نُبُوءَةُ الرَّحيلْ .. بقلم: إبراهيم جعفر

قد يتساقطُ الكبرياءُ الذي هو “في شموخِهِ أعلى حتَّى على الزّمن” في أيّةِ لحظةٍ وأنتَ تُجاهدَ كي لا تنفجرَ بُكاءَ.. و”الشَّيءُ اللَّعينُ”، الشيءُ العقلانيُّ الباردُ يموتُ ويحيا الوهج، لكنّه وهجٌ يحمل معه دنيا ألمه الخاصّةْ.

توقيعات موسيقية تنبعث من المذياع وحديثٌ عن “أبي ماضي”. حنينٌ يتدفّقُ في نفسكَ لشعراءِ الرومانسية “لأبي ماضي، جبران، التيجاني…..” وماذا عن “جمّاع”؟ تأتيك القشعريرةُ والإرتجافُ على ذِكرِ الاسمِ “جمّاع”. تُرى لماذا تتذكّرُ، في انفعالٍ جامحٍ، مصيرَ جمّاعٍ هذ؟ تقولُ لنفسك، بعد عمقِ تفكيرٍ وفي غموض:- أنا هو جمّاع. سيكون مصيري كمصيره… لماذا يتملككُ هذا الشعور بأنّ نهايتكَ لن تكونَ سوى عينين ذاهلتين تحملقانَ في كلّ شيءٍ بلا وعيٍ ومتاعٍ قليلٍ يستقرّ في حزمةٍ صغيرةٍ على كتفك اليمنى و”ما لكَ من الدنيا أخيراً إلا هذا المَتاع القليل” وحذاء متمزّقٌ تشدّهُ سيورٌ جلديّةٌ عتيقةٌ وهتافٌ يردد أبياتَ شعرٍ مجنونةً عن الحريّةِ والفعلِ، عن الصحوةِ والصّفوِ، عن ريحٍ بدائيّةٍ يسكنها الروح الشريّر، وعن سيوفٍ ورماحٍ تخترقث الوجهَ الواعدَ للعالمِ، للأشياءِ، عن فوضى من أشياءٍ تختلطُ بلا ضابط:- حزمةُ قشٍّ، حذاء، بقايا عفنٍ كريهِ الرائحة.. فوضى.. فوضى لا نهايةَ لها.. فوضى.. فوضىْ….

أغنيةٌ أخرى وصوتُ مِروحةِ السقف الهادئ يهتفُ بك:- إنّك راحل، إنّكَ راحل. تسري كلمةُ “الرّحيلِ” في أعماقكَ سُمّاً يتفشّى فيكَ عذاباً عذبا، جنوناً عذبا.

“دائماً يبدأ الأمرُ هكذا:- جموحٌ عاصفٌ من عواطفٍ تلتهبُ وتبتلعُ أعماقكَ في كونها الهائل، الغامض والجّميل، تنتهي العاصفة، ينتهي عهد التوهّج، عهد التماعِ كلّ شيءٍ بالمعاني، يبدأ عهدٌ تبردُ فيه الأطرافُ، تنسجنُ في أعماقِ نهرٍ متجمّد، البردُ، البردُ يفترس الاعضاء ولا حمّى هناك، لا حُمّى هناكْ… ثم ينتهي بك الأمرُ أخيراً إلى عينين ذاهلتين، ولا شيءَ سوى عينين ذاهلتين تُحدّقانَ في كلِّ شيءٍ بلا وعيٍ وأبياتِ شعرٍ مجنونةْ… شعورٌ في ذاتِكَ بالفوضى… تشعرُ بالفوضى إلهةً خرافيّةً انبعثت في العالم لتُحكم قبضتها الشّرِسَةَ عليكَ، على الكونِ، على الأشياءْ.. فوضى.. فوضى لا نهايةَ لها… فوضى.. فوضىْ..”..

هكذا تُحدّثُ نفسكَ وصوتُ مروحةِ السقفِ يهتفُ بكَ مرّةً، ومرّةً، ومرّةً، كصياحِ الدّيكِ ثلاثاً:- إنّكَ راحل، إنّكَ راحلْ. وتتذكّرُ الذّهولَ والرّحيلَ فترتجفُ وتأتيكَ القشعريرةُ الغامضةُ وتتذكّرُ جمّاع.. جمّاع الشّعر، السّحر، الأسطورة.. فإنّكَ راحل.. إنّكَ راحل.

مساء 19 سبتمبر 1979م.
إبراهيم جعفر.

 

khalifa618@yahoo.co.uk

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً