نضال الشمارات أو الإنتحار الممتع !!  .. بقلم: إبراهيم عثمان 

 

سئل رئيس حزب يساري تونسي عن أسباب النتائج المتواضعة التي حققها حزبه بعد أول إنتخابات بعد الثورة ، فأجاب : لقد انشغلنا عن تقديم برنامجنا بالمبالغة في التركيز على مهاجمة حركة النهضة .
من الطبيعي والمفهوم أن تعمل أي معارضة على كشف عورات النظام الذي تعارضه ،وطبيعي أن تكون هناك بعض المبالغات والإختلاقات ، لكن غير الطبيعي أن يكون هذا هو عملها الوحيد الذي تجند له جيش من النشطاء لا هم لهم إلا كتابة البوستات والمقالات والأشعار التي تتبارى في الشتم والهجاء وتبيين المظلومية ، وأفضلها وأكثرها تداولاً هي تلك التي تبالغ في الشتائم إلى الدرجة التي تجعل صاحبها يتوارى (خجلاً أو جبناً لا فرق) وينسبها إلى إسم نضالي كبير ،فيضطر الذين تُنسَب إليهم إلى النفي ، ومع ذلك يستمر النقل الكثيف للمقالات اللقيط منسوبة إلى من نفوا صلتهم بها دون مراعاة لزملاء النضال هؤلاء ! نعم للهجاء والشمارات متعة لكنها متعة مسمومة تبعد صاحبها عن الهدف بقدر ما يغرق فيها ، بل قد تنحره وتغرقه في تفاصيل عمل يومي عبثي يشغله عن مهمة إقناع الجماهير بأفضليته . 

يستمر هذا الأداء في ظل غياب شبه تام لأي مجهودات جدية لتقديم إجابة لسؤال البديل ( السؤال المُلِح في الحقيقة ،لا الوقح كما وصفه د.غازي صلاح الدين) ،وتوفر البديل الجاذب هو الشرط الضروري لكسب الشارع في معركة المنافسة عليه مع النظام والأكثر أهمية من هجاء النظام ، وتبرز أهميته خصوصاً في إقناع الذين لا يتحمسون للنظام لكنهم ليسو على استعداد للخروج عليه تعويلاً على المعارضة ، حتى القصص الهجائية لا يحسنونها رغم طول الممارسة فهي كثيراً ما تكون بنت لحظتها ، والحجج كثير منها ركيك ولا يصمد أمام حجج أخرى استخدمها نفس الشخص في وقت سابق كي لا يضيع فرصة هجاء في اتجاه آخر ، مثلاً  في أحد قروبات الواتساب أتى أحد النشطاء  بصورة جبل قمامة في الخرطوم ، فشكك أحد أعضاء القروب بأن الصورة من الجنوب ، فعلق أحد المناضلين المؤيدين لنظام الرفاق في جوبا : هم الجنوبيين عندهم شئ أساسا حتى تكون لديهم قمامة ؟! قالها عفوياً دون دراسة جدوى لهذه الحجة ، فهو ولكي يثبت أن (الكوشة) هذه شمالية ، لم يبالي ليحقق هذا الهدف (المشروع طبعاً لكنه لا يستحق ثمناً كبيراً كالذي دفعه) بأن ينسف تجربة زملائه الرفاق في جوبا ويصيبها في مقتل !

إذن تشبع المجال العام بقصص هجاء المعارضة للإنقاذ حتى ما عادت أي قصص جديدة يمكن أن تشكل إضافة ذات منفعة حدية نضالية يمكن أن تؤثر على المشهد السياسي .علم الإقتصاد يعرف المنفعة الحدية بأنها هي ( منفعة الوحدة الأخيرة أو الوحدة التي تشبع أقل الحاجات بحيث يمتنع الشخص عند الوصول إليها عن طلب وحدات إضافية جديدة من ذلك الشئ “سلعة أو خدمة” ، إما لأن المنفعة منها تنعدم ، أو لأنه يفضل أن يشبع حاجات جديدة ). والمعارضة كبائعة لسلعة (الشمارات) قد بالغت كثيراً في عرضها حتى أصبحت في كثير من الحالات تشتغل بالسالب وتخصم من رصيد المعارضة مما أدى إلى إشتغال قانون تناقص المنفعة الحدية ( principle of diminishing marginal utility) . وذلك في حالات الفبركة ، أو التناقضات المكشوفة ولي عنق المنطق ليؤدي مهمة الهجاء بثمن يفوق الربح المرجو  ،والحالات التي يصعب فيها اقتناص فرصة هجاء دون أن يكون هناك ضحية أو عدة ضحايا من نفس معسكر الهاجي ، أو الحالات التي لا يشتغل فيها الهجاء إلا برشاش يصيب الهاجي نفسه دون أن يدري، كما يحدث على سبيل المثال في حالات العدوان الخارجي أو النزاعات الحدودية أو العقوبات الجائرة ، أو الموقف من الدين ودوره .. إلخ .

كثيراً ما تسبب هذه الحالات إرتباكاً في خطاب المعارضة ، حينما تحاول بعض أحزابها أن تجد طريقاً مأموناً تصفق فيه للعدوان على استحياء وترفضه في ذات الوقت على استحياء ، لكي لا يضبطها الجمهور وهي متلبسة بالتصفيق الكامل بلا تحفظ ،ولكي لا تتورط في رفض حاسم يجعلها تتفق مع النظام أو تخدم محاجته . وتوزيع الأدوار في هذه الحالات بين أطراف المعارضة المتحالفة – بين متطرف لا يبالي بالرأي العام  ومعتدل ينافقه  – لا يؤدي غرضه ، لأن صورة المعارضة لدى الرأي العام تتأثر أكثر بمواقف أكثر أعضاءها تطرفاً ، ولأن الأحزاب المعارضة التي هندست مواقفها لتقلل أضرار المواقف القصوى سرعان ما تلغي مفعول هذه الهندسة حين يصعب عليها الإستمرار طويلاً في الطريق كثير الإلتواءات الذي صنعته الرغبة في المواءمات الصعبة ، ولأن نشطاء المعارضة في المواقع الإسفيرية دائماً ما يتبنون مواقف أكثر أطراف المعارضة تطرفا .

 ومن التكتيكات التي تسئ لصورة المعارضة تكتيك الإنتظار الكسول لإنفجار النظام من داخله ، مع محاولات فطيرة لإشعال فتيل الإنفجار. أو لتقاطعات وأزمات إقليمية تساهم في أزمة النظام ، وعندما يخيب النظام ظنهم ويدير علاقاته الخارجية بحكمة ، يتدخلون و يعقدون جلسات سرية لقادة النظام ويؤلفون محاضراً غير احترافية يخصصونها بكاملها لإرسال رسائل سلبية في كافة الإتجاهات (خصوصاً الخارج الحليف والمعادي)  حتى يغضب الجميع ويقوموا بمهمة إسقاط النظام نيابة عنهم . قد يجادل أحدهم بأن الحاجة إلى (الشمارات) لا تنتهي ما دامت أخطاء النظام لا تنتهي، وما دامت هي حاجة سيكولوجية فطرية يستلذ بها أحياناً حتى غير المغرضين . حتى لو صح هذا وبرر ملاحقة أخطاء النظام بالنقد البناء ، فإنه لا يبرر الكذب والفبركة والتناقض ولا يبرر غياب ملامح البديل المقنع . 

لو أخذنا مثلاً مثلاً آخر تقليعة نضالية وهي شائعات الخطف وتجارة الأعضاء ، وحللناها (كأخر وأهم وحدة تم إضافتها إلى طوفان “الشمارات”) سنجد أن منفعتها الحدية ستشتغل بالسالب ، لأنه ثبت يقيناً أنها كانت مجرد شائعات مقصودة ، ولأن الذين يصدقونها سيحتاجون إلى الأمان وبالتالي سلطة الدولة ، ولعل ذلك المعنى قد وصل إلى النشطاء الذين ضخموا ما حصل من إعتداء على السوري في حي عد حسين  الذي وضعه حظه العاثر أمام أحد الإفرازات السلبية للشائعات ، وصل ذلك المعنى حين نقل أحد الفيديوهات حماس الجماهير وتكبيراتهم عند وصول الشرطة . ولأن النفس القصير للحملة وانتهاءها تماماً خلال عدة أيام يثبت كذب الذين وقفوا خلفها ولا مسؤوليتهم وبؤس تكتيكاتهم ، ولأن المعارضة تضيف بؤساً إلى هذا البؤس حين يدعي النشطاء وبعد انتهاء حملة الشائعات بأن الشائعات كانت صنيعة جهاز الأمن لصرف الأنظار عن مواضيعٓ أخرى !! يقولونها بكل جزم وقوة عين ولا يبالون بحقيقة أن الجميع تابعوهم وهم منخرطين في الحملة ، ويتساهلون في نقل الأخبار الكاذبة ، ويتصدون بكل شراسة لمن يحاول تفنيدها بالمنطق البسيط أو المعلومة المضادة !

إجابات المعارضة على كثير من الأسئلة مشوشة ، وإنشغالها الدائم بإيذاء النظام كثيراً ما يورطها في مواقف لا يسهل الدفاع عنها ، حين تلجأ إلى ضبط مواقفها وبالتالي مبادئها على معيار أذية النظام وكثيراً ما يوقعها هذا السلوك في مطبات مبدأية وأخلاقية ، حين لا تسهل الأذية أحياناً إلا بثمن مبدأي وأخلاقي كبير ، ولعل أي إضافة جدية ومقنعة على صعيد تقديم البديل الجاذب تفوق بمراحل أهمية أي (شمار) جديد يقدح في النظام .هذه المهمة قد أصبحت أكثر إلحاحاً وصعوبة في ذات الوقت بسبب الربيع العربي وما تلاه من فوضى وإنهيار الدولة في بعض الحالات ، أو عودة النظام القديم بنسخة انتقامية أكثر دكتاتورية و أسوأ أداءاً على صعيد الإقتصاد ومعاش الناس .

 هذه التجارب صعّبت مهمة المعارضة ، لأنها قد نسخت صورة الثورة في المخيال الجمعي للجماهير  كعملية نظيفة مأمونة خالية من المخاطر الوجودية على كيان الدولة أو التأثيرات السلبية الكبيرة على معاش الناس وأمنهم  ،وبعيدة عن التدخلات الأجنبية المباشرة ذات الطابع الإملائي الوصائي ، أضف إلى ذلك تجربة دولة الجنوب الفاشلة وارتباط المعارضة بهذه التجربة قبل الإنفصال وبعده وتدخلات الجنوب السلبية في الشأن السوداني . إذن أصبحت مهمة المعارضة مزدوجة تشمل إقناع الجماهير بأنها فعلاً بديل أفضل يستحق أن يثور الناس من أجل أن يحكم ، وتشمل أيضاً إقناع الجماهير بأنها قادرة على إنجاز ثورة خالية من المخاطر الكبيرة في ظل وجود حركات تمرد متعطشة للسيطرة أو الإنفصال وتجد الدعم من دول جوار لها أطماعها المعلنة . وهي مهمة لم تقترب منها حتى الأن ، وانشغلت عنها بمهمة الإغتيال المعنوي التي بقدر ما تشبع بعض النوازع النفسية فهي تبعدها عن تحسين صورتها .

salaby2013@yahoo.com

\\\\\\\\\\\\\\\\\\

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً