أثار انتباهي التحدي الذي رفعه الصحفي عثمان ميرغني باستعداده للتبرع بمبلغ مائة مليار دولار للدولة السودانية بشرط إرفاق خطة الدولة للمشروعات التي يتم فيها صرف المبلغ. وهو تحدي قصد منه التنبيه إلى ضرورة التخطيط لمشروعات يتم استحداثها، وتعبئة طاقات وجهود الناس حولها. وفي نفس الوقت فإنه أومأ إلى مدى قصور حكومة الثورة في هذا الجانب. وفي تقديري أن ما نبه له عثمان ميرغني هو السبيل الذي يجعل لإرادة التغيير خطة وهدف، ويضعها على محك عملي. فلا مناص من التخطيط للعبور وفق رؤية واضحة تتضافر لها إمكانيات الدولة وتستنهض الهمم وتحشد العقول. فالدول التي يظل نظرها قاصراً على حدود متاهات رزق اليوم، ستبقى دائماً تطارد سراب الخروج بين هذه المتاهات دول طائل، أما التي تمد نظرها بعيداً لحجز مقعد في المستقبل وتبدأ العمل له منذ يومها فستظفر به على التحقيق.
تقول التقديرات المتداولة إن حاجة السودان الحالية للكهرباء تقارب 3800 ميجاوات، بينما لا تتجاوز السعة المنتجة في أحسن حالاتها عبر المحطات الكهرومائية والحرارية نحو 2800 ميجاوات، مما يؤدي إلى حدوث عجز دائم في الإنتاج يصل إلى1000 ميجاوات، وتقل هذه النسبة المنتجة من الكهرباء لأسباب عديدة تتعلق بعدم توفير الوقود اللازم للمحطات الحرارية أو عدم توفر قطع الغيار للماكينات أو آليات التوزيع، أو في بعض الأحيان لسوء الإدارة الذي يلازم قطاع انتاج وتوزيع الكهرباء. ويبلغ معدل الزيادة السنوية في الطلب على الكهرباء 14%. وهذا الوضع يغلق أي باب لتحسين الوضع الاقتصادي في البلاد بإقامة مشاريع زراعية وصناعية وخدمية ضخمة تناسب حجم الموارد والإمكانات التي يتمتع بها السودان، ويجعل تهيئة بيئة الاستثمار الجاذبة أمراً بعيداً عن الواقع، ومن ثم تزداد الضرورة في كل لحظة في التفكير في إحداث نقلة هائلة في هذا القطاع يغري بالاستثمار في المجالات المختلفة. وهذه النقلة يجب أن تستوعب التطور الذي يمكن أن يحدث لمدى مستقبلي مناسب. فلا خروج من الوهدة الحالية دون بث طاقة خلاقة في جسد الوطن تجعله قادراً على العبور كما يحلو للسيد رئيس مجلس الوزراء أن يذكر دائماً.
من نعم الله على هذا البلد أن أودع فيه مصادر طاقة متنوعة وغير ناضبة، وأصبح استخدامها بفضل التطور التقني رخيصاً نسبياً ومتاحاً بسهولة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. وقد سبق أن صنفت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا) السودان ضمن أفضل الدول الأفريقية التي لديها أكبر قدرة على إنتاج الطاقات المتجددة، واحتل المرتبة الثالثة في بعد أثيوبيا وجنوب أفريقيا، وهي قدرات لو اتجه إلى استخدامها بصدق ووضعت لها الخطط وارتفعت الهمم لحصادها فستضع السودان في موقف آمن، وتفتح له آفاق المستقبل.
لم تكن عظمة الاتحاد السوفيتي التي حازها عقب الثورة البلشفية وجعلته أحد قطبي العالم، مبنية على الفكرة الشيوعية، وإنما في المقام الأول على التخطيط الاقتصادي الذكي الذي بدأ بوضع خطط توفير الكهرباء لأغراض التحول الصناعي، إلى المدى الذي جعل لينين يقول إن الشيوعية هي القوة السوفييتية مضافاً إليها الكهرباء. ووقف في حديث ينم عن وضوح بصيرة حول آلية التغيير من مجتمع ضعيف إلى قوة عظمى: (الشيوعية هي القوة السوفيتية بالإضافة إلى كهربة البلاد بأكملها، وإلا فإن البلد سيظل موطناً صغيراً للفلاحين، ويجب أن ندرك ذلك بوضوح. نحن أضعف من الرأسمالية، ليس فقط على النطاق العالمي، ولكن أيضا داخل البلاد، وهذا أمر معروف للجميع، وقد أدركنا ذلك، ونتأكد كل يوم أن التحول الحقيقي يتم من خلال نقل الأساس الاقتصادي من الفلاحة الصغيرة إلى أساس صناعي واسع النطاق. ولن ننتصر بالكامل إلا عندما تكون البلاد مكهربة). وما ذكره لينين في مطلع الألفية الفائتة عن أن الكهرباء هي الأساس للانتصار هو ما يجب أن يقال الان ونحن في مطلع الألفية التالية لعصره. فبوابة خروج السودان من وهدته هي قدراته مضافاً إليها الكهرباء
بالنظر لسد النهضة ودون اعتبار للتقديرات السياسية والفنية التي تقرر موقف السودان ومصر تجاهه من زاوية مصالحهما الخاصة، إلا أن الأثيوبيين نظرواً لما يخرجهم من مستنقع الفقر والجهل والمرض و يفتح لهم باب الولوج إلى الألفية الثالثة ووضعوا خطة لذلك فكان تطوير انتاج الكهرباء الأرضية مفتاح الحل. ولا تزال ترن في مسمعي الكلمات الجياشة للسيد ملس زناوي رئيس الوزراء الأثيوبي عشية الاحتفال بوضع حجر الأساس لسد النهضة في أبريل 2011 الذي كان منقولاً مباشرة على أجهزة الإعلام الفضائية، عدد فيها أوجه الجهد المبذول لجمع الشعب الأثيوبي لتمويل جزء كبير من خطة بناء السد باعتباره مدخل القفز خارج مركب الفقر عن طريق سندات اكتتب فيها الأفراد، ومن خلال القروض التي قدمتها المصارف المحلية للحكومة، وذلك قبل أن تلجأ الحكومة للتمويل الخارجي. فالقادة العظام هم الذين يحددون احتياجات شعوبهم ويعرفون الطريق لمعالجة مشكلاتها.
لقد أطلق السيد رئيس مجلس الوزراء حملة القومة للسودان لدعم مجهودات الحكومة للخروج من الأزمة الاقتصادية، وتداعى لها السودانيون داخل وخارج البلاد بحماس زائد، دون أن تتضمن هذه المبادرة مشروعات محددة أو خطة واضحة المعالم. ومن ثم طواها النسيان كمبادرات كثيرة لم تتضمن خطة معلنة. وكان من الأفيد أن تحدد مشاريع بعينها، ليس أقلها خطة مشروع طموح لانتاج الكهرباء. وعلى التحقيق فإن تمويل مثل هذه الخطط ليس أمراً معجزاً، سواء من المدخرات الداخلية أو من بيوت التمويل العالمية، خاصة في ظل التحسن الفائق الذي أحرزته الحكومة على مستوى العلاقات الخارجية.
الحديث عن توفير الكهرباء لأغراض الإضاءة و تبريد حرارة الطقس هو تقزيم للأحلام الكبيرة، وعلاج لا يعدو أن يكون مهدئاً لحظياً للخواطر ، لكنه قاصر على المدى الطويل، فما نحتاجه هو مشروع عظيم قائم على خطة طموحة لإنتاج الكهرباء يدخل به السودان القرن الواحد والعشرين ويودع به وإلى الأبد أسباب الفقر والعوز والجهل ويفتح طاقة جديدة للحياة.
abuzerbashir@gmail.com
//////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم