نقلة نوعية مطلوبة من أجل السلام وتوليد الثروة قبل تقسيمها .. بقلم: السر سيد أحمد
17 سبتمبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
34 زيارة
دعوة للنقاش اعلان الجبهة الثورية استعدادها لوقف العدائيات لفترة ستة أشهر ردا على عرض الرئيس عمر البشير وقف اطلاق النار لمدة شهرين يمثل فرصة ذهبية يمكن أن تمثل نقلة نوعية في مسار العمل السياسي السوداني وفتح طاقة الأمل في ليل الأحباط المتطاول. وتتمثل هذه الفرصة في العمل على انجاز خطوتين أساسيتين: تحويل وقف العدائيات الى وقف شامل لأطلاق النار ثم الأنتقال من هذه المرحلة الى مرحلة نبذ العنف بأي صورة جاءت عبر انقلاب عسكري او حرب عصابات واحلال النشاط السلمي محله ليصبح محور العمل السياسي، وذلك في مسعى للأستفادة من التجارب الثرة التي مرت بها البلاد. ومن هذه التجارب ان العنف وحتى على افتراض حسن النية فيمن يلجأون اليه ونجاعة المنطق الذي يقولون به له ديناميكيته وقوانينه الخاصة التي تفرض مناخات وممارسات تطغي على الشعارات التي رفعت السلاح من أجلها، بل وفي الغالب ترتد على الذين حملوا السلاح أنفسهم.
في العام 1989 ضاقت الجبهة القومية الأسلامية بالممارسات السياسية السائدة ورأت في مذكرة القوات المسلحة ابعادا لها بقوة السلاح ومن ثم قررت أن تسقي خصومها من ذات كأس العنف الأنقلابي، على ان أسلوب الأنقلاب بحظر العمل السياسي والتضييق على حرية التعبير والتننظيم لم يقتصر على الخصوم ونما طال العضوية كذلك، وأصبحت المفارقة ان التنظيم الوحيد الذي تم حله فعلا هو حزب الجبهة الأسلامية القومية ومؤسساته المختلفة. فالأحزاب الأخرى تم حلها قانونيا ورسميا لكنها ظلت تعمل تحت الأرض وخارج السودان.
في الرد على عنف الدولة وتضييقها على العمل السياسي السلمي راجت مفاهيم بضرورة مقابلة ذلك التحدي بقوة السلاح وتمثل تجربة الأنيانيا وبعدها الحركة الشعبية لتحرير السودان والتجارب المتعثرة لمختلف فصائل التجمع الوطني الديمقراطي وبعدها حركات دارفور أبرز عناصر التوجه القائم على الرد بالعنف، وهو ما يفرض أسئلة عن حصيلة هذا التوجه. فتجربة الأنيانيا أنتهت بشراكة بين الحركة والنظام المايوي حفلت بالكثير من الثقوب. تجربة الحركة الشعبية عملت على الأستفادة من تجربة الأنيانيا وتوصلت الى انه في غياب أمكانية تحقيق الأنتصار الكامل والنهائي على الخرطوم فمن الأوفق لها تحصين نفسها عبر الأحتفاظ بجيشها المستقل وأطلاق يدها في الجنوب والأنتهاء عمليا بدولتها الخاصة والمستقلة، لكن رغم ذلك انتهى الوضع بقتال بين رفاق الأمس على كعكة السلطة والثروة وذلك بالأستناد الى تراث العنف الذي كان موجها نحو الخصوم وأصبح بعد ذلك يوجه الى زملاء خندق النضال.
خلاصة الأمر ان العنف المضاد أو الثوري ليس حلا و لا بديلا خاصة اذا كان الهدف بناء نظام ديمقراطي وتعددي يحترم حرية الأنسان وعلى رأسها حريتي التعبير والتنظيم. فرفع راية العنف يتطلب معايير مختلفة للعمل ذات صبغة عسكرية تقوم على اعطاء الأولوية للتأمين والضن بالمعلومات وتراتبية تقوم على السمع والطاعة لا النقاش والسماح بالأختلاف. فعلى المحك أرواح المقاتلين، لذا لم تكن صدفة ان الحركة الشعبية كانت تطلب ممن ينتسبون اليها العمل الميداني العسكري بغض النظر عن مؤهلاتهم الأكاديمية والفكرية أو السياسية.
وهذه الخاصية تستمر حتى وان تم القضاء نهائيا على الخصم وفيما يجري في أثيوبيا أو أرتريا أو يوغندا مثالا حيا على عدم القدرة على قطع الصلة بتراث العنف الذي يأتي على حساب الحرية والتضييق السياسي والأعلامي، اذ لا صوت يعلو على صوت المعركة، التي تتخذ لها أشكالا متعددة في كل زمان وأن.
منذ وقت طويل تترد مقولة ان مشكلة السودان ليست فيمن يحكم ولكن في كيف يحكم وأرجو أن يتسع النقاش في هذا الجانب ويصل الى نتيجته النهائية ليركز على الأليات التي تساعد في كيف يحكم السودان وعلى رأسها نبذ العنف. فالتجربة السياسية الثرية تشير بجلاء انه لا يمكن لأحد الأن الأدعاء ان له كل الأجابات والحلول لمشاكل السودان سواء في شكل مشروع حضاري أو سودان جديد أو صحوة أسلامية أو خيار ماركسي. فللكل الحق أن يطرح ما يراه وأن يسعى بين الناس لأقناعهم برؤيته وبرنامجه عبر عمل سلمي يعتمد الحجة والمنطق وصندوق الأنتخابات وسيلة وليس عن طريق العصا القائمة والأخرى المدفونة عبر العنف.
لقد ترددت أحاديث كثيرة عن الضغوط التي مارسها أجتماع المبعوثين خاصة الأمريكي دونالد بوث في باريس الأسبوع الماضي على الجبهة الثورية ان ترد على مبادرة البشير وقف أطلاق النار، وهاهي قد فعلت. ويبقى المطلوب تحويل هذا الأعلان الى نبذ نهائي للعنف وهو ما يتطلب حراكا وضغطا داخليا من قواعد كل القوى السياسية سواء في الحكم او المعارضة أو مؤسسات المجتمع المدني ليصبح العمل السلمي هو القاعدة والأساس ونبذ ما عداه، الأمر الذي يسمح بالتداول والنقاش الحر للقضايا الأقتصادية والأجتماعية بعيدا عن أرهاب العنف من أي مصدر جاء.
ومن هذه القضايا الأنتقال الى مربع جديد في قضايا قسمة الثروة والتركيز على توليد الثروة قبل تقسيمها. فتجربة قسمة الثروة الماثلة بين أيدينا أنتهت عمليا الى أمتداد للتراث الممتد منذ أيام السودنة وأحلال السودانيين مكان الأجانب في وظائفهم وأمتيازاتهم وبدون أن ينعكس ذلك على المجتمع ككل.والحصيلة حتى الأن فيما يخص قسمة الثروة عبارة عن محاصصات في شكل وظائف دستورية للقيادات المعارضة سواء على مستوى المركز أو الولايات و لا يحصل الناس على شيىء يذكر من هذه القسمة. ويمثل قطاع النفط مثالا حيا على هذا الحال اذ نصت الأتفاقية على حصول الولايات المنتجة للنفط على نسبة 2 في المائة مما تنتجه تلك الولاية وذلك بأفتراض اعادة تدوير تلك العائدات في شكل مشاريع تنمية وخدمات للولاية المعنية، لكن الكثير من علامات الأستفهام تطال تلك العائدات مع تعاضم الأحساس انه تم أستبدال ممارسات السلطة المركزية في الخرطوم بممارسات مشابهة من قبل عواصم الولايات المعنية.
تسليط الضوء على نبذ العنف وتوليد الثروة قبل العمل على توزيعها يعيد تركيز العمل على المجتمع ككل، وعدم قصره على النخب، كما يفتح الباب واسعا أمام المحاسبة والمسؤولية، وليس الأكتفاء بالمزايا الشخصية أوالدينية أو الأخلاقية لهذا الزعيم أو ذلك القيادي، وكذلك أتاحة المجال أمام بروز قيادات جديدة في مجالات البناء والتعمير لا القتال والعنف اللفظي والجسدي، كما يمكن حساب العمل السياسي بأشياء ملموسة ابتدءا مما يمكن تحقيقه في القرية أو الولاية وانتهاء بالمستوى الوطني العام ومحاسبة القيادات التي ظلت تجد في العنف مظلة تبقيها في الواجهة وتبعد عنها المسائلة، مما أسهم في حالة التصحر السياسي التي تعيشها البلاد.