نقوش حول قوانين الإعلام المطروحة في السودان للعام 2021م (2 من 7) .. بقلم: د. سيف الدين حسن العوض

د. سيف الدين حسن العوض
أستاذ الإعلام المشارك- كلية الإعلام – جامعة أم درمان الإسلامية

مقدمة:
ذكرنا في المقال الأول من هذه السلسلة أن الأداء الإعلامي السليم والصحيح في أي مجتمع من المجتمعات هو نتاج ثلاثة عناصر ضرورية هي القانون والأخلاق والحرية، وأكدنا أن العناصر الثلاثة القانون والحرية والأخلاق الإعلامية، ليست بأهمية بعضها، لكن غياب أحدها يهدد رسالة الإعلام وحسن سير عمله، فمن دون حرية يصبح مضمون الإعلام بيانات رسمية، ومن دون قوانين تصبح المهنة الإعلامية مشرعة الأبواب وغير محمية وعرضة لكل التجاذبات، ومن دون أخلاق يصبح الإعلام فاسد فتتراجع الضوابط ويتهدد دوره الرئيس المراقب والناقد. وعرَفنا القانون والحرية وتناولنا بصورة أكبر الحديث حول الأخلاق والأخلاقيات لأهميتها، وميزنا بين مفهومين للسلوكيات الإعلامية: الأخلاق والأخلاقيات. وأوضحنا أن من مميزات أخلاقيات المهنة أنها توفر احساساً بالذاتية المهنية، وتشير إلى نضج المهنة، كما أنها تتيح للجماعة المهنية أن تعرف نفسها، وتخبر الممارسين للمهنة من هم؟ وماذا يجب أن يقوموا به؟ وبجانب ذلك تساهم أخلاقيات المهنة في تشكيل صورة واضحة عن ممارسي المهنة، وتحدد ما يتوقعه منهم المجتمع، وفضلاً عن ذلك فإن آداب وأخلاقيات المهنة، والمواثيق الأخلاقية تساعد على تحسين مستوى الأداء المهني، وتعزز الإحساس الداخلي بالانتماء للمهنة، والحرص على كرامتها وصورتها لدى المجتمع.
كما ذكرنا أن الأخلاق منها ما هو طبع، ومنها ما هو تطبع يأتي بمجاهدة الانسان لنفسه وحملها على مكارم الأخلاق، والطبع بلا شك أحسن من التطبع ومن حرم الخلق الحسن فإنه يمكنه أن يناله عن سبيل التطبع، وذلك بالمرونة والممارسة.
واشرنا الى ان الإعلامي الذي يلتزم بأخلاقيات المهنة الإعلامية يتجنب دوماً تضارب المصالح أي التعارض بين واجبه كإعلامي يلتزم بنشر الحقائق وبين أية مصلحة أخرى قد تضطره لإخفاء أي جزء من الحقيقة، وهو الملتزم بالاستقامة والاستقلالية، بمعنى أن يمتنع عن ممارسة الأنشطة التي قد تشكك في استقامته واستقلاليته المهنية، أي الامتناع عن أي انتماء حزبي أو المشاركة في الدعاية السياسية أو الحزبية أو الإعلانات التجارية، وهو كذلك لا يقبل هدايا أو امتيازات من مصادره الإعلامية بهدف التأثير على استقلاليته، وهو الذي يقاوم أي ضغوطاً قد تضطره للتنازل عن أخلاقيات المهنة وأن يبلغ عنها فوراً، وبجانب كل ذلك فهو يمتنع عن استغلال مكانته الوظيفية أو اسم مؤسسته للحصول على مكاسب شخصية أو معاملة تفضيلية، وفضلاً عن كل ذلك فإن الإعلامي ذو الأخلاق هو الذي يمتنع عن استخدام طرقاً غير أخلاقية أو غير قانونية للحصول على معلومات مثل التصنت أو العنف أو الابتزاز أو التهديد أو الاغراء، وأكدنا أن الإعلامي الذي يلتزم بهذه المعايير هو إعلامي يلتزم بأخلاقيات الإعلام وسيتمتع بالتأكيد باحترام الجمهور له.
وفي هذا المقال نواصل الحديث حول القانون، فما هو القانون وماهي قوانين الإعلام، وهل هي مطلوبة في ظل النظم الديمقراطية كما هو الحال في فرنسا أم يمكننا فقط الاعتماد على الاخلاقيات في تنظيم العلاقة بين الإعلام وأفراد المجتمع كافة كما هو الحال في الولايات المتحدة وبريطانيا؟

قوانين الإعلام وتشريعاته:
القانون لغة هو مقياس كل شيء وهي كلمة معربة، قيل أن أصلها رومي وقيل فارسي. وكلمة قانون من أصل يوناني وتعني: الشيء المستقيم، المعيار، القاعدة. وقد انتقل اللفظ إلى العربية وأخذ معنى: المقياس، القاعدة، النظام. ويرجع أصل كلمة قانون إلى اللغة اليونانية فهي مأخوذة من الكلمة اليونانية Kanun ومعناها في الأصل العصا المستقيمة أو المسطرة.
والقانون اصطلاحاً هو مجموعة القواعد العامة التي توجه سلوك الأفراد في المجتمع. وهذه القواعد قد تكون: صادرة عن الدولة في صورة تشريعات، أو صادرة عن الدين، أو صادرة عن العادة والتقليد، كالعرف. وأيا كان مصدر القاعدة فهي تعني توجيه سلوك الأفراد على نحو ملزم يقيد حريتهم
ويعرف القانون بأنه مجموعة من القواعد التي تنظم الروابط الإجتماعية بين الناس وتتوفر على جزاء يكفل طاعتها واحترامها. أو هو مجموعة القواعد التي تنظم سلوك الأفراد في مجتمع يلزم بها أفراده ويقرنها بجزاء يوقع جبراً على من يخالفها.
وتستعمل كلمة “قانون” للتعبير بصفة عامة عن مجموعة القواعد المنظمة لسلوك وعلاقات الأشخاص في المجتمع على وجه ملزم. أما كلمة “تشريع” فتطلق على كل قاعدة أو مجموعة من القواعد تضعها السلطة التشريعية لتنظيم أمر معين. والتشريع هو مجموعة القوانين والنصوص التي تصدرها جهة مخولة دستورياً لتنظيم المجتمع ككل أو جزء منه، فكل تشريع قانون ولكن ليس كل قانون تشريع.
ولهذا فإن التشريعات الإعلامية، تعرف بأنها القواعد والنصوص التي تصدرها جهة، مخولة دستورياً لتنظيم قطاع الإعلام في أي قطر من الأقطار.
ويشير الدكتور أحمد الشاعر باسردة (1997م)، إلى أن التشريعات الإعلامية تنقسم بشكل عام إلى تشريعات تتصل بالمضامين وأخرى تتصل بالمؤسسات الإعلامية من حيث التنظيم والإدارة وتحقيق الأهداف والحقوق والواجبات، بالإضافة لتشريعات تتصل بالمهنة الإعلامية نفسها، وأخرى تتصل بالتشريعات الدولية، ويؤكد أن أهم مصادر التشريعات الإعلامية الدساتير ثم القوانين السائدة مثل القانون الجنائي وقانون العقوبات والقانون المدني والاداري والقانون الدولي، كما تعتبر اللوائح والمذكرات التفسيرية مكملة للتشريعات الاعلامية.
وتعرف التشريعات الإعلامية بأنها هي مجموعة القواعد القانونية التي تنظم تداول المعلومة في الفضاء العمومي ابتداء من مصادر المعلومة وطبيعتها والوسائل الإعلامية القديمة منها والحديثة، والمتلقين. وبالتالي فهذه النصوص تتعلق بعدد من العناصر من المصدر للجمهور للوسيلة وغيرها، فيمكن أن تتضمن التشريعات الإعلامية القوانين التالية:
– قوانين تتناول المصدر كقوانين الأرشيف، وقوانين حماية حقوق الملكية الفكرية.
– قوانين متعلقة بوسائل الإعلام كالقانون التجاري كما هو الحال في السودان.
– قوانين تتعلق بطبيعة الرسالة مثل: قانون الإعلان التجاري، قانون سبر الآراء، القوانين المتعلقة بالملكية الفكرية.
– قوانين تتعلق بممارسي المهنة: مثل القانون الأساسي الخاص بممارسي مهنة الإعلام أو الصحفيين، قانون العمل، المراسيم المحددة لحقوق وواجبات الصحفي كما هو الحال في السودان القانون الصادر سنة 2009م.
لكن مع ظهور التوجهات الحديثة للتشريعات الإعلامية هناك من يرى أنه من الضروري أن تضاف مواثيق الشرف الصحفي أو أخلاقيات المهنة الإعلامية للنصوص القانونية، لكون من يصدرها هي جهة مخولة دستورياً، فغالبا ما تصدرها جهة تشريعية، ويلاحظ ان معظم الدول الليبرالية او الحرة كالولايات المتحدة الامريكيةوبريطانيا تعتمد في تنظيم تداول المعلومة على هذه المدونات والمواثيق.
لهذا يمكننا ان نعرف التشريعات الإعلامية بأنها النصوص والقواعد القانونية والأخلاقية التي تنظم تداول المعلومة في الفضاء العمومي. وتدرج ضمن التشريعات الإعلامية القواعد الأخلاقية التي يضعها المهنيون في قطاع الإعلام للتفريق بينهم وبين المتلاعبين بالعقول.
إذاً يمكن القول إن الدولة تشرف على وضع قوانين، بينما المهنيون يشرفون على مواثيق الشرف، والمواطن كذلك عليه أن يفرض نوع من القواعد العامة، وبصورة عامة توجد ثلاثة توجهات للتشريعات الإعلامية الحديثة وهي:
التوجه الأول: يتلخص في قوانين تنظم حرية الإعلام وحق الإعلام، بإعتباره حق إنساني وضروري في الديمقراطيات الحديثة. وقاعدتها القانونية هي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتستمد طابعها الإلزامي من المعاهدة الدولية للحقوق المدينة والسياسة لسنة 1966م. وهي موزعة عبر قوانين مختلفة من دولة لأخرى ولا توجد في هيكل واحد سوى في ست دول هي: الولايات المتحدة الأمريكية في 1974م، وبعدها كل من كندا، أستراليا، نيوزلاندا، السويد، و بريطانيا. وهذه القوانين تتعلق بحق المواطن في الإعلام ولا تنص على حق الصحفي والحقوق المجاورة. كما أنها قوانين تتوجه بالخطاب إلى السلطات التي تملك المعلومات، وتجبرها على اتخاذ الإجراءات التقنية وحتى السياسية التي تمكن المواطن من ممارسة حقه في الإعلام.
التوجه الثاني: يتعلق بإصدار القوانين الخاصة بالإعلام ولها عدة أشكال:
– القوانين المتعلقة بالنشر: تخص كل الوسائل التي يتوفر عليها الفضاء العمومي لنشر المعلومات.
– قوانين المطبوعات: تخص كل ما يطبع.
– قوانين النشر الإلكتروني: وتخص نشر المعلومات عبر الدعائم الإلكترونية.
– القوانين المنظمة للمؤسسة: مثل القانون التجاري، قانون السمعي البصري، قانون الإشهار، قانون سبر الآراء…وغيرها.
التوجه الثالث: ويختص بالتنظيم المهني الذاتي، والمقصود به: مجموع النصوص والمواد الأخلاقية والشرفية المهنية التي تنظم تداول المعلومة في الفضاء العمومي، وفي هذا السياق توجد ثلاث أنواع من الدول:
– هناك دول – وغالبها أنجلوسكسوني- تكتفي بالقواعد الأخلاقية التي تصدر عن منظمات مهنية، وفيما يتعلق بالجوانب التقنية والتجارية تكتفي بالقانون العام، مثل القانون التجاري الذي يفرض على المؤسسات الإعلامية احترام دفتر الشروط، من خلال مراعاة التزاماته اتجاه الدولة واتجاه الجمهور، وهذا باحترام القيم السائدة في مجتمع ما.
– توجد دول تصدر الأخلاقيات المهنية في شكل ملزم وتسلط عقوبات على من لا يحترمها (مثل الحبس والطرد وغلق المؤسسة).
– توجد دول تخلط بين التوجهين، حيث تنص قوانينها على الأخلاقيات لكن تصدرها المنظمات المهنية، أي أن قوانين الدولة تدعم مواثيق الشرف لتكون لها قوة أكبر، وهذا هو الشأن في عدد من الدول العربية ومن بينها السودان منذ العام 1991م.
التجربة السودانية في الدمج بين قوانين الصحافة وأخلاقيات المهنة الصحفية:
يشير الدكتور عثمان أبوزيد (2019م)، إلى أن مواثيق الشرف الإعلامي لاتجد الأحترام ولا تجد الإهتمام في العالم العربي مثل القانون الذي يفتح دوما أمام المحاكم، ولهذا فهم في السودان في قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لعام 1996م، اضافوا لوح الشرف الصحفي وادخلوه في قانون الصحافة للعام 1996م، وبموجب ادخال ميثاق الشرف الصحفي إلى قانون الصحافة في السودان، نجد أن الميثاق أخذ قوة القانون، وإذا كانت هناك بعض الحيثيات للحكم على شخص، مرتكب لجريمة نشر صحفي فكان يشار الى ميثاق أو لوح الشرف الصحفي، ولكن فيما بعد في قوانين الصحافة اللاحقة بعد قانون 1996م، أبعد هذا التلازم الذي حصل بين القانون وميثاق الشرف الصحفي، وأيضا حينما انشأ مجلس الصحافة والمطبوعات الصحفية في السودان لجنة الشكاوي في المجلس القومي للصحافة السوداني، صارت لائحة لجنة الشكاوي تعتمد في الأساس على لائحة ميثاق الشرف الصحفي، وهي لجنة للتحاكم بعيداً عن القانون، ومن ثم كان يحصل نوع من التصالح والمساومة قبل أن تذهب قضية النشر الضار إلى المحكمة، التي تكون فيها قضايا القانون مطولة وفيها تبعات وأتعاب محاميين وخلافه، ولهذا اكتسب ميثاق الشرف الصحفي في السودان قدر من القوة وقدر من المقبولية، لأن الميثاق ارتبط بلجنة الشكاوي بمجلس الصحافة السوداني.
التجربة العربية في الدمج بين قوانين الصحافة وأخلاقيات المهنة الصحفية:
يرى كثيرون (قيراط: 2019م، أبوزيد: 2019م، صدقه: 2008م) أن واقع أخلاقيات الممارسة الإعلامية في الوطن العربي يشير إلى غياب الكثير من مستلزمات الممارسة المسؤولة والنزيهة والملتزمة، حيث يلاحظ غياب مواثيق الشرف في الكثير من المؤسسات الإعلامية وكذلك غياب الجمعيات والنقابات والاتحادات الإعلامية وإن وجدت فتكون شكلية فارغة من محتواها الحقيقي، بالإضافة إلى الضغوط المختلفة على المؤسسة الإعلامية وعلى الصحافي نفسه وكذلك غياب حرية الصحافة في الكثير من الأحيان وضعف القوانين والتشريعات الإعلامية سواء ما يتعلق بالنص أو ما يتعلق بالتطبيق والممارسة ، وهذه كلها عوامل تؤثر سلبا على البعد الأخلاقي في معادلة الممارسة الإعلامية. الخاسر في كل هذا هو كلمة الحق، هو الرأي العام المستنير، هو السوق الحرة للأفكار، بدون حرية رأي وحرية تعبير وحرية صحافة لا وجود للقرار الرشيد ولا للإبداع والابتكار ولا للحوار والنقاش والرأي والرأي الآخر.

هل يمكن فرض الاخلاق بالقانون؟
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل يمكن فرض الأخلاق بالقانون؟ ويجيب على هذا التساؤل الدكتور القانوني سعد أبو القاسم سعد (2019م) بالقول إنه لابد أن نفرق أولاً بين النظام القانوني والنظام الأخلاقي فمن حيث المبدأ ومن منطق القانون نعم يمكن فرض الأخلاق بالقانون كآلية بحسب منطق القانون، أي قيمة أخلاقية يمكن فرضها بالقانون ما دام اتبعت الآليات الواجب اتباعها بقصد اصدار هذا القانون وفقاً للنظام القانوني المتبع والموجود سواء كان نظاما ديكتاتورياً أو نظام ديمقراطي. ومن طبائع السنة القانونية هي أن تفرض الأخلاق بالقانون ودور القانون هو فرض القيم الأخلاقية وحمايتها. أما من حيث النظام الأخلاقي فلا يمكن فرض الأخلاق بالقانون، فليست كل قيمة أخلاقية قابلة أن تفرض بالقانون، فداخل النظام الأخلاقي هناك قيم قابلة للفرض بموجب القانون أو أن تحمى بالقانون وهناك قيم لا يمكن أن تفرض بموجب القانون بمنطق الأخلاق نفسها. فمثلا اماطة الأذى عن الطريق، فالإسلام نفسه يندب للمسلم ذلك وهو أمر يترك للمرء، ولكن إذا لم يفعل ذلك فلا يحاسبه القانون، فلا يمكن في هذه الحالة فرض قانون يجرم كل من لم يميط الأذى عن الطريق، وكذلك بالنسبة للكف عن النميمة أو القطيعة أو الحسد، ولكن هناك قيم أخلاقية عليا يمكن فرضها بالقانون مثل حرمة الدم وحرمة المال، فيرى النظام الأخلاقي أنها قابلة للفرض. وإذا كانت القيم الأخلاقية قابلة للفرض بالقانون او حمايتها بالقانون فيجوز فرضها بالقانون، أما إذا كانت مما لا يجوز فرضها بالقانون فلا يجوز فرضها بالقانون.
ويؤكد الأستاذ أحمد كمال الدين المحامي والصحفي (2019م)، أن (الأخلاق) تعبير فطري عن القانون الطبيعي الحاكم للإنسان بغض النظر عن وجود قانون وضعي قائم، ويجد الإنسان السوي نفسه ملتزماً بقواعد الأخلاق من قبيل الفطرة السليمة، ولا يزيد القانون ذلك إلا تأكيداً. بيد أن الإنسان قد يفسد عبر الزمن، فيلزمه قانون ليسند ضميره ضد المرض الأخلاقي، وعندها يلزم العقاب ويلزم الردع. وهذا العموم عن الأخلاق ينطبق على أخلاقيات مهنة القانون، وليس ثمة إختلاف إلا اختلاف التخصص المهني، لكنها في نهاية المطاف قواعد أخلاقية تخاطب الضمير الإنساني. أما عن إمكان فرض هذه الأخلاقيات بالقانون فالإجابة بالإيجاب، ذلك لأن القانون يستخدم لفرض قواعد لا علاقة لها مباشرة بالأخلاق، مثل جريمة السير في الجانب الخطأ من الطريق، فهذه جريمة تنظيمية توافق عليها المجتمع لتحسين مستوى حياته، ولم تنشأ من أي رفض أخلاقي للسير إلى جانب بعينه من جوانب الطريق، وهكذا الحال بالنسبة لسائر القواعد القانونية التنظيمية التي ليس لها أصل في الأخلاق، وهي عديدة. فإذا كان ممكنا فرض هذه القواعد من خلال التشريع القانوني، فمن باب أولى إمكان تعزيز القواعد الأخلاقية، ومنها أخلاقيات المهنة القانونية، من خلال التشريع القانوني.
التجربة العالمية في الدمج بين القوانين والأخلاقيات:
كونت لجنة عام 1957م لبحث جرائم الشذوذ الجنسي والدعارة برئاسة سيرجون ولفنيدن واصدرت تلك اللجنة تقريراً في المسألة قالت فيه: إن وظيفة القانون الجنائي حماية النظام والآداب العامة وحماية المواطن من العدوان والأذى وحمايته من الاستعمار وإفساد الآخرين له، خاصة الأشخاص الذين لديهم قابلية للتأثر وذلك لصغر سنهم أو لضعفهم جسدياً أو عقلياً أو لقلة خبرتهم. وقالت: ينبغي أن تكون هناك مسافة من الأخلاق الخاصة لاتدخل في اختصاص القانون. واعتبرت اللجنة أن ممارسة الشذوذ الجنسي مسألة شخصية لايجوز أن يدخل القانون فيمنع هذه الممارسة. ولقد اعتمدت هذه اللجنة على فلسفة مل وموقفه من الحريات، فقد عار مل استخدام المجتمع القوة ضد أي فعل يقوم به الفرد بحجة أنه بفعله هذا يلحق الضرر بنفسه، وأعتبر ذلك تعدياً على سيادته وقراره وحريته. وقال ان الحالة الوحيدة التي يجوز أن تستخدم فيها القوة ضد ما يقوم به الفرد هي تلك الافعال التي تلحق الضرر بالآخرين
ورغم ذلك فيرى آخرون من امثال ولورد ويلفن أن القانون ينبغي أن يتدخل لفرض بعض أخلاقيات المجتمع، خاصة تلك التي إذا كان تجاوزها يهدد وجود المجتمع، وأعتبر أن من مهام القانون قمع الرذيلة مثلها مثل أي نشاط هدام، وقال إن شرعية تدخل القانون في الأخلاق الشخصية يعتمد على الاحساس الذي يؤدي إلى مشاعر السخط والاشمئزاز عند عامة الناس.

القانون والأخلاق في الإسلام:
في الإسلام للدولة في الإلزام بالقيم والأخلاق في أكثر من جانب من جوانب الحياة دور مهم إذ الناس ليسوا ملائكة، وقد يخالف بعضهم شريعة الله تعالى في جانبها القيمي والأخلاقي في مجال الطب أو الهندسة أو الاقتصاد، فلابد أن يكون للدولة دور في تصحيح المسار، كون مهمتها تنحصر في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وبالاضافة إلى ذلك فإن الدولة تحول افكار الإسلام إلى واقع وتجسده على أرض الواقع، فترى المسلم الملتزم بالأخلاق في تعامله بيعاً وهندسة وطباً، كما أن للدولة أن تنشأ من المؤسسات والأجهزة ما يقوم بمهمة الحراسة والتنمية والتطوير، كما أن لهذه المؤسسات أن تعاقب من تعدى وخالف، أو أهمل إهمالاً مخلاً. ولقد كان نظام الحسبة الذي عرفته العصور الإسلامية الأولى ووضعت إطاره العام وخصصت له الموظفين، وقسمت عليهم العمل في هذا الاطار، من انجح الوسائل التي تحرس الدين وتحافظ على تجسيده على ارض الواقع. وهناك من يرى أن مهمة الدولة ان تعمل على إقامة الفرائض والواجبات، وأن تمنع وقوع المحرمات وبخاصة الكبائر كالربا والسرقة وشرب الخمر والزنا ونحوها من المحظورات.
ويؤكد الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه القيم (دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي)، أن تدخل الدولة الإسلامية في الفعاليات والانشطة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وسائر ما يجوز التدخل فيه، يهدف الي تحقيق مصلحة الأمة من ناحية، وتحقيق المقاصد التي جاء الشرع من أجلها، ومنها القيم والأخلاق.

خاتمة:
ونختم بقول الرّائعُ علي عزّت بيغوفيتش في تحفته الفكريّة “الإسلام بين الشّرق والغرب” : إنّ كثرةَ القوانين في مجتمع ما وتشعّبها، علامة مؤكدة على وجود شيءٍ فاسدٍ في هذا المجتمع، وفي هذا دعوة إلى التّوقف عن إصدار مزيدٍ من القوانين والبدء في تعليم النّاس وتربيتهم!
بيغوفيتش ليس ضدّ أن يكون في المجتمع قوانين تُنظّم علاقة الفرد بالدّولة، وعلاقة الأفراد ببعضهم، أصلاً يستحيل قيام مجتمع إنسانيّ دون هذا، ولستُ بحاجةٍ لأقتبسَ كلام ابن خلدون حول ضرورة القانون للمجتمعات الإنسانيّة، فهذا من البديهيّات التي لا ينتطحُ فيها عنزان، ولكن الرّجل يُنادي بتربية أخلاقيّة تجعلنا لا نرتكبُ الخطأ لأنّه ضدّ القانون، ولكن لأنه ضدّ الأخلاق!
فجوهر وجود الاجتماع الإنساني يكمن في منظومة الأخلاق التي تنظم علاقات الأفراد والجماعات، فبدون الأخلاق لن يكون هناك اجتماع بين البشر، ومن ثم ليس هناك مجتمع، لأن الأخلاق هي التي تردع الإنسان عن التجاوز والاعتداء على أخيه الإنسان، وهي التي تحول دون اندفاع أنانية الإنسان وطمعه وجبروته، وتجعل الإنسان قابلاً للتنازل عن بعض ما يريده حفاظاً على صورته ومكانته واحترام المجتمع له، لأن فكرة المكانة الاجتماعية في حد ذاتها هي نتيجة لوجود الأخلاق.
ونستطيع القول إن الأخلاق هى البناء، وأن القانون هو الحارث على هذا البناء، فالمجتمعات تُبنى بالأخلاق، والقانون يأتي لحماية هذا البناء والحفاظ عليه، لذلك كان حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم،إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق، ولذلك كان جوهر الأديان منظومة أخلاق، وكان جوهر مفهوم الحرام الديني هو مخالفة الأخلاق، ولذلك كانت الأخلاق غاية كل فعل ديني، وغاية كل عبادة، وغاية كل تقرب إلى الخالق، وبدون تحقيق هذه الغاية لا قيمة للطقوس أو الشعائر الدينية ولا وزن لها في ميزان الدين ذاته.

safeelawad@hotmail.com
//////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً