نحن ننافق الوطن .. بقلم: د. النوردفع الله

الشخصية السودانية مزيج عربي أفريقي أخذت احسن ما عند العرب من خصال واحسن ما عند الافارقة من خائص وسمات فأوجدت هوية متفردة اسمها (السوداني) الذى يحتل مكانة متميزة بين شعوب العالم كافة فالسوداني عرف بانه مسامح شهم كريم معطاء تتكسر امامه كل حواجز الجهوية والقبلية والمبادئ السياسية وغيرها من المبادئ والافكار خاصة عندما تجمعهم ظروف الغربة فيكون السؤال لدى الغير هل تتعارفون من قبل؟ هل أنتم ابناء منطقة واحدة؟ فتكون الاجابة لا هذا ولأذاك بل جمعتنا ظروف الحياة لنعيش معكم في دياركم هذه فيستغربون غاية الغرابة على الالفة والمحبة التي تربط السودانيين بهذه الكيفية البالغة القوة في العلاقات الانسانية ولعل الاكثر غرابة في ذلك حينما يقوم السوداني باستضافة بني جلدتة بمنزله يقوم برعايتهم ويسهر علي راحتهم دون ان يدفعوا مقابل ذلك شيئا من المال .

وفوق كل هذا وذاك يتمتع السوداني بالعاطفة الجياشة للحد الجارف فبالكلمة الرقيقة الطيبة ممكن ان تأخذ منه ما تشاء وكما يقال (تأكل وتقش في طرفه) ولكن في المقابل هو شخص يأبي الضيم والذل والهوان ويثأر لكرامته عندما يقابل بالاستفزاز او الحط من قدرة .

ومن جميل الصفات للسودانيين هم اهل تقوي وصلاح وورع وكيف لا يكونون كذلك وهم قد أسسوا دولتهم الإسلامية عقب سقوط الاندلس والتي تعرف بمملكة سنارأو السلطنة الزرقاء أومملكة الفونج كأعظم دولة اسلامية في قلب افريقيا فهم بهذه السجايا النبيلة والسمات النادرة الجميلة يحق لنا ان نطلق عليهم الشعب (القشطة) خشن الملمس خارجيا ولكنه يحمل في داخله حلاوة المذاق وروعة الطعم والنكهة ولذلك استحق نيل شهادة التقدير في المثالية بين شعوب العالم….

الا انه من المذهل ومن فرط الغرابة والدهشة ومما يؤسف له حقا أن اناسا بهذه السجايا الجميلة نراهم يتفقون على كل شيء من امور دنياهم الا وطنهم فما معنى من ترديد لعزة في هواك وفى الفؤاد ترعاه العناية وانا سوداني ووطني السودان اعز مكان والقائمة تطول وتطول بل اننا لا نكتفى بهذا فزدنا من فوقه اقامة المهرجانات للأغنية الوطنية تمجيدا لهذا الوطن.. قناعتي الشخصية ان الامر لا يعدو ان يكون نوعا من النفاق لان ما تردده الالسن لا يجد له تصديقا في القلب والدليل على ذلك ترانا نتقاتل ويحارب بعضنا بعضا ونتخاصم ونكيل الدسائس ونتشرذم طوائف وطرائق عددا وحركات مسلحة واحزاب تنمو في حالة بكتيرية مذهلة تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى

هذه الحالة وبكل أسف لم تكن وليدة العصر وانما اشارت اليها جريدة النيل في خمسينيات القرن الماضي بعد تكوين الاحزاب السياسية حين عبرت عن ذلك بقولها (ان تعدد الاحزاب في بلد كالسودان وفى هذه المرحلة الخطيرة من حياتنا السياسية لن يعود علينا الا بالفشل الذريع في مسائلنا الوطنية الكبرى) ولعل هذا ما حذرت منه جريدة الميدان لاحقا عندما دخل السودان مرحلة الاستقلال خاصة عندما سادت روح الخلافات السياسية اجواء البلاد في ما عرف آنذاك بمقالات (مصرع السياسة على اعتاب القداسة) (ومصرع القداسة على اعتاب السياسة) حيث كتبت تحت عنوان الى اين يقودنا الصراع الناشئ بين القداسة والسياسة؟ والى أين يقودنا تقسيم الشعب الى قسمين ؟ طائفي وغير طائفي الايصح القول بوجود اتفاق بين الطائفتين؟ فاذا صح كل ذلك لماذا يحل الخلاف محل الاتفاق؟ لماذا نختلف من أجل انفسنا من أن نتفق من أجل بلادنا ؟وذكرت في ختام مقالاتها : (ان القضية التي يمكن تنبع عنها جميع نقاط الاتفاق بيننا على اختلاف احزابنا وطوائفنا هي قضية تعزيز استقلالنا الوطني الذى لا يكتمل الابوجود وحدة وطنية بيننا )

نحن الآن أمام مرحلة تستوجب معها اعادة صياغة الحياة السياسية برمتها من اجل غد أفضل لما ظل يتطلع اليه أهل السودان منذ دخوله مرحلة الاستقلال لان كل الذى تحقق كان دون الطموح لبلوغ الهدف ولذلك ينبغي علينا ان لا نختزل الوطن في الاشخاص لان كل ابن انثى وان طالت سلامته يوما على آلة حدباء محمول ويبقى الوطن الى أن يرث الله الارض ومن عليها ولهذا فنحن نقول لابد من قبول الآخر لا نه من الخطأ بمكان القول من ليس معنا فهو ضدنا لان اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية ولان سنة الكون اقتضت أ ن يكون هناك خلاف واختلاف فالكل سواسية لان المواطنة هي القاسم المشترك الذى يجمع الجميع دون اقصاء أو تهميش لأحد..

والكل في السودان أخذ نصيبه من (الكيكة) مآبين اليسار واليمين والوسط ولم يكن هناك من مخرج لأزمة الوطن الا بالوفاق الوطني من خلال مخرجات الحوارالوطنى التي اتفق عليها الجميع تنزيلا على أرض الواقع نصا وروحا والا يصبح الامر في نهايته مجرد مناورات ودهاء سياسي في لعبة السياسة القذرة لا أكثر ولا أقل…

dafallanour@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً