هل السودان بوابة إفريقيا ؟؟؟ .. بقلم: سليمان صديق على

بسم الله الرحمن الرحيم

تعودنا أن نطلق الشعارات ذات الصبغة الإستراتيجية في الهواء من أجل الإستهلاك السياسي كشعار القديم الذي يقول : ( السودان جسر الثقافة بين إفريقيا والشرق الأوسط ) وشعار : ( السودان سلة غذاء العالم ) الذي أطلقه المجتمع الدولي مكافأة للنميري بعد ضربه للحزب الشيوعي وتوقيعة اتفاقية اديس ابابا في مطلع سبعينات القرن الماضي ولم يحصد السودان منه إلا مصنع سكر كنانة العملاق ومشروع الرهد وبعض المشروعات الصغيرة وبدا بعده التدعور في مشروع الجزيرة العملاق واصبح السودان مجرد مقر لبعض منظمات التمويل العربي ولكننا بعد مرور أكثر من أربع عقود على رفع الشعار لم نملأ حتى سلة غذائنا الداخلية … وقد كان الشعار مبالغاً فية لأنة تجاهل دولا رائدة في مجال الزراعة وتستحوذ على أسواق المواد الغذائية موجودة في جنوب شرق آسيا وأوربا الشرقية وأمريكا الجنوبية وربما يكون الشعار أكثر واقعية لو حولناه إلى ( السودان سلة غذاء العالم العربي ) وقد نستطيع تحقيقه لو ركزنا وتجاوزنا العقبات التي منها : 

1. العراقيل المصرية منها فوبيا مياه النيل وبعضها تنافس على السوق العربي للمواد الغذائية وبعضها أوهام وادعاءات تاريخية تجعل مصر هي أكثر الدول تربصاً بتطور السودان في مجال الزراعة
2. ضعف البنية الأساسية للإستثمار
3. اعتماد العالم العربي في سد فجوة الغذاء على دول آسيوية كالصين وتايلاند ودول من أمريكا الجنوبية كالبرازيل والأرجنتين ودول أخرى في شرق أوربا وليس على التجارة البينية التي تحظى بأقل من 13% من هذه الفجوة ومعظمها يذهب لمصر

قبيل زيارة الرئيس التركي أردوغان للسودان رفع الإعلام السوداني شعاراً يقول ( السودان بوابة إفريقيا) ولكن رغم أهمية الشعار إلا أني أخشى أن يكون قد تم رفعه كسابقيه من أجل الإستهلاك السياسي لأني عندما اطلعت في وسائل الإعلام على الإتفاقيات التي وقعها الجانبان التركي و السوداني لم اجد فيها ما يعبر عن هذا الشعار إلا إذا تفاءل المرء واعتبر مشروعي تطوير الميناء الجوي والبحري ( الذي أعلن كمشروع سياحة) هما جزء من شبكة مواصلات قد تمتد إلى قلب إفريقيا

الغريب أن هذه الميزة الإستراتيجية للسودان كان أول من فطن إليها هي عصابات الجريمة الدولية المنظمة التي اتخذت السودان معبراً لتجارة المخدرات وتجارة البشر وما يعرف بالهجرة غير الشرعية
كما فطنت إليها الإدارة الأمريكية أولاً وهي تحاصر السودان لتكفكف أثره على إفريقيا ودول الجوار بعد العام 1989م – وربما قبل ذلك – وتحرض التمرد ضد الحكومة المركزية وثانياً عندما رفعت عنه الحظر لتقوم بتوظيفه في خططها الأمنية في القرن الإفريقي والجنوب ومنطقة البحيرات والشمال الإفريقي ونشطت مشاركات السودان في تشكيلات واشسنطن كالآفريكوم و السيسا و الإيساف
إستخدمت المملكة العربية السعودية وحلفاؤها من قبل أيضاً هذه الميزة واتخذت الجماعات الإسلامية فيه مطية تدخل بها أدواتها السلفية و الإستخباراتية إلى وسط وغرب إفريقيا بقصد السيطرة ومقابلة التمدد الإيراني الذي دخل القارة من مناطق وجود التيار الشيعي التقليدية في الغرب و الشرق ومواجهة الإسلام السياسي وتأسست آليات العمل الإنساني و التعليمي و الدعوي بفكر وبرنامج سلفي ورأسمال سعودي وقيادات سودانية وسعودية وخليجية ودخلت معها منظمات سعودية وخليجية شبيهة
لاشك أن السودان كان عبر تاريخه الطويل بوابة ثقافية تربط بين إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وأسيا وقد عرف هجرات من الشرق و الغرب شكلت خريطته السكانية واكسبته ميزة التنوع ومن هذه الهجرات ما كان يرتبط بالحج إلى المناطق المقدسة في منطقة الشرق الأوسط للديانات الثلاث وبما يعرف بالسياحة الدينية غير أن تنامي العصبيات الإثنية و الطائفية والحروب الأهلية بين المركز و الأطراف قلل من هذه الميزة كما أدت حرب الجنوب الطويلة و انفصاله إلى تضعضع ثقة الأفارقة في السودان وزاد الطين بله ميلان حكوماته المتعاقبة في علاقاتها الخارجية بعيداً عن إفريقيا ولا تسلم من ذلك الحكومات المحسوبة على الشيوعيين و الإسلاميين التي كانت لها رؤية تحديثية بعيدة وقد حدث الميلان عندما ارتبط الشيوعيون بالدولة السوفيتية وتحالفوا مع القوميين العرب و الناصريين وكذلك عندما ارتبط الإسلاميون بعودة الخلافة في جغرافيتها التاريخية وتحالفوا مع القوى السلفية السعودية المصابة بعلل العصبية الطائفية والعربية و( تسلف قطاع واسع من عضوية الحركة وسياساتها) كل ذلك حرم السودان من استثمار هذه الميزة سياسيا واقتصاديا بل أدى الدور الذي لعبه في القارة إلى اضطرابات أمنية واحتقان إثني في بعض الدول الإفريقية
تلعب الجغرافيا السياسية للسودان ونهر النيل دوراً كبيرا في تشابك مصالح السودان مع دول المنبع والمصب ولكن تظل فوبيا الحكومات المصرية المتعلقة بمياه النيل واستمساكها غير المنطقي بحصصها التاريخية فيها وارتيابها في أي دور يمكن أن يلعبه السودان خارج عباءتها ( باعتبار السودان أكثر دول الحوض قدرة على التأثير على حصتها واستسلام الحكومات السودانية لهذه السياسة يحرم السودان من الإستفادة من هذه الميزة سياسياً واقتصاديا بالمشاريع المشتركة في مجالات الكهرباء والطاقة والزراعة والمياه مع أثيوبيا ودول الجنوب ومصر ذاتها
سليمان صديق على
3 يناير 2018م

suliman_sidig@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً