسمعه أوّل:
– العَمليَّة نجحَت؟
و جائتني الإجابة بإصداءٍ من فرح، يحفُّها جرس البشارة:
– الحمدُ للهِ… دُ للهِ… للهِ… هِ!
و تَجاورْنا، أنا و عماد، بعد الإفاقة، في العنبر… و كانت فرحة الأهل، المُتحلقين حَوْلنا، طاغية و سرور الأصدقاء يفوق الحدود.
و في الأوقات التي كانت تتوقف فيها الزيارة، كُنَّا، أنا و عماد، و من عليه الوردية من المرافقين: نتحادث بأصواتٍ جذلة و عالية، و نُقهقه مرسلين ضحكاتٍ مُجلجلة، و لكنها ما هي إلا فترة يومين، إلا و ظهرت على عماد آثار من التعب والإعياء العام، و المعاناة من الشعور بالحمّى، كما لاحظ أنه يتبوّل بكميات أقل من المعتاد.
و طرأ عليه إنتفاخ بسيط في أطرافه… و لمَّا أُجريت له الفحُوصات الأوليَّة، تبين أن عنده ارتفاعًٌ طفيفٌ في ضغط الدم، كما تبيَّن أن وزنه قد زاد بضع المئات من الجرامات..
و جاء كبير الإستشاريين، الذين كانوا قد أشرفوا على العملية برُمتِها، و يبدو أنه قد تيقن من أن جسد عماد يرفض كليتي، بقوة، حتَّى الآن، و قال، بإنجليزيّة مُتخصصة، لمرافقيه من الأطباء ذوي الدرجات المهنيّة الأقل، في الفريق المرافق، و المتدربين وطلاب السنة النهائية طب، الذين كانوا ضمن مجموعة الأطباء في الجولة:
– (ح نديهُو مجموعة من مُثبطات الكالسينورين و مضادات التكاثر. وطبعا، من أهم الآثار الجانبية التي قد تترتب على تناول هذه الأدوية ازدياد احتمال الإصابة بالعدوَى، لأنها تُضعف جهاز المناعة الخاص بالمصاب، وكذلك الغثيان.
و لكننا نهدُف إلى وقفِ رفضِ الكُلية، برغمِ أنَّ بعضَ الأدويةِ المستعملةُ لمنع رفض الكلية، قد تتسبب في إصابة الشخص: بالسُّكري، أوارتفاع ضغط الدم، أوأمراض العظام، أومشاكل في الكبد، وزيادة في الوزن، وغيرها، و لكننا نأمل أن تخف مع استمرار العلاج، بإذن الله).
ثم سأل عماداً، بإهتمامٍ بالغٍ، عن مُستوى الألم في جنبه الأيمن الذي كان قد استقبل الكلية، و لمّا أجابه عمادٌ بأن الألم خفيف، سارع الطبيب المستشار، شارحاً بنفس الإنجليزيّة، المفهومة عندي تماماً:
– الألمُ أثناءَ اللَّمسِ، أو دونه، حول: الكلية المزرُوعة، من أهمّْ أعراضِ رَفضِ الجسم لها…
و هُنا، شعر عمادٌ بأن هناك (شيئاً ما) يجري على غير ما نشتهِي، و أن الأمورَ تبدُو و كأنَّها ليست على ما يُرام، مع إنه لم يفقه قول المستشار، كُلَّه، مثلما فهمتَهُ أنا، بالضبط، وأدركتَ معناهُ.
أما عنيِّ، فقد إنحصرت توجيهات البروفيسور، في ضرورة مواصلتي تناول المُضادات الحيويّة، و الإهتمام الإضافي بالتغذيّة، و عدَّد المُستشار أصنافاً من الأطعمة، صادف أنها كانت كلها: مُفضلة لديَّ، و كان أغلبُها من الخضرواتِ و الفَواكه.
و قبيل مغادرته، حادث (عماد) الإستشاري، و طلب منه أن يبقي ملاحظاته حول إحتمال فشل العملية، سراً لا يطاله أحد من أفراد الأسرة و لا حتّى مرافقية الرسميين…و وعده البروفيسور بذلك:
– جِدّاً، هذا من صميم مسئولياتنا!
و بعد الجولة، مُباشرةً، و مغادرة فريق الأطباء، سألني عمّاد، عن أفضل إخراج لطقوس و مراسم (الكرامة)… و ما إذا كان من الأفضل أن يذبح ثوراً واحداً؟ أم عدداً مُكافئاً من الأكباش!

amsidahmed@outlook.com
/////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً