في الشراكة الأوربيَّة مع أقطار في إفريقيا والبحر الكاريبي والمحيط الباسفيكي (1من 2) .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
لعلَّ كثيراً ما ميَّز الإنسان نفسه عن الحيوان ليس لأنَّه يفكِّر ويعقل فحسب، بل لأنَّ تفكيره قد هداه إلى ابتكار وسائل إنتاج غذائه وعلاجه ولباسه، وتسخير الموارد الطبيعيَّة لهذه الأغراض. والأفكار المستخدمة في الأنشطة الاجتماعيَّة هي تلك التي تنتج من علائق الأفراد مع الطبيعة، أو علائقهم مع بعضهم بعضاً، أو حتى علائقهم مع حيواناتهم الأليفة. ومن الجلي في كل هذه الحالات أنَّ الأفكار أو المفاهيم هي تعابير ذات وعٍ – حقيقي أم وهمي – بيد أنَّ إنتاج الأفكار والمفاهيم والوعي قد امتزج مِزاجاً مباشراً مع النشاط المادي والتداخل المادي بين البشر، وبات لغة الحياة في السياسة والقانون والأخلاق والدِّين والظاهرات ما وراء الطبيعة وغيرها. ومن بعد تأسَّست المجتمعات، وأخذ الفلاسفة يتجادلون فيما بينهم أيَّهما نشأ أولاً اللغة أم المجتمع. على أيَّة حال، تأسَّست المجتمعات الريفيَّة والحضريَّة وظهرت الحكومات حينما أخذ الصِّراع حول الموارد في اشتداد، وفي حركة جذب ومد، وأخذ السلوك الاجتماعي والسياسي يتطوَّر رويداً رويداً. وبعد دخول شعوب أوربا في صراعات دمويَّة وأفلحوا في تكوين المؤسَّسات القانونيَّة والمدنيَّة والسياسيَّة التي تنتظم بموجبها شعوبها، حتى استقرَّت حالهم، وابتدعوا أسلوباً للتعاون الدولي، لئلا يكون نمط حياتهم الماديَّة محدوداً، وعلاقاتهم الاجتماعيَّة مقصورة فقط على قارتهم. وفي سبيل ذلك تأسَّس الاتحاد الأوربي من أجل حماية القيم المشتركة، والمصالح الأساسيَّة، واستقلال وتكامل الاتحاد، بما يتوافق مع مبادئ ميثاق الأمم المتَّحدة، ولتعزيز أمن الاتحاد في جميع المجالات، وحفظ السَّلام، وتقوية الأمن العالمي حسب مبادئ الأمم المتَّحدة، وكذلك قانون هيلسينكي النهائي، وأهداف ميثاق باريس، بما في ذلك ما يتعلَّق بالحدود الخارجيَّة، وتشجيع التعاون الدولي، وتنمية وتقوية الديمقراطيَّة وحكم القانون، واحترام حقوق الإنسان والحريَّات الأساسيَّة، وتمديد النطاق الأمني حول أوربا (تحديداً نحو الشرق)، وتعزيز النظام العالمي، ومواجهة المهدِّدات.(1) إذاً، ما هو الاتحاد الأوربي؟
يعود سر نجاح الاتحاد الأوربي إلى الطريقة غير العاديَّة أو النهج الفريد التي يعمل بها الاتحاد، وغير عاديَّة لأنَّ الدول الأعضاء المكوِّنة للاتحاد ما تزال أمماً ذات سيادة مستقلة، ولكنها تتضافر في بلورة سيادتها لتكسبها قوة ونفوذاً عالميَّاً، بحيث لا يمكن أن تحقِّقهما أيَّة دولة بمفردها. هذا يجعل الاتحاد ليس بوحدة فيديراليَّة، كما هي الحال بالنسبة للولايات المتَّحدة الأميريكيَّة، ولكنه أكبر درجة من منظومة تعاون بين الحكومات، مثل الأمم المتحدة. وتضافر السيادة هنا يعني عمليَّاً أن تقوم الدول الأعضاء بتفويض بعض سلطات اتخاذ القرار إلى المؤسسات المشتركة التي ابتكرتها، حتى تأتي القرارات في قضايا محدَّدة ذات المصالح المشتركة ديمقراطيَّاً على المستوى الأوربي. فعلى سبيل المثال تحتفظ الحكومات الوطنيَّة على انفراد بإداراتها المستقلة في شؤون السياسة الخارجيَّة والأمن والدِّفاع، غير أنَّها تقر بفوائد العمل سويَّاً في هذه القضايا. فالتعاون لا يقتصر على الدِّفاع فحسب، بل أيضاً في مهام إدارة الأزمة – مثل العمليات الإنسانيَّة والإنقاذيَّة، وحفظ السَّلام في أماكن ذات القلاقل والاضطرابات. وفي هذه الحال يحاول الاتحاد الأوربي استنفار وتنسيق القوات العسكريَّة والشرطة ريثما يتم استخدامها في تنسيق العمل الديبلوماسي والاقتصادي. ومن خلال هذه الآليات استطاع الاتحاد الأوربي أن يحفظ السَّلام، ويؤسِّس الديمقراطيَّة، ويدفع بالتقدُّم الاقتصادي في أماكن قصيَّة كإندونيسيا وجمهوريَّة الكونغو الديمقراطيَّة وأقطار في جنوب-شرق أوربا.
وكما يجري المثل القائل إنَّ روما لم يتم تشييدها في يوم واحد، هكذا لم يتم تأسيس الاتحاد الإوربي في مرحلة واحدة بضربة لازب، بل تطوَّر الاتحاد في مراحل مختلفة، وعلى النحو التالي، قبل أن يرسو على الشاطئ المعروف بهذا الاسم اليوم. إذ ما يزال الاتحاد يتطوَّر حيناً، ويتفاعل مع المستجدات السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والأمنيَّة في الدول الأعضاء في سبيل الوصول إلى مراحل أرقى وأفضل حيناً آخر. إذاً، ما هي المراحل التطوُّريَّة التي مرَّ بها الاتحاد الأوربي؟
على أيٍّ، فحينما كان الآباء المؤسِّسون لمعاهدة روما يتفاوضون حول المعاهدة وضعوا فقرة في المعاهدة حول العلاقات مع إفريقيا. هكذا نجد أنَّ الاتحاد الأوربي – منذ نشأته الأولى – قد أظهر التزاماً لمستعمراتها السابقة ودول ما وراء البحار، وتحديداً الدول الناطقة بالفرنسيَّة، ولكن بعد انضمام المملكة المتَّحدة إلى الاتحاد العام 1973م، تمَّت إعادة تعريف الشراكة في اتفاقيَّة لومي مع مجموعة الأقطار في إفريقيا والبحر الكاريبي ومنطقة المحيط الباسفيكي العام 1975م. وقد اقترحت فرنسا بأنَّه ينبغي وضع نص في المعاهدة يحث على اتفاقيَّة المزاملة مع دول وأراضي ما وراء البحار (An Association Agreement with Overseas Countries and Territories)، وبخاصة تلك الدول التي كان لها ارتباط استعماري بفرنسا. برغم من إضافة النص في الفقرة الرابعة من المعاهدة والتوقيع عليها بواسطة ست دول أوربيَّة، إلا أنَّ الفكرة ظلَّت حبراً على ورق إلى حين إنشاء صندوق التنمية الأوربي، بواسطة المجموعة الأوربيَّة كجهة ماليَّة لدعم مشروعات هذه الاتفاقيَّة، حيث أصبح الصندوق فيما بعد العمود الفقاري للسياسة الإغاثيَّة الأوربيَّة لإفريقيا.
لا توجد تعليقات
