هذا هو “التجاني الطيب”…وهذا هو “حزبه”!!!.

 


 

 



(2)
Siddiq01@sudaneseeconomist.com
كنتُ محظوظاً، حين زرتُ السودان في عام 2009م، إذ جلست مطوَّلاً إلى الراحل في مكتبه. في واقع الامر كنتُ في زيارة لجريدة الميدان، ألقيت عليه التحية في مكتبه وخرجت، ولكن قبل مغادرتي اخبرني الصديق "الحارث التوم" قائلاً، " عمك التجاني قال دايرك"، فذهبت إليه مرة أخرى فأخطرني بأنه يود الحديث إليَّ، واتفقت معه على صباح الغد. وبالفعل جئتُ إليه في مكتبه.
"التجاني الطيب" واحدٌ من قلائل "الناس الأغنياء" الذين تملأ إبتسامتهم الوضيئة المساحة التي تمتد بينهم وزائريهم، بل هو أغناهم جميعاً، وذلك للكثرة الكاثرة ممنْ تبسَّم في وجوههم.
أولم يكن التبسم في وجه الآخرين صدقة؟. ومنْ، يا ترى، يستطيع للصدقة سبيلا سوى "الأغنياء"؟.
جلستُ إليه، ولا اخفي أنني تلفَّتُ، وتأمَّلتُ في تفاصيل ذلك المكتب الفقير الذي يجلس فيه أغنى الناس خبرةً ومعارفاً وتاريخاً. ولا اخالني انسى تلك النافذة العتيقة التي تتسابق في الدخول منها الاسلاك مع ضوء الشمس!!!. والحقُ يُقال، لم احس بأي مفارقة، البتة. فهذا هو مقر الحزب الشيوعي السوداني، وهذا هو قائده العتيق، فلا إضافة لهذا المكان اجمل من ذلك.
أخرج قلمه وبسط امامه ورقةً نظيفة، مما شجعني ان اخرج مفكرتي ايضاً. كنتُ شديد الانتباه والتركيز. وهو يكتبُ، لاحظتُ رجفةً طفيفةً جداً على اطراف اصابعه، حينها تذكرتُ ما كتبه "بابلو نيرودا" في مذكراته الشهيرة "أعترف بأنني عشت" حين إلتقى بأحد اصدقائه الكُتَّاب بعد الحرب الاهلية في اسبانيا، والتي اشترك فيها ذلك الكاتب، فقال عنه "وقد اورثته الحرب رجفةً في يديه"، وقد كنت اقول لنفسي يا ترى كم من المعارك خاضها هذا الرجل خلال الستين عاماً ونيف، التي قضاها في "إتون" هذا الحزب، ولم يخرج منها إلا بتلك الرجفة الطفيفة العصية على الملاحظة؟!.
على اية حال، لا ادري كم من المعارك هي، ولكني أعرف حقيقةً واحدة، وهي، انه كان وفي جميعها ثابت القلب والقناعة فيما كان يعتقد انه الأصوب، ولو إختلف الآخرون معه!!!.
لم يخطر ببالي ابداً انه سيبدأ حديثه معي عن الراحل "الخاتم عدلان"، حيث قال لي، "تعرف نحنا إختلفنا مع المرحوم الخاتم عدلان حول الحزب، ولم نختلف معه حول أي مسائل شخصية"، وإلى ان قال لي،" هذا من جانب اما من الجانب الآخر فقد كانت لي ملاحظاتي حول اللغة القاسية التي كان يكتب بها "الخاتم عدلان" وكنت اتناقش معه حولها باستمرار". وعند هذه النقطة ذكرت له بانه هو الشخص الثاني الذي يبدي ملاحظاته حول لغة "الخاتم" من هذا الجانب، فلقد ابدى لي تلك الملاحظة من قبل الاستاذ "محمد الحسن محيسي" صديق "الخاتم"، والذي كان يشركه كثيراً فيما كان يكتب.
وبرغم كل شيئ، كنت أعرف خلفية هذا المدخل والذي قد يكون مرتبطاً بكتابتي حول الراحل "الخاتم عدلان"، وهي كتابةٌ ما زلت عند موقفي منها، إذ كانت قناعتي وما زالتْ، أنه كان لابد من إنصاف "الخاتم" وتثمين ما بذله في سبيل حزبنا حين كان قائداً ومسئولاً فيه. وفي هذا المنحى فعلت جريدة الميدان خيراً حينما نعته لشعب السودان كواحد من ابنائه البارين، وكذلك فعل حزبنا حينما احتفى به ضمن كوكبة شهدائه وفقدائه في مؤتمره الخامس. أي نعم، حدث كل ذلك بالرغم من خروج "الخاتم" المدوي من الحزب.
ولكن، إن لم يفعل الشيوعيون السودانيون ذلك، فمنْ كان سيفعل؟.
ابديت له تحفظاتي حول الثقافة المؤسسية السائدة في الحزب، وإلى ان وصلت القول بأن هناك من اعضاء الحزب منْ لا يضع خطاً فاصلاً بين ما يقول به "التجاني الطيب" كرأي شخصي، وبين ما هو رأىٌ للحزب. لم يتضجر او يضيق بما كنت اقول. هذا بالاضافة لإبداء تحفظاتي حول موقف الحزب من المحكمة الجنائية بالنسبة للرئيس عمر البشير، وعلاقة الحزب الشيوعي بحزب المؤتمر الشعبي، والذي على رأسه السيد حسن الترابي المسئول الاول، بالنسبة لي، عمَّا حلَّ بالسودان من خرابٍ ودمارٍ ودماء!!!. وكان رده بأن "الحزب الشيوعي حزب سياسي وتدار عملية القرارات فيه بشكل ديمقراطي، وليس بالضرورة ان تكون قرارات الحزب هي قناعات "التجاني الطيب". واضاف، "ولكن ارجو الا يتم خلط ذلك باشياء اخرى، مثلاً، "كمال عمر" من قيادات المؤتمر الشعبي يزورني في هذا المكتب ويتناول معي القهوة، فهذا لا علاقة له بموقف حزبنا السياسي والواضح، ولا يعني تنازله عن مطلبه والقاضي بان لابد لكل منْ تسبب فيما هو حادث ان يعتذر للشعب السوداني".
وقد يلاحظ المرء كيفية الترجل، بالنسبة له، من فوق صهوة الموقف السياسي نزولاً عند المقتضى الاجتماعي ودونما خلط بين "الكيمان" كما كان يشير. وتلك،على اية حال وفيما ارى، معادلة صعبة قد يكون فيها للآخرين آراء شتى ومختلفة!!!. 
كان يسجل نقاطه طيلة حديثه إليَّ. "التجاني الطيب" قائد حقيقي، مرتَّب ومنظَّم ولا يترفَّع على اعضاء حزبه ولو اختلفوا معه.
إنه من مآثر مؤسسي الحزب الشيوعي، والتي كان للراحل "التجاني الطيب" سهماً كبيراً في صياغتها وترسيخها، مقدرتهم على ما يمكن ان نسميه "الإدارة الايجابية للفقر". الحزب الشيوعي حزب فقير، بل هو افقر المؤسسات السياسية السودانية، وتاريخياً على الإطلاق، مالاً وممتلكاتٍ. وإنه ليحار المراقب كيف تسنى لهذا الحزب المعوز الصمود لعقود طويلة، بل والإزدهار كلما إنقشعت عن سماء الوطن سحابة القهر والظلام؟. ولولا خشية التجاوز لقال المرء، انه حزبٌ يتغذي بضوء الشمس!!!.
ولكنا، لو انعمنا النظر فيما قاله الناس في شأن مناقب الراحل "التجاني الطيب"، وعلى إختلاف مشاربهم الفكرية والسياسية، وما اتفقوا عليه من نظافة يده وعفته وزهده، لوجدنا اسباب بقاء هذا الحزب الفقير والذي صدحت بفقره جريدته نفسها، جريدة الميدان، وبفخارٍ لا يقاس حين إعتمرت بشعارها البهي "نحن أغنياء بشعبنا". إنه لفقرٍ "باذخٍ"، يُحسد عليه الحزب الشيوعي السوداني!!!. 
إن وجود الحزب الشيوعي السوداني كمؤسسة، من جهة الامكانيات المادية، مخالفٌ وبكل المقاييس، لناموس الوجود الحزبي في السودان ولشرط العمل السياسي فيه. وإنه لوجود هزم به الشيوعيون السودانيون "حراس الفضيلة" ، حراسها الطفيليين الذين إبتدعوا ثقافة "القرض الحسن" و"الظروف المقفولة" و"الإعتزاز بمعاقرة الفساد"!!!. هزموهم في "عِقر إدعاءاتهم"، وانتصروا لقيم الشعب الاصيلة  من "عفةٍ" و"مشايلةٍ" و"صدقٍ" في السعي لنشدان العدل!!!. وقد كان "التجاني الطيب" واحداً ممنْ أرسوا تقاليد وثقافة ذلك الوجود، وشكَّلوا روحه.
إن الحديث سيكون مجتزأ، بل وغير منصف إن لم تتم الإشارة للطاقة الفكرية الزاخرة التي تحلَّى بها الراحل، وابداها في بحر وجوده الحزبي الذي امتدت لما يقارب الخمسة والستين عاماً. تجلت مقدرته الفكرية في المعارك الضارية التي شهدتها سوح القضايا المتعلقة بوحدة الحزب. ولقد كان رائدها دون منازع وبإخلاص، وقد ترك فيها ادباً جماً. وإنه، لا يسع المرء سوى ان يغبط الراحل على جسارته في التصدي لتلك القضية على طول تاريخ الحزب، اي قضية الوحدة، بالرغم من الاختلاف المشروع معه حول "الطبيعة المتحولة" للشروط المطلوبة لاجل تحقيقها.
ولكن، قبل الختام لابد من تأكيد أن الراحل "التجاني الطيب" شكَّل وسيظل يشكِّل مدرسةً قائمة بذاتها، وستكون سيرته النضرة منبعاً ثراً للجميع، غير أنه إرتفع بمقاييس الإلتزام وبمواصفات العمل القيادي إلى علوٍ شاهق، مما سيجعل الامر محفوفاً بالمشقة الأكيدة لمحترفي السياسة والعمل العام، إن كان على مستوى حزبه او على مستوى الوطن إن هم ارادوا إقتفاء أثره او التشبه به لإصابة شيئٍ من الفلاح.
إنه لفقد جليل، تغمد المولى "عمنا التجاني الطيب" بموفور غفرانه، وألزمنا جميل الصبر.   

 

آراء