نادي السينيورز في لندن يعاود نشاطه بندوة عن هجرة الحبشة (2)

 


 

 

محمد علي ـ لندن
باضع ميناء وصول المهاجرين
اتفق معظم المؤرخين على أن الميناء الذي استقبل المهاجرين المسلمين الذين كانوا في هجرة الحبشة، هو ميناء باضع، ولكننا نجد أن البروفسير عبدالله الطيب والبروفسير الشيخ حسن الفاتح قريب الله، يقولان بأن ميناء الوصول كان سواكن. ولكن سواكن لم تكن في ذلك الوقت ذات أهمية اقتصادية كبيرة للعرب الذين كانوا يهتمون بالتجارة، وإنما اكتسبت شهرتها الاقتصادية بعد تدمير ميناء عيذاب التي تسمى (سواكن قديم) العام 823هـ 1429م، على يد السلطان الأشرف برسباي ثم من بعده ملك النوبة داود، اضافة إلى هذا فإن سكان سواكن آنذاك كانوا يتحدثون اللغة التبداوية وهي لغة كوشية غير معروفة للمهاجرين المسلمين الذين عرفنا أنهم نزلوا في أرض يعرفون لغة أهلها، وهذا يؤكد أن نزولهم كان في ميناء باضع التي كان سكانها يتحدثون اللغتين التيجرية والعربية، نسبة لأنهم من قبيلة البلويين (البني عامر) السابق ذكرها والتي ذكر المؤرخ محمد صالح ضرار بأن لغتها هي لغة عاد وثمود حيث أنهم من بقاياهم لذا يطلقون على أنفسهم اسم (أولاد عاد أو عد).
أما قصة عبدالله بن الزبير الذي عبر النيل سباحة بقربة منفوخة ليشاهد أحداث المعركة التي جرت بين النجاشي ملك الحبشة وقومه الذين ثاروا عليه لاتهامهم له بأنه اعتنق الإسلام، فقد اعتبر البعض ورود كلمة نيل في الرواية دليلاً على أن الهجرة كانت لمدينة على ضفة النيل. وهذا رأي ضعيف لأن كلمة نيل، كما ذكر الدكتور صلاح الدين الشامي، تطلق بصورة عامة على أي مجرى مائي وليس بالضرورة أن يكون المقصود بها نهر النيل المعروف، كذلك فإن جزيرة باضع يفصلها عن الساحل ممر مائي ضيق يمكن قطعه سباحة باستخدام قربة منفوخة كما فعل الزبير بن العوام في القصة السابقة.
وقد امتدت مملكة البني عامر البلويين والتي كانت عاصمتها جزيرة عيرى (باضع) من جنوب مصوع جنوباً وحتى شمال عيذاب شمالاً ووصلت حدودها غرباً إلى ضفاف النيل. وقد أطلق المؤرخون الغربيون على هؤلاء البلويين اسم البلامس أو البليميين، وهم الذين شكلوا الطبقة الحاكمة لمملكة مروي القديمة التي كانت عاصمتها البجا راوية والتي تقع في منطقة البطانة، على مسافة قريبة من مدينة كبوشية، ولا تزال بعض جبال هذه المنطقة وقراها تحمل أسماء بجاوية منذ مملكة مروي القديمة، حيث إن أسماء الجبال والمدن لا تتغير بسهولة مما يدل على أن سكان هذه المنطقة كانوا من المتحدثين باللغة البجاوية. وبهذه المناسبة فإن الدكتور جعفر ميرغني قال إن كل المدن التي على الضفة الشرقية للنيل هي مدن بجاوية وبالأسماء.
ومن الأسباب التي جعلت المسلمين يختارون هذه المنطقة ملاذاً لهجرتهم وجود علاقة قديمة وثيقة بين البني عامر البلويين وقبائل الجزيرة العربية قبل الإسلام، فقد ذكر المؤرخ ضرار صالح ضرار بأن قبيلة البني عامر ورد ذكرها أول مرة في مذكرات أبرهة الأشرم، حيث تحالفت مع قبائل الجزيرة العربية وهاجمت مؤخرة جيش أبرهة الأشرم أثناء عبوره البحر الأحمر في طريقه لمحاولة هدم البيت العتيق. وقد أوقع أبرهة بالبني عامر واصطحب معه أسرى وأسيرات منهم إلى مكة المكرمة حيث وقعوا في أسر قريش بعد هلاك أبرهة وجيشه. وقد يكون تواجد هؤلاء الأسرى والأسيرات وسط قريش عاملاً هاماً في تعريف المسلمين الأوائل بمملكة البني عامر في باضع وعدالة ملكها، وقد كان ابن الملك المقتول الذي باعه أبناء عمه حتى لا يرث الملك بعد أبيه ثم احتاجوا إليه واستردوه ليتولى الملك بعد أبيه، هو النجاشي المذكور الذي استقبل المهاجرين والذي عُرف باسم أصحمه، كان مجيداً للغة العربية كما ذكر البروفسير الشيخ حسن الشيخ الفاتح قريب الله في كتابه السودان دار الهجرتين الأولى والثانية للصحابة فذكر ما يلي: "( جاء في رواية ابن هشام ما يفهم منه أن الحاشية أدركت الضمّري مشتري أصحمة ولما يزل في الطريق ج2 ص 90 .. وجاء في رواية السهيلي في الروض الانف ما يفيد أن الضمري استعبد أصحمة طويلاً وجعل السهيلي ذلك سبباً لمعرفة أصحمة بلسان العرب وفهمه لما تلي عليه سورة مريم بل وبكائه ج2 ص 94 علما بأن الأساقفة أنفسهم مع أنهم لم يعيشوا في بلاد العرب كما عاش أصحمة على حسب رواية السهيلي بكوا كذلك حتى أخضلوا مصاحفهم .... سيرة بن هشام ج2 ص 88 ... وذلك إن دل إنما يدل على شيوع اللغة العربية في تلك المنطقة من السودان ومعرفة أصحمة وقساوسته بها واتقانهم لها حتى قبل استعباده.


وصل المهاجرون إلى ميناء باضع (عيري) في أرض الحبشة بعد أيام معدودة من ركوبهم البحر الذي اختاروه لأنه أسرع ابحاراً وأكثر أمناً من الطريق البري الذي يعرضهم لملاحقة قريش. وتدل سرعة وصولهم، إلى قرب الحبشة المعنية من ميناء شعيبة السعودي، ومكثوا في جزيرة باضع بأرض الحبشة بقية وحول ما يقال من أن باضع ليست جزيرة عيري (أو جزيرة الريح أو جزيرة ابن مد)، فإننا نقول بأن عدداً مقدراً من المؤرخين يؤكدون ما ذهبنا إليه من أن باضع هي جزيرة عيري، ومنهم البروفسير يوسف فضل والدكتور صلاح الدين الشامي والمستر كروفورت والمستر أندرو بول وقسم الآثار في جامعة كمبردج الذي يقوم حالياً بالتنقيب عن الآثار في هذه الجزيرة). كذلك فإن المؤرخ اليعقوبي أكد بأن باضع كانت قريبة من مدينة توكر، فذكر بأن مملكة جارين كانت تمتد من باضع إلى بركات، ويقصد ببركات هنا نهر بركة الذي يروي أراضي توكر. وقد أكد خبير الآثار صلاح عمر الصادق أن عيري هي باضع، وننقل هنا وصفه لهذه الجزيرة وعلاقتها بالعرب حتى قبل الإسلام: (تقف آثار جزيرة باضع شاهداً على العلاقة الوثيقة التي كانت قائمة بين الجزيرة العربية والسودان قبل وبعد ظهور الإسلام وموقعها اليوم في الطرف الجنوبي لجزيرة الريح على ارخبيل عقيق عند الحدود السودانية الإرترية ويشتمل الموقع على مساحة تقدر بحوالي 200 × 60 متر تتبعثر على المساحة بقايا أطلال مباني من حجارة المرجان المحلية، بعض هذه المباني كبير في حجمه وهي مرصوصة حول شارع يخترق المدينة وتلحق به بعض الميادين والساحات أحد هذه المباني يظهر أنه كان مسجداً شبيهاً بالطراز الحجازي زمن الخلفاء الراشدين ويشبه المسجد المجيدي الموجود حالياً بجزيرة سواكن المشيد سنة 1853م). وحول الخلاف في ما إذا كانت باضع هي مصوع أو عيري أورد المؤرخ ضرار صالح ضرار في كتابه (هجرة القبائل العربية لوادي النيل) صفحة 248 ما يلي: "وقد أحدثت جزيرة عيري بعض النقاش حول حقيقة أمرها فقد أسماها بعض المؤرخين مثل كروفورد "باضع"، ويبدو أن الدكتور يوسف فضل والدكتور صلاح الدين شامي قد قبلا هذا الاسم على هذا الموضع، غير أن والدي محمد صالح ضرار وهو من أبناء منطقة البجه الجنوبية "من قرية عقيتاي التي تقع جزيرة عيري على ساحلها" أشار إلى أن باضع هو الاسم القديم لميناء مصوع، وأنه لا علاقة له بجزيرة ابن مد. ........
"وقد شغلت جزيرة عيري الأذهان، وقام المؤرخ البريطاني كروفوت بزيارتها" .... وكتب يشيد بالحضارة التي كانت موجودة في هذه الجزيرة والتي تثبت قدرة المسلمين على الابداع قائلاً: "من هذه الأنقاض التي وجدتها فإنه بودي أن أعلن بأن هذه البقايا تعطي صورة وضاءة عن قدرة هؤلاء المسلمين الأوائل وعن بعد نظرهم وقدرتهم على التنظيم مما جعلهم قادرين على التوسع ليس على أراضي البحر الأبيض المتوسط المعروفة جيداً، أو على طرق الأراضي الآسيوية التي تقع على الطرق التجارية ولكن أيضاً في الأراضي الواقعة على سواحل إفريقيا وتلك التي في داخلها. وإنها توضح الأحوال الصعبة التي كانت خلال العصور تواجه أولئك المغامرين في السواحل والقدرة على التغلب على هذه الصعاب - هذه القدرات التي كانت تتحلى بها هذه الأجناس التي يهتم بها علماء المصريات والعصور الوسطى." ا هـ.
شهر رجب وشعبان إلى رمضان.
كانت باضع هذه هي عاصمة مملكة بني عامر البلويين التي تسمى جارين، (راجع كتابات المؤرخ الارتري الشيخ أبو الحسن صالح محمد فكاك في مقاله في جريدة المدينة السعودية بتاريخ يوم الأحد 16 رمضان 1403 هجري الموافق 26/6/1983 م). واستقبل أفراد قبيلة البني عامر وملكهم النجاشي أصحمة هؤلاء المهاجرين ورحبوا بهم، وأعطوهم الأمان للنزول في أرض مملكتهم التي يحكمها ملك عادل. وبذا تكون هذه القبيلة هي أول شعب يعطي الأمان للمسلمين، ولأول مهاجريهم خارج الجزيرة العربية، بل وداخلها أيضاً. فلقد تعرض المسلمون الأوائل لصنوف العذاب داخل جزيرتهم ومن عشيرتهم، مما أجبرهم على الهجرة. وقد أكرم الله سبحانه وتعالى قبيلة البني عامر بالأسبقية في الإسلام، وذلك بدخول الإسلام إلى ربوع أرضها قبل فتح مكة المكرمة بسبع عشرة سنة، حيث كانت هجرة الفوج الأول من الصحابة رضوان الله عليهم في السنة الخامسة من البعثة النبوية، عليه فإن باضع (جزيرة عيري، أو جزيرة الريح، أو جزيرة ولد مد) الواقعة جنوب ميناء العقيق السوداني، هي أول دار للهجرة في الإسلام، حيث حباها الله بهذا الشرف وهذه المنة قبل أن يأذن الله لرسوله بالهجرة النبوية إلى المدينة المنورة بتسع سنين ـ وعلى هذه المعايير الحسابية التاريخية الثابتة بالوثائق وتواتر الحقائق فإن قبيلة البني عامر البجاوية هي أول من صام شهر رمضان المبارك، خارج منازل الوحي في الجزيرة العربية، كما أن البني عامر هم أول من آمن بالرسالة من غير جدال وقتال حيث آمنوا ونصروا غيبياً بالتبليغ فقط وقد انعكس هذا في تدينهم الشديد إلى يومنا هذا. وبذا تثبت الحقائق التي أوردناها أن دخول الإسلام السودان أول مرة كان عن طريق الشرق قبل اتفاقية البقط بسنوات عديدة. وانتشر الإسلام مع دخول وفد هجرتي الحبشة في شرق السودان وارتريا خاصة مع مكوث جعفر بن أبي طالب في الحبشة فترة طويلة بعد عودة أصحابه، مما مكنه من نشر الدعوة على نطاق واسع، ونتج عن هذا قيام مدن إسلامية خالصة في الحبشة، مثل قرية صحابينا في ارتريا، ومدينة نبت في شرق السودان والأخيرة استمرت من القرن الأول حتى القرن الرابع للهجرة.
باضع ميناء البطالسة ومنفى الأمويين
عرف البطالسة ميناء باضع منذ قديم الزمان وكانوا يستخدمونه لنقل الحيوانات الوحشية ومنها الأفيال الإفريقية التي كانت تستخدم في القتال إلى مصر واليونان، كذلك عرفه الرومان. وقد كان ميناء باضع مهماً لأنه كان منفذاً للصادرات الإفريقية كما ذكر المؤرخون. وبعد هجرة الحبشة، استمرت علاقة العرب بهذه الجزيرة في صدر الإسلام فنفى إليها الخليفة عمر بن الخطاب كل من أبي محجن الثقفي والشاعر عمر بن أبي ربيعة الذي يوجد قبره فيها بالاضافة إلى ما جاء في كتاب الأغاني من نفي الشاعر الأحوص والفقيه عمر بن مالك في عهد الأمويين إلى هذه الجزيرة. وتوجد شواهد للقبور مكتوب عليها باللغة العربية أسماء أموية. وننقل هنا عن الأستاذ ضرار صالح ضرار (إن جزيرة عيري هي باضع التي يشير إليها المؤرخون والجغرافيون العرب ويذكر الدكتور يوسف فضل أن سكانها كانوا يتقايضون بالأمشاط والعطور مع الأحباش ويأخذون منهم العاج وبيض النعام وغير ذلك. ..... ).
ثم ننقل عن نفس المرجع السابق، قصة الأمويين في الجزيرة (كان يسكن في هذه الجزيرة بعض بقايا بني أمية ممن هرب من وجه العباسيين ولجأ إلى بلاد النوبة، ثم طلب منهم ملك النوبة أن يرحلوا من بلاده لأنه لا يريد أن يدخل في منازعات مع العباسيين في مصر بسبب وجودهم في أرضه). وقد رحل الأمويون من هذه الجزيرة بعد أن دمرها البرنس أرناط (رينو دي شاتيو) أمير الكرك (في بلاد الأردن) الذي شن حملة على الموانيء الإسلامية في البحر الأحمر وذلك في سنة (578 هـ/1182م)، وتم تدمير كل مباني جزيرة عيرى (باضع) بما فيها المسجد. ويعتقد أن الأمويين الذين فرّوا من باضع ثم أقاموا مملكة الدجن في منطقة كسلا هم الذين أسسوا بعد قرون مملكة سنار. وتوجد في قبيلة البني عامر قبيلتان تنتسبان لبني أمية هما قبيلة (ولد نهو)، و(ماريا).
وإنتهت الندوة بإنتهاء المحاضرة التي تركت أصداءً في مجتمع لندن الذين وطالب الذين لم يحضروا الندوة إعادة المحاضرة. وشكر الحضور السيدة نوال جنيدابي على كرم الضيافة والإهتمام كما شكروا الأستاذ سليمان ضرار على محاضرته القيمة وطالب الحضور بمزيد من مثل هذه المحاضرة التاريخية التعليمية.

//////////////////////////

 

آراء