في الأيام القليلة الماضية، تحولت حرب أفغانستان من ذيل الاهتمامات عند الرأي العام البريطاني إلى قمتها. ويأتي هذا على خلفية ارتفاع مفاجئ في عدد القتلى بين الجنود البريطانيين، حيث قتل خلال الأسبوعين الماضيين أكثر من خمسة عشر جندياً، ثمانية منهم في يوم واحد. وقد ارتفع عدد القتلى الإجمالي في أفغانستان بهذا إلى 184، متفوقاً بذلك على عدد القتلى البريطانيين في العراق، بينما تجاوز عدد قتلى قوات التحالف الغربي في أفغانستان خلال شهر يوليو الجاري عدد القتلى في أي شهر آخر منذ أن شن الحرب حلف الأطلسي الحرب على أفغانستان في أكتوبر من عام 2001 (بعد شهر واحد من أحداث سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة).
وكان طبيعياً أن يثير هذا التدهور المريع في مجريات حرب توشك أن تكمل عامها الثامن جدلاً حاداً في كل الأوساط، إذ رأت الحركات المناهضة للحرب التي في هذه الخسائر سنداً لموقفها الذي يرى أن هذه حرب لا يمكن كسبها، ويجب إنهاؤها فوراً، بينما طالبت المعارضة بمزيد من الدعم للقوات البريطانية حتى تكسب الحرب وتقلل الخسائر. وقد طرحت لأول مرة بجدية مسألة إنهاء الحرب والاعتراف بالهزيمة فيها، خاصة في ظل مارآه حتى المناصرين للحرب بأنه تضارب في تحديد أهدافها بعد أن تجاوزت ما رأوه رداً مشروعاً على عدوان القاعدة على أمريكا وضد حركة طالبان التي آوتها. ولكن الخلاف دار حول أهداف أخرى حددها عدد من المسؤولين، تتعلق بدعم الديمقراطية والتنمية الاقتصادية في أفغانستان إضافة إلى تعزيز الحقوق الأساسية وحقوق المواطن، خاصة حقوق المرأة. ويرى هؤلاء أن قيادات الدولة والجيش تجاوزت الهدف الأساسي الذي يقتصر على الدفاع عن الولايات المتحدة وحلفائها ضد خطر مباشر وماثل يتهدد هذه البلدان من القاعدة وطالبان، واشتغلوا بمهمة تحويل أفغانستان إلى بلد ديمقراطي على الطراز الغربي، وهو أمر قد يستغرق عشرات السنين، هذا إذا كان ممكناً في الأساس. وعليه يرى هؤلاء ضرورة تحديد أهداف الحرب بصورة أدق حتى يمكن تحديد متى يجب سحب القوات من أفغانستان. وقد تركز معظم السجال بين الحكومة والمعارضة (في ظل إجماع بين الكل على ضرورة الحرب ومشروعيتها) حول ما إذا كانت الحكومة قد زودت القوات بما تحتاجه لدعم موقفها وتقليل الخسائر، حيث واجهت الحكومة هجوماً كاسحاً على كل الأصعدة: من المعارضة والإعلام، ومن قيادات الجيش التي كسرت حظراً متعارفاً عليه على انتقاد موظفي الدولة للقادة السياسيين علناً. وقد دخل الحلبة حتى الرجل الذي كان حتى شهر مضى وزيراً للدفاع، مؤيداً الانتقادات الموجهة للحكومة في تقصيرها في دعم القوات المسلحة.
وقد أثارت هذه الأزمة قلقاً كبيراً في واشنطون، لكون بريطانيا الحليف الأوثق لأمريكا في هذه الحرب، والدولة التي يقف جنودها في أسخن خط مواجهة مع المقاومة الأفغانية. ويذكر أن الرئيس أوباما كان قد ركز انتقاداته لإدارة بوش أثناء حملته الانتخابية على ما رأى أنه تقصير منها في شن الحرب المطلوبة والمشروعة في أفغانستان، وافتعالها حرب العراق التي لم تكن ضرورية ولا شرعية. وقد تعهد في حملته بأنه إذا انتخب سيسحب القوات الأمريكية من العراق بأسرع فرصة ويركز موارد وقدرات أمريكا لكسب الحرب في أفغانستان. وهذا يعني أن مصير رئاسة أوباما سيرتبط إلى حد كبير بمسار الحرب هناك.
أوباما كان يعبر إلى حد كبير عما يشبه الإجماع في أوساط النخب الأمريكية والغربية حول مشروعية وضرورة الحرب في أفغانستان، وهو إجماع لم تشذ منه إلا فئات قليلة في أوساط اليسار، وأصوات مثل الأكاديمي نعوم تشومسكي الذي رفض المبررات لغزو أفغانستان قائلاً إنه لو جاز ذلك لجاز كذلك لدول مثل نيكاراغوا وكوبا أن تقصف أمريكا لأنها تؤوي عناصر إرهابية تشن عمليات ضد تلك الدول. ولكن حتى الإجماع الذي عبرت عنه أصوات مثل مجلة تايم التي وصفت الحرب في يوليو من العام الماضي بأنها “الحرب الصحيحة” شابته تحفظات، حيث جاء في مقال الصحيفة المذكور تحذير من التدخل غير المبرر في شؤون أفغانستان الداخلية، ودعوة إلى تخفيض القوات الأجنبية هناك لا زيادتها كما ينادي أوباما. وقالت المجلة إن مهام التغيير السياسي والتنمية يجب أن تترك للأفغان أنفسهم، وأن على القوات الأجنبية أن تركز على محاربة الإرهاب ومنع القاعدة من إقامة معسكرات تدريب جديدة، لا أن تحارب الأفغان وتسعى لفرض نظام سياسي عليهم.
ولكن يبدو أن الحكومات المعنية لم ترد الأخذ بهذه النصيحة، حيث الاتجاه هو حالياً نحو زيادة أعداد القوات الأجنبية، والمزيد من التدخل في الشؤون الداخلية للبلد، وتحديد مهام جديدة لقوات الاحتلال، منها الحديث عن تقديم خدمات المياه والكهرباء والصحة، والسماح بتعليم البنات وغير ذلك من المطالب التي قد ترضي بعض جماعات الضغط في الغرب، ولكنها تعقد مهام القوات. والملاحظ أن عين الجهات التي تتحدث عن تقديم الخدمات لشراء رضا الأفغان عن الاحتلال هي عين الجهات التي رفضت السماح لشركة إماراتية بشراء موانيء أمريكية بدعوى أن ذلك ينتقص من السيادة الأمريكية ويهدد أمن البلاد، رغم أن قوانين البلاد تسمح بذلك ومقتضيات العولمة. فكيف إذن يتوقع هؤلاء أن يقبل أي شعب الاحتلال مقابل خدمات صحية وغيرها؟
والمعروف أن الحرب في أفغانستان فريدة من نوعها كونها أول حرب تشنها منظمة حلف الاطلسي لاحتلال بلد ذي سيادة وعملياً استعماره. وتشارك في هذه الحرب 42 دولة، أبرزها الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا، وهي ثلاث دول تحملت فيما بينها 84 بالمائة من الإصابات القاتلة (1047 قتيلاً) منذ بداية الحرب. وقد رفضت عدد من الدول المشاركة، مثل ألمانيا وفرنسا قبل رئاسة ساركوزي، المشاركة في العمليات العسكرية المباشرة في الجنوب. ومن بين الدول التي شاركت في العمليات فإن كندا وهولندا قررتا سحب قواتهما خلال العامين القادمين. فكرة شن حرب لا نهاية لها بحجج أمنية وسياسية تواجه أكثر من معضلة. فقد رفض التحالف المناهض للحرب الفكرة قائلا إن مثل هذا التبرير يعني أن تشن حروب في أي بلد تواجه حكومته مشاكل في السيطرة على ترابه، كما هو الحال في الصومال مثلاً، بحجة أن مثل هذ البلد قد يصبح مأوى للإرهابيين. وتزداد المسألة تعقيداً مع إدراك أن الحرب في أفغانستان زادت التهديدات التي تواجهها الدول المشاركة ولم تقلل منها، وهو نفس ما حدث في العراق، حيث أدت الحرب إلى خلق ملاذ للقاعدة لم يكن موجوداً قبلها. إضافة إلى ذلك فإن الحرب ساهمت في زعزعة استقرار باكستان، الحليف الأوثق للغرب في تلك المنطقة، والبلد الإسلامي الوحيد الذي يملك قدرات نووية عسكرية. كل هذه التطورات تطرح أسئلة جوهرية حول مآلات هذه الحرب والمسلمات والمبررات التي استندت عليها. فمن الواضح أن كثيراً من دول العالم، بما فيها دول عربية وإسلامية، قد تقبلت مبررات أمريكا لشن الحرب على أفغانستان لأن معارضة الثور الأمريكي الهائج بعد أحداث سبتمبر لم يكن مما يحمد عقباه. وهناك دول مثل إيران شاركت في الحرب لأجندة خاصة بها بسبب معاداتها لطالبان، ومثل تركيا التي شاركت بحكم عضويتها في حلف الأطلسي. وقد تقبل البعض على مضض فكرة استهداف القاعدة في أفغانستان رغم عدم وجود أدلة قاطعة على الدعاوى التي أطلقت في هذا الخصوص خلال تلك الفترة، ورغم عدم ضلوع أي أفغان في تلك الهجمات. ولكن التردد بدأ يظهر بعد الفشل في اعتقال قادة القاعدة، ومع تصعيد المواجهة مع قطاعات واسعة من الشعب الأفغاني ثم استهداف مناطق القبائل في باكستان. وقد ظهر حينها أن قوات الأطلسي لم يكن لديها خطة خروج من أفغانستان ولا أهداف واضحة تحدد اكتمال مهمتها هناك.
الإشكال العملي في غزوة أفغانستان الأطلسية قد يكون هو المحك، لأن أفغانستان بلد استعصى على الغزو في السابق، وقد صد الروس في القرن العشرين كما صد البريطانيين في القرن التاسع عشر، واستمر حينها يوفر ملاذاً لمعارضي السلطات الاستعمارية البريطانية في الهند. وإذا كانت المقارنة بين حربي أمريكا في العراق وأفغانستان تتردد كثيراً، فإن الدلائل تشير إلى حرب أفغانستان هي الأصعب. ذلك أن العراق خبر الاستعمار من قبل، كما خبر الحكومة المركزية القوية القابضة، وتوجد فيه نخبة حديثة كبيرة الحجم تجاوب قسم كبير منها مع التدخل الأمريكي. وعليه فإن مهمة تنصيب حكومة موالية للغرب هناك ودعمها قد تكون أسهل نسبياً، فقد خرج الاستعمار البريطاني هناك وترك حكومة موالية ظلت تسيطر على الأمور لعقود.
أما في أفغانستان فإن المجتمع لم يخضع للهيمنة الأجنبية من قبل، وقد ظلت بنيته التقليدية راسخة وقوية وعصية على اختراقات الحداثة. وعليه فإن فرص نجاح تجربة استعمارية في أفغانستان في عصر ما بعد الحداثة أضعف بكثير منها في أي مكان آخر، بما في ذلك العراق. وعليه فإن فشل هذه المهمة هو فشل محقق، وستكون له عواقب وخيمة على القوى التي قادت هذا التدخل. وقد بدأت هذه العواقب تظهر كما نشاهد من زعزعة استقرار باكستان، وما خفي أعظم.
هذا بالطبع إذا سلمنا بأن غزو أفغانستان كان يستند على قدر من المشروعية في المقام الأول، وهي مسألة محل نظر. صحيح أنه من الصعب بالنظر إلى الأعراف الدولية السائدة الاعتراض على حق الولايات المتحدة في الرد على اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر ومعاقبة مرتكبيها. ولكن الزعم على طريقة المهلهل في مطالبته بثأر أخيه كليب وائل أن حق الرد هذا لا تحده حدود، ويبيح استعمار الدول وتحديد شكل حكوماتها، بل والتنقيب في ضمائر الأفراد وعقائدهم، تنطع يفتقد كل مشروعية، فوق أنه سيرتد على أصحابه لأن شن الحرب ضد كل العالمين هو عملية انتحارية في نهاية المطاف.
من هنا فإن إصرار إدارة أوباما على مواصلة الحرب في أفغانستان ستكون كارثية عليها، لأن هذه حرب مصيرها الفشل. ومن غير المستبعد أن يستقل خصوم أوباما الحرب ضده، ربما عبر توريطه بصورة أعمق فيها حتى يتاح لهم تدميره سياسياً، خاصة وأنه قد خلق لنفسه خصوماً أقوياء بسبب سياساته الاقتصادية والاجتماعية إضافة إلى موقفه من إسرائيل. ولعل الحكمة تقتضي هنا الإسراع بوضع “استراتيجية خروج” من المستنقع الأفغاني عبر الكف عن طموحات تشكيل حكومة تفصل على هوى قوى الاحتلال، والسماح للأفغان بالتفاهم فيما بينهم على شكل الحكم الذي يتحقق إجماعهم حوله. أما البديل فهو حرب قد تدوم قروناً، ولن يبقى مسرحها أفغانستان وحدها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم