نيرتتي .. والعلم .. بقلم: شاهيناز عثمان
2 يناير, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
24 زيارة
أعلام السودان بأحجام مختلفة يحملها الباعة ..تقدم باتجاهي من يحمل أكبرها حجما محاولا عرض بضاعتة لم أنبس بكلمة نظرت إلى عيني الرجل مباشرة كانت مثل معظم عيون السودانيين هذه الأيام تحاول جاهدة مغالبة الأسى ..وجهه كان كالحاً وعلامات البؤس محفورة عليه بوضوح..حاول جاهدا أن يقول كلمات مقنعة ترويجاً لبضاعته ربما كان الكلام في ظاهره مقنعاً ..ولكن دائماً ..مهماكانت ملكتك كبيرة في الإقناع ..النجاح لن يكن حليفك إن لم تمتلك الإحساس الحقيقي بجدوى الأشياء..بجدوى ما تفعل..وحتى ان انطلت محاولاتك على الآخرين فهي لن تنطلي علىّ لأن الحكاية عندي أكبر من مجرد شراء علم من بائع متجول..الحكاية عندي كيف يمكن شراء علم والاحتفال.. من بائع متجول يزاحمه متسول يمد لك من ذات النافذة روشتة دواء ..وطفل آخر يستجديك بضع جنيهات ليسد رمقه..وربما سيدة تحمل طفلاً..تغالب دموعها ودموعه.. كيف يمكنك شراء علم والاحتفال والعلم يضج بملايين الوجوه الكالحة للسودانين..تكاد تقتلهم المسغبة والفقر في صمتهم وتعففهم.. من يمتلك مصدراً متواضعاً للرزق..من يمتلك راتباً تحولت الجنيهات في جيبه لمجرد كومة من الأوراق..كومة كبيرة لا تساوي شيئاً ذا قيمة على الاطلاق..لاتسد حتى رمقه ليومين او ثلاث..كيف يمكن الاحتفال ..والمرض لم يعد ابتلاءً..بقدر ما صار الابتلاء هو ذاهبك إلى اختصاصي..ودخولك كمواطن ..امتحان تسديد فاتورة مستشفى..أو حتى صيدلية ببداية الحي الذي تسكن..كيف يمكن الاحتفال.. والمعتقلات تئن بمئات المعتقلين ..وحده المولى يعلم معاناتهم ..وحدها الجدران المطبقة على صمتهم تدون الآلمهم وجراحات الروح..والجسد وملاحم.. الصمود يوماً..بعد ..آخر.. العلم ممتلئ بوجوه ملايين السودانيين الذين لم ولن تصلهم قطرة ماء واحدة..ويسيرون اميالاً للحصول عليها..كهرباء?هذه حكاية أخرى بعيدة جداً عن تصورات وحتى احتمالات هؤلاء البسطاء.. العلم المحاصر بالفقر..بالامية.. بالعوز بالبطالة..بشباب وشابات في عمر الورد يقعون في فخ الفراغ والإحباط والإدمان والضياع….أما وجوه الأرامل والثكالي في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان فهي تحاصر العلم رمز السيادة الوطنية….رمز الكرامة والعزةمن كل جانب..العلم الذي أصبح عند عودتي مساءً..غطاءً لعشرات الضحايا..أمسى مضرجاً بالدم..دم سوداني آخر.أُخذ حين غرة..حين توهمنا أن الدراكولا من المحتمل أن يهادن يوما..أن يبيض وجهه أمامنا وأمام العالم باحتفال ولو كاذب..دم سوداني آخر يدفع ضريبة الانتماء لهذا الوطن بسخاء. في يوم الاحتفاءبالاستقلال المجيد..ولكن هذه المرة..في بقعة عزيزة أخرى.. في نيرتتي..لتحاصرني غصة السؤال ..أين مكاسب الاستقلال..أين كرامة الإنسان السوداني..أين هي معالم الاستقلال في حياتنا اليوم..هل نحن مستقلين فعلا?!