نيران إجتماعية تحت رماد السودان .. بقلم: د. حمد عبد الهادي
10 أكتوبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
121 زيارة
تتقاذف السودان المحن و الإحن السياسية و الإقتصادية منها التي استفحلت وأصبحت عصية على الحل تنتظر معجزة إلآهية تنتشل الوطن من شفا حفرة الإنهيار. يحدث هذا بينما تتشكل تحت فوهة البركان حِمْمٌ إجتماعية لن تلبث أن تنفجر في مقبل الأيام . بما أن الظواهر الإجتماعية بطيئة التكوين و التخلق ، ولا تساهم بصورة مباشرة في تشكيل الواقع : كثيراً ما تولد يتيمة ، تشكو إعاقة الخرس و تعيش مرارة النسيان و الإهمال الدائمين . الإهتمام بالمجتمع وحركته البطيئة ، ديدن المهتمين و منارة الحكّام المستنيرين ، فالمجتمع يسبق الحكم و الدولة كما بيّنت المقدمة قبل ما يربو من ستة قرون.
الشباب و مشكلة العطالة :
يساهم الشباب بقصب السبق في بناء الأمم ، فهم الطاقة الدافعة ، و المحرك الأساسي لطاقة البناء و التعمير وقلب المستقبل الواعد . بناء جيل الشباب بالقيم و الأخلاق الحميدة ، التعليم المؤسس ، الصقل و التدريب هو استثمار لمستقبل كل الشعوب.
أدت السياسات الإرتجالية في البلاد للتوسع غير المدروس في التعليم العام دون الحرفي والعالي دون التقني دون التنبوء بمستقبل فرص العمل و التوظيف ، فأنتجت العملية مئات الآلاف من الشباب الذين يقذف بهم لإتون العمل الحارقة كل عام .
يضاف إلى ذلك أعداد مهولة من ساقطي السلم التعليمي ومن لم تشملهم رحمة التعليم . عندما يواجه هولاء الشباب جحيم سوق العمل ، يتكشّف لهم زيف النظرية و شوك التطبيق ، فهم قد حلموا أن تتفتح لهم أبواب رحمة العمل والتوظيف فأفاقوا علي كابوس الأبواب المغلقة والتسويف و لم تجدِ الشهادات العليا للبعض منهم من حرق بخور التوظيف. شكى معظمهم ألم التمييز بالواسطة والتمكين . تشكلت عبر السنوات الماضية أعداد مهولة من الشباب ممن يعانون من مشكلة العطالة أو ممن يمتهنون أعمالاً هامشية وظرفية حتى يتسنّ لهم ما يناسب مؤهلاتهم ، لكن انتظارهم طال كبرق خلّب وعد فأخلف .
يضاف إلى ذلك ظلُ الجفافِ الفكري والثقافي الذي يخيم على البلاد ، فلم تجد جيوش العطالة متنفساً ، فهم في أوج فوران نشاطهم الجسماني والعقلي، فلا تجد إهتمام بالرياضة كما في الماضي ، ودور المسرح والسينما تنعق فيها البوم . لم تعد الثقافةُ طيبٌ و مِسك ، وأصبح الفكر ترفٌ و حسك. ومما زاد الطين بِلة : تغلل وسائل الإتصال في المجتمع ، فبدل أن يستفاد من مناقبها ، أنكفأ معظمهم على مثالبها : فأنتهكت الخصوصية ، وفتحت طرق الاتصال الرقمي دون رقيب أو حسيب ، فأتاحت الفرصة للكثيرين منهم تقليب صفحات خاصة و سرية تفضح في العلن ، وكانت النتيجة إدمان الكثيرين إضاعة الوقت و تصريف ما لا يصرف ، وبدل أن يستهدى بنور العلم الذي يضئ الأسافير ، استفحل ظلام جهول تعقبه أعاصير ، فأصبحت الإرادة مؤودة ، وأضحت المسئولية مفقودة ، كثر الكلام و قُبر الإهتمام فانتشر سوء النظام .
شكلت هذه الحالة المأساوية كابوساً واقعاً لا دواء له سوى الهروب : القهاوي والمطاعم يلتُّ فيها ويعجن ، الإهتمام بساقط الفعل و القول المؤدي إلى الخِواء الفكري و الثقافي ، الألعاب الإلكترونية تسليةً و مضيعةً للوقت ، مشاهدة الرياضة والسباحة في عالمها دون ممارستها ، عالم التجميل والعناية بالبِشرة ، العلاقات العاطفية و الإسفيرية التي لا تسمن روحاً ولا تُسْفرُ إستقراراً أُسرياً. لم يجدِ الهروب من هذا الواقع المحزن في كثير من الأحوال سوى الهروب إلى قطبي الرحى :
الانحلال الأخلاقي والمخدرات حتى الضياع أو الإنكفاء على غلو الدين حتى النخاع وهى أزمات إجتماعية تنهش في جسد الوطن الجريح. للأسف لا يوجد حل رشيد يصل إلى منابع المشكلة و يقدم حلولاً تقود إلى بر الأمان . لكل هذه الأسباب ، لا يرى معظم الشباب نوراً من خلال نفق السودان المظلم ، فظلمات بحر العطالة و الضياع خلفهم وفرص المستقبل التي يحلمون بها تقبع في إغترابهم : لا حل لمشاكلهم سوى الهجرة ، هم لا يعلمون إنهم إنما يستجيرون من الرمضاء بالنارِ على المدى الطويل.
الهجرة والإغتراب :
ما من مشكلة اجتماعية معقدة تواجه سودان الغد مثل مشكلة الهجرة و الاغتراب . لا توجد إحصائيات دقيقة حول أعدادهم لكنها تقدر بين خمسة إلي ستة ملايين من جملة سكان البلاد، الغالب الأعم ممن يكتوون بنارها خارج رادار الدولة ويشكلون أزمة وقتية عند إجازاتهم السنوية تقلق مضجع المسؤولين ، تستفيد الدولة من إسهاماتهم وتقدم لهم الفتات في المقابل ، يشكّلون أكبر نظام كفالة اجتماعي في البلاد يغني الدولة مشقة درء الفقر و العوز . رغم كل ذلك نجد البحث المؤسس من الدولة والمؤسسات الأكاديمية نحو مآلاتهم يكاد أن يكون معدوماً مما يفتح الباب على مصراعيه لأزمات مستقبلية بدأت ارهاصاتها في التعبير عن نفسها بشتى الطرق.
فُتحت أبواب الهجرة والإغتراب في مجال ضيق في الستينيات من القرن الماضى لتأهيل المهنيين في الغرب ، ثم إتجهت شرقاً بصورة محدودة صوب دول الخليج العربي في السبعينيات مع هبوب التغيرات السياسية ، أعقبها انفتاح متوسع في الثمانينات سببه الانهيار المحلي واطِّراد الازدهارالاقتصادي في دول الخليج العربي . كانت أحلام المغتربين والمهاجريين في ذاك الزمان محدودة : مردود مادي ، استقرار أسري ، غابات الأسمنت الآلي ، استثمار مستقبلي لثبات مالي .
شهدت التسعينيات أكبر هجرة عن البلاد سببها التغيير السياسي و تتابع الانهيار الاقتصادي . إتجهت جموع المهاجرين شرقاً وغرباً و شهد الغرب أكبر طلبات اللجؤ السياسي -الاقتصادي المحتوى- من السودان بصورة غير مسبوقة لأول مرة في تاريخه . رغم الاستقرار النسبي المحدود الذي أعقب وقف الحرب و استتباب السلام في مطلع الألفية أغرى الكثيرين بالعودة في محاولة للاندماج في المجتمع من جديد ، إلا أن التردي الاقتصادي بعد الانفصال فتح الباب على مصراعيه من جديد للهجرة المتواصلة . تغيرت النظرة المستقبلية لمعظم المغتربيين والمهاجريين ، ففي ظلِ التردي الاقتصادي و التنموي الذي تشهده البلاد و غياب الاستقرار السياسي ، و محاولة توفير فرص مستقبلية أفضل للأبناء ، وصل معظمهم إلي تقييم سليم للأحداث : أن اغترابهم الظرفي سيطول و أن أشرعة هجرتهم ستظلُّ مشرعة حتى يقضي الله أمراٌ كان مفعولا .
ولّد هذا الواقع مشاكل شديدة التعقيد : فالكثير من المغتربين و المهاجرين طالت هجرتهم فأصبحت تعد بالعقود لا بالسنين ، أتوا شباباً فكسى الشيب رؤوسهم ، أصابهم المرض في دول لا تعرف سوى مساهمة الأصحاء ، قلّ مردودهم المادي وارتفعت تكلفة المعيشة ، كبرت الأسرة و احتاج الأبناء للتعليم المستمر . التعليم الجامعي للأبناء في الخارج أفضل منه في الداخل في ظلِّ تدهور ومعاناة مؤسسات التعليم العالي في الداخل ، أدى ذلك إلى أن يتشتت الأبناء في أصقاع الأرض فينشغل العقل بأمنهم و أمانهم قبل أكلهم و شربهم . عندما يتم الأبناء تعليمهم ينشغل ذوي أمورهم مرة أخري بايجاد فرص التوظيف بعيداً عن الوطن ، الزواج و الإستقرار ممن يستودعونهم فلذات أكبادهم . إذا مر كل ذلك بسلام يتجه التفكير والمعاناة ذاتياً نحو خواتيم الأيام ، كيف تندمل جراحات الزمن و أثر الأيام ؟ الطريق الآمن إلى موفور الصحة و العافية التي تتوفر في الخارج وتكاد تكون معدومة في الداخل.
يضاف لكل هذه المشاكل نشوء الأبناء في ظِلِّ حياة الاغتراب مما ينخر في عظم الهوية و يهدد مفهوم الوطن . يعاني المهاجرون في الغرب من هذه المشكلة بصورة جوهرية أكثر منهم في الشرق ، فالمجتمع الغربي المنفتح يساعد على اندماج المهاجريين في المجتمع متي تمكنوا من شروط الإقامة و نواصي اللغة ، يتمتعوا بكل الحقوق كما المواطنيين، و تتفتح لهم أبواب النجاح و الفرص حسب جهدهم .
يضاف إلى ذلك تأثير المجتمع ووسائل الإتصال السلبي علي العقول التي تهدم قواعد المبادئ التي تربى عليها الآباء و الأمهات . تحاول الأسر قدر جهدها أن تحمي الصرح بسياج أخلاقي ومبادئ لا يستسيغها الأبناء بسهولة ، يطبقون مبادئ تؤثر مباشرة على حياتهم يصعب عليهم فهم أصولها و مكنونها ، ويحاولون الإنتماء إلى وطن لا يفهمون مقدار إرتباطهم به في مستقبل الأيام .
خلقت هذه البلبلة إزدواجية في شخصية أبناء المهاجرين في الغرب تتنامى مع الأيام . يصعب التكهن بمآلآت هذه المشكلة الإجتماعية التي حتما ستؤثرعلى الأحداث في مستقبل الأيام بأثآر إيجابية أو سلبية . رغم أن هذه المشكلة قد بدأت في التشكل لسنوات مضت ، لم يتم الإنتباه لها حتى وقع فأس التطرف الديني للبعض منهم في الآونة الآخيرة .
العنف الجسدي و اللفظي :
كان المجتمع السوداني يتسم دوماً بدرجة عالية من التسامح والتسامي فوق الخلافات وحلها بطرق سلمية ، لكن شهدت السنوات الماضية ارتفاعاً مطرداً في وتيرة العنف اللفظي والجسدي . بدأت هذه الظاهرة كأحداث معزولة ما لبثت أن صارت تتكرر حتى أصبحت واقعاً لا يثير الإهتمام في ظل الضغوط الإقتصادية ومعاناة الحياة اليومية. أصبح الخلاف حول أمور الحياة اليومية من بيع وشراء ، إرتياد المواصلات العامة و الأعمال اليدوية كثيراً ما يؤدي إلي عنف لفظي يعقبه تعدٍ جسدي بل إزهاق للأرواح في كثير من الأحوال. المقلق أن منشأ الإختلاف دائماً ما يكون فارغ المحتوى ليس جديراً أن يقود إلى ما آل إليه ، في كثير من الأحيان ينتهي إلى أضرار جسدية تنتهي بمرتكبها إلى الاصطدام بمركب القانون .
للأسف الشديد انتشرت هذه الأزمة الإجتماعية بين البسطاء من الناس ممن لا يقعون تحت أولويات الحكام فاستحكمت حلقاتها . لابد أن من أسباب تفشي هذه الأزمة هو ارتفاع صوت مبدأ القوة في البلاد ، فأصبح أخذ الحق بقوة اليد يفوق قوة اللسان والقانون ، وأصبح التباهي بالقوة ديدن الكثيرين بمن فيهم الحكام ، يضاف إلي ذلك تضاءل ثقافة تقبل الرأي الآخر مما يؤدي إلى الجوء للقوة اللفظية و العنف الجسدي دون صوت الحكمة والرأى السديد .
كل تلك الأزمات وغيرها تحتاج إلى إهتمام المسؤليين ، ترفيعها كقضايا رأى عام، عرضها في سوق الإعلام ، مناقشتها عبر المختصين ، دراستها عبر الباحثين ثم وضع مناهج علمية لحلها . لا يجدي اللتُّ و العجن في مناقشة هذه الأزمات فأيّ منها كفيل بأن ينهش في جسد مستقبل الوطن فيستفحل بدرجة يصعب معها الحل.
hamadhadi@gmail.com