نحو نظرية سودانية في التحول الديمقراطي (5)
الحلقة الخامسة: الإصلاح المؤسسي
من كسر دورة التجريف إلى استعادة الدولة المؤسسية
في الحلقات السابقة حاولنا أن ننظر إلى الأزمة السودانية من زاوية مختلفة، لا تختزل تعثر التجربة الديمقراطية في ضعف الأحزاب أو قصور النخب أو عدم نضج المجتمع، وإنما تنظر إلى الدولة نفسها ومؤسساتها، وإلى ما أصاب هذه المؤسسات من انقطاع وتراجع في قدرتها على الاستمرار والتراكم.
وانتهينا إلى أن وجود مؤسسات كثيرة لا يعني بالضرورة وجود دولة مؤسسية. فالمؤسسية لا تقاس بعدد المؤسسات، وإنما بقدرتها على أداء وظائفها داخل منظومة واضحة من الاختصاصات والعلاقات والمساءلة، وبقدرتها على معرفة حدودها والالتزام بها، والتكامل مع المؤسسات الأخرى دون أن تتغول إحداها على الأخرى. كما تقاس بقدرتها على الاستمرار عبر تغير الحكومات والقيادات، بحيث لا تضطر الدولة إلى إعادة تشكيل نفسها مع كل تحول سياسي.
ومن هنا نصل إلى السؤال الأصعب: إذا كان التجريف المؤسسي قد أصبح جزءًا من تاريخ الدولة السودانية، فكيف يمكن إصلاح ما أصابه التجريف؟ وكيف يمكن أن نمنع إعادة إنتاجه؟
قد يبدو الأمر في ظاهره مسألة إدارية: إعادة هيكلة المؤسسات، وتطوير القوانين، وتحسين الأداء، وتغيير القيادات، وبناء القدرات. وكل ذلك مهم، لكنه لا يعالج أصل المشكلة إذا ظلت البيئة السياسية والدستورية التي أنتجت التجريف قائمة. فالمؤسسة التي يمكن أن يعاد تشكيلها بالكامل مع كل انقطاع سياسي لن تستطيع أن تبني ذاكرة مستقرة أو تراكمًا حقيقيًا مهما تحسنت كفاءتها.
ولهذا فإن الإصلاح المؤسسي في السودان لا يبدأ من المؤسسة وحدها، وإنما يبدأ من استعادة الشرعية الدستورية واستئناف المسار الدستوري الذي يسمح للمؤسسات بأن تستمر وتتراكم وتحمي نفسها من إعادة التجريف.
فالانقلاب العسكري لا يمثل مجرد تغيير للحكومة أو للقيادة السياسية، وإنما يمثل انقطاعًا في القواعد التي تنظم الوصول إلى السلطة وممارستها وانتقالها. ومن الطبيعي، في ظل هذا الانقطاع، أن تعاد صياغة علاقة السلطة بالمؤسسات القائمة، وأن تتغير القيادات والاختصاصات وقواعد العمل، وأن تنشأ ترتيبات جديدة تستمد وجودها من القوة التي فرضت الأمر الواقع.
وهنا تكمن إحدى أهم مشكلات التجربة السودانية: أن الانقطاع الدستوري قد يكون قصيرًا من حيث مدته، لكنه قد يكون طويل الأثر من حيث المؤسسة. فالمؤسسة التي تفقد قياداتها أو خبراتها أو استقلالها لا تستعيد بالضرورة ما فقدته بمجرد انتهاء السلطة التي أحدثت التغيير. وقد يستمر أثر الانقلاب داخل مؤسسات الدولة حتى بعد انتقال السلطة إلى حكم مدني.
ومن هنا فإن أثر الانقلاب لا ينتهي بالضرورة بمجرد انتقال السلطة إلى حكومة مدنية. فالمعيار الأهم ليس طبيعة الأشخاص الذين يمسكون بالسلطة، وإنما عودة الحكم إلى الشرعية الدستورية والمسار الدستوري. وقد يطول عمر النظام الذي نشأ عن الانقلاب، وقد تتغير قياداته وتتبدل هياكله، لكن طول المدة لا يحول الانقطاع الدستوري إلى أصل شرعي للحكم.
وهنا ينبغي التمييز بين الأمر الواقع (De facto) والشرعية الدستورية (De jure). فالانقلابات تنشئ، بحكم طبيعتها، ترتيبات تستمد وجودها الأول من الأمر الواقع لا من الشرعية الدستورية. وقد تستمر هذه الترتيبات سنوات طويلة، وتنشئ خلالها مؤسسات وقوانين ومصالح وعلاقات جديدة، لكن استمرارها في الواقع لا يحولها، بمجرد مرور الزمن، إلى أصل دستوري للشرعية.
ومن المشكلات التي يمكن رصدها في التجربة السودانية أن التعامل مع ترتيبات الأمر الواقع المستمرة قد يؤدي بمرور الزمن إلى الخلط بينها وبين الشرعية الدستورية، وكأن طول بقائها يكفي لمنحها مشروعية لم تكن لها عند نشأتها. لكن التقادم السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر للشرعية.
وهذه ليست دعوة إلى التعامل مع كل ما نشأ أثناء الانقطاع باعتباره باطلًا بصورة آلية، وإنما هي دعوة إلى وضعه في موضعه الصحيح: ما نشأ في ظل الانقطاع يحتاج، عند استعادة الشرعية الدستورية، إلى أن يُنظر إليه من جديد في ضوء القواعد الدستورية التي أصبحت هي مصدر الشرعية.
ولا يقتصر ذلك بالضرورة على القرارات والترتيبات الداخلية، بل قد يمتد إلى بعض الاتفاقيات والتصرفات التي أُبرمت أثناء الانقطاع، خاصة تلك التي ترتب التزامات طويلة الأجل على الدولة أو تمس إقليمها أو مواردها أو أصولها الاستراتيجية. وليس المقصود افتراض بطلانها لمجرد صدورها عن سلطة انقلابية، وإنما إخضاعها عند استعادة الشرعية الدستورية للمراجعة في ضوء الاختصاصات والقواعد التي كان ينبغي أن تحكم إبرامها، وبما يحفظ حقوق الدولة ومصالحها.
فاستعادة المسار الدستوري لا تعني فقط تغيير من يجلس على مقعد السلطة، وإنما تعني أيضًا إعادة النظر في كثير من الترتيبات التي نشأت في ظل الانقطاع، وفق قواعد الشرعية التي يفترض أن تحكم الدولة بعد استعادتها لمسارها الدستوري.
لكن التجريف المؤسسي أعمق من مجرد تغيير الأشخاص. فالمؤسسة ليست مجموعة الموظفين الذين يعملون فيها، وإنما هي أيضًا المعرفة التي تراكمت داخلها، والقواعد التي تحكم عملها، والتقاليد المهنية التي استقرت فيها، والعلاقات التي تربطها بالمؤسسات الأخرى، والحدود التي تفصل اختصاصاتها عن اختصاصات غيرها.
ولهذا لا يكفي أن نستبدل القيادات أو أن نعيد بعض الأشخاص إلى مواقعهم السابقة. فقد تبقى المؤسسة قائمة باسمها ومبناها، لكنها تكون قد فقدت جزءًا من ذاكرتها أو خبرتها أو استقلالها. وقد تظل تؤدي وظائفها، لكنها تصبح أكثر اعتمادًا على إرادة السلطة السياسية وأقل اعتمادًا على قواعدها المهنية.
ومن هنا يمكن أن نفهم العلاقة بين ضعف المؤسسة وتغول مؤسسة أخرى عليها. نعم، قد تتغول مؤسسة على مؤسسة أخرى بسبب ضعفها، لكن ضعف المؤسسة ليس بالضرورة أصل المشكلة. فقد يكون هذا الضعف نفسه نتيجة للتجريف الذي أحدثته الانقطاعات الدستورية. ثم يتحول الضعف لاحقًا إلى مبرر لمزيد من التدخل والتغول، فيؤدي التدخل بدوره إلى مزيد من الإضعاف.
وهنا تتحول النتيجة إلى سبب، وتبدأ دورة جديدة من التجريف.
ولهذا فإن إصلاح المؤسسة لا يمكن أن يقتصر على تحسين أدائها الداخلي، وإنما يجب أن يوقف الآلية التي تجعلها عرضة للتجريف مرة أخرى. فلا معنى لإعادة بناء مؤسسة إذا كانت معرضة بعد سنوات قليلة لأن يعاد تشكيلها بالكامل مع أول انقطاع سياسي، ولا معنى لبناء خبرة مؤسسية إذا كان من الممكن اقتلاعها مرة أخرى خارج القواعد الدستورية.
فالاستمرارية ليست مجرد نتيجة للإصلاح، وإنما هي شرط لنجاحه. المؤسسة تحتاج إلى الزمن حتى تتعلم، وإلى الاستقرار حتى تتراكم خبرتها، وإلى قواعد مستقرة حتى تتطور تقاليدها المهنية. ومن دون ذلك تظل الدولة تعيد بناء نفسها من نقطة الصفر.
وهذا ينطبق بصورة خاصة على رأس المال البشري وذاكرة الدولة. فالدولة لا تتعلم من خلال النصوص وحدها، وإنما من خلال الخبرات التي تتراكم داخل مؤسساتها عبر الزمن. ولا يعني ذلك أن الأشخاص فوق النقد أو الاستبدال، فالتجديد والمساءلة والكفاءة ضرورية، لكن هناك فرقًا بين التجديد المهني وبين اقتلاع الذاكرة المؤسسية. الأول يقوي المؤسسة، أما الثاني فيجعلها تبدأ من جديد كل مرة.
كما أن استعادة المؤسسية تتطلب وضوح حدود المؤسسات واختصاصاتها. فالمؤسسة القوية -مدنية أو عسكرية- ليست التي تستحوذ على اختصاصات غيرها، وإنما التي تعرف وظيفتها وتملك القدرة على أدائها، وتحترم في الوقت نفسه وظائف المؤسسات الأخرى. والاستقلال لا يعني العزلة، كما أن التكامل لا يعني ذوبان الحدود.
فإذا كانت المؤسسات تعرف اختصاصاتها وتحترم حدودها، أصبح التعاون بينها ممكنًا دون أن يتحول إلى تداخل، وأصبحت المسؤولية قابلة للتحديد والمساءلة ممكنة. أما عندما تصبح الحدود غامضة، فإن ضعف مؤسسة ما قد يتحول إلى مبرر دائم لتدخل مؤسسة أخرى فيها.
ولهذا فإن الإصلاح المؤسسي في السودان يحتاج إلى أكثر من إصلاح إداري. إنه يحتاج إلى مستوى دستوري وسياسي يعيد السلطة إلى الشرعية الدستورية والمسار الدستوري، وإلى مستوى مؤسسي يعيد بناء الاختصاص والاستقلال والمساءلة والاستمرارية، وإلى مستوى إداري ومهني يهتم بالكفاءة، والموارد، والنظم، والقدرات. وهذه المستويات مترابطة، لكن استقرارها جميعًا يتطلب أولًا حماية المسار الدستوري من الانقطاع.
إذا كانت دورة التجريف تبدأ بانقطاع دستوري يعيد تشكيل السلطة والمؤسسات، ثم يضعف استقلالها وتراكمها، فإن الإصلاح ينبغي أن يسير في الاتجاه المعاكس: استعادة الشرعية الدستورية، وحماية المسار الدستوري، وتوفير البيئة التي تسمح للمؤسسات باستعادة استمراريتها، ثم بناء الخبرة والمساءلة والقدرة المهنية فوق هذا الأساس.
وبذلك يبدأ الانتقال من دورة الضعف إلى دورة التراكم.
ولهذا فإن عكس التجريف لا يعني فقط إزالة بعض آثاره، وإنما يعني إعادة بناء القدرة على التراكم. فإذا كان التجريف المؤسسي قد قطع استمرارية المؤسسات وقدرتها على التراكم، فإن الإصلاح لا يقتصر على عكس مسار هذا التجريف (Reversing Institutional Erosion)، وإنما يتجه إلى استعادة المؤسسية وتجديدها (Institutional Restoration and Renewal).
ولا يعني ذلك العودة الآلية إلى كل ما كان قائمًا قبل الانقطاع. فالمؤسسات السابقة لم تكن بالضرورة كاملة، وبعض القوانين والترتيبات قد تحتاج إلى الإصلاح حتى لو لم تنشأ في ظل انقلاب. المقصود هو أن يصبح الإصلاح نفسه مؤسسيًا ودستوريًا، وأن تتم مراجعة ما يحتاج إلى مراجعة من داخل الشرعية، لا من خلال انقطاع جديد.
فلا يمكن معالجة آثار الانقطاع بانقطاع آخر.
وفي النهاية، فإن الاختبار الحقيقي للدولة المؤسسية ليس أن تكون الدولة ثابتة ولا أن تتوقف عن التغيير، وإنما أن تستطيع أن تتغير دون أن تنهار. تتغير الحكومات والقيادات والسياسات، بينما تبقى المؤسسات والوظائف والقواعد والخبرات، ويستطيع كل جيل أن يبني على ما أنجزه الجيل الذي سبقه.
وهنا يصبح الفرق واضحًا بين تغيير الحكومة وتغيير الدولة. فتغيير الحكومة يحدث داخل الدولة المؤسسية، أما إعادة تشكيل الدولة نفسها مع كل انقلاب، فهي من نتائج الانقطاع الدستوري الذي يؤدي إلى التجريف المؤسسي.
إذا أردنا إذن أن نكسر دورة التجريف، فعلينا ألا نكتفي بإنهاء سلطة الانقلاب أو تشكيل حكومة جديدة. المهمة الأعمق هي استعادة الشرعية الدستورية واستئناف المسار الدستوري، ثم بناء مؤسسات تستطيع أن تحمي هذا المسار من الانقطاع مرة أخرى.
فالدولة المؤسسية ليست دولة لا تتغير، وإنما دولة تستطيع أن تتغير دون أن تبدأ من الصفر. الإصلاح فيها لا يحتاج إلى هدم المؤسسة كلما أخطأت، ولا إلى هدم النظام كله كلما واجه أزمة، وإنما إلى مؤسسات وقواعد تسمح بالتعلم والتصحيح والمساءلة من داخل الشرعية الدستورية.
وهنا نصل إلى السؤال الذي ستتناوله الحلقة القادمة: ما الذي يجعل الشرعية الدستورية قابلة للاستمرار؟ وما طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تنشأ بين المؤسسات المدنية والعسكرية، وبين الأحزاب والدولة، وبين المجتمع والدستور، حتى لا تعود البلاد مرة أخرى إلى نقطة الانقطاع؟
salahabusarah@gmail.com
