هل سينجح د. عبد الله حمدون في الاختبار الأمريكي؟ .. بقلم: محفوظ عابدين

 

رغم التأهيل الأكاديمي والخبرة الدولية التي يتمتع بها رئيس الوزراء د.عبد الله حمدوك إلا ان الولايات المتحدة الأمريكية ستضع رجل بهذه المواصفات تحت الإختبار من خلال حكومته حيث قال مسؤول أمريكي كبير يوم الاثنين إن الولايات المتحدة ستختبر التزام الحكومة السودانية الانتقالية الجديدة بحقوق الإنسان وحرية التعبير وتسهيل دخول المهام الإنسانية قبل موافقتها على رفع اسم البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وبمثل ما يختبر حمدوك وزرائه ، فهو أيضا يخضع لامتحان كبير من واشنطون مكون من عدة (مواد) ولعل المادة الأولى في هذا الأمتحان ، هي مادة (حقوق الانسان ) وظلت هذه المادة أجبارية لكل حكومات السودان التي مرت في عهد الانقاذ وقبلها ، ولم تحقق فيها اي حكومة درجة المرور أو القبول فيها ، وبالتالي لم تحقق رضاء واشنطون وبسبب هذه المادة (ربتت) معظم الحكومات وظلت في مكانها دون الانتقال لفصل (دراسي جديد) ، ورغم الاجتهادات المضنية لكل الحكومات ظلت في حالة (رسوب) دائم ، ولكن رغم ذلك فان الولايات المتحدة تتعامل مع دول في مستويات اكبر وأعلى من المتوقع ان تتعامل بها مع السودان ، وهي معروفة للجميع ان سجل تلك الدول في حقوق الانسان أسواء بكثير من السودان ، ولكن ظلت واشنطون تتعامل مع السودان بهذه (المادة ) ، لتختبر بها كل الحكومات في السودان ، وجاء هذا التصريح مستبقا تكوين الحكومة الجديدة في الخرطوم على الأقل بقارق 72 ساعة أو من استلام رئيس الوزراء ترشيحات الأسماء بفارق 48 ساعة ، وهذه الاستباق يطرح عدة اسئلة لان الحكومة الجديدة تجيء في حقبة سياسية جديدة بعد 30 عاما من حكم الانقاذ وبالتالي فهي معنية في المقام الأول بملف حقوق الانسان في السودان ، باعتبار ان حكومات العهد البائد لم تنجح في هذا الملف اصلا فضلا على ماترتب عليه من قرارات وعقوبات دولية ، تضرر منها المواطن السوداني في تعاملاته مع الخارج ، وملف حقوق الانسان في الحكومة المقبلة سيكون واحدا من الأولويات ، والذي بدأ اصلا بالتأكيد على استقلالية منصبي رئيس القضاء والنائب العام ، باعتبارهما هما الضمانة لحفظ هذه الحقوق في ظل سيادة حكم القانون ومبدأ فصل السلطات ، وهذا مانصت عليه الوثيقة الدستورية والتي تمت اجازتها بشهود وحضور دولي وأقليمي ،وبالتالي سيكون الاختبار الامريكي لحكومة حمدوك في هذه المادة مادة ( حقوق الانسان) وهو اختبار لايخلو من خدع ويكون متسلسلا فكلما نجحت الحكومة في اختبار يجيء لها باختبار جديد ، مستفيدة من تعقيدات الوضع الداخلي في السودان ،ولعل اقرب مثال يمكن ان تتخذه واشنطن في هذا الاتجاه ماحدث في بورتسودان من صراع بين البني عامر والنوبة وراح ضحيته المئات من القتلى والمصابين ، وسيكون (امتحان) حقوق الانسان لحكومة حمدوك في انعقاد مستمر ، لان ماحدث في بورتسودان يمكن ان يحدث مثله او مايشبهه في اي منطقة من مناطق السودان، والفرق بين حكومة حمدوك والحكومات السابقة التي رسبت في امتحانات حقوق الانسان ،هو ان حكومة حمدوك تأتي في ظروف سياسية مختلفة عن سابقاتها ، بالاضافة الى شخصية رئيس الوزراء صاحب العلاقات الدولية والأقليمية الامر الذي يمهد له الكثير من الصعاب في هذه المادة (حقوق الانسان ) وقد تختلف طريقة (التصحيح ) لهذه المادة من قبل الولايات المتحدة حتى تحقق الحكومة درجة المرور في هذه المادة .

اما المادة الثانية في امتحان واشنطون لحكومة حمدوك هي مادة ( حرية التعبير) وقد تنجح الحكومة في هذه المادة باعتبار ان حرية التعبير واحدة من الاهداف التي قامت من اجل الثورة والتي كانت نتاجها حكومة الفترة الانتقالية ، وان كانت هذه المادة بشكلها القديم قد تجاوزها الزمن لان الاعلام التقليدي الذي كان محور هذه المادة قد ضعف تأثيره في قيادة الراي العام وتشكيله كما كان في السابق ، ولعل (الاعلام الجديد ) وهو الذي اصبح مسيطرا وله السيادة الكبرى لان اصبح بعيدا من قبضة الحكومات ، ولعل نجاح الثورة كانت معتمدا بشكل اساسي على الاعلام الجديد في الحشد وفي الحراك الثوري ، وكان تأثيره واضحا في تشكيل الرأي العام السوداني ، وبالتالي لاتمثل هذه (المادة) هما كبيرا في امتحان واشنطون لحكومة حمدوك .

اما المادة الثالثة وهي تسهيل دخول المهام الانسانية ، وهذه الأرض اصلا بالكوارث الطبيعية او الصراعات الداخلية أو الحروب، ومسألة النزوح واللجوء وغيرها مما يتطلب تقديم المساعدات الانسانية لمحتاجيها في مثل هذه الظروف ، وبالتالي فان هذا الامتحان مرتبط بظروف معينة قد تحدث اولا تحدث ولكن بما ان واشنطون قد وضعته ضمن الاختبارات لحكومة حمدوك فان الولايات المتحدة لها حسابات في هذا الامر ولها الترتيبات المرتبطة بسياساتها في المنطقة وبالتالي فان هذا الامتحان ربما سيكون (أول مادة) لحكومة حمدوك او يكون (آخر مادة) حسب ماترغب واشنطون ، فان كان السلام هو من اولويات الحكومة الانتقالية فان أمر المساعدات قد يأخذ شكلا غير الذي كان سائدا من قبل ، لان المساعدات الانسانية التي تأتي من الخارج كانت في الأصل وسيلة لاحداث اختراقات (للسيادة الوطنية ) او تقديم خدمات لحركات كانت تقودا حربا ضد الحكومات السابقة ، وبالتالي فان شكل المهام الانسانية ربما يتخذ شكلا غير الذي كان سائدا في ظل ظروف مختلفة وبمثل ما تصنع الحروب لتحقيق أجندة سياسية فمن السهل جدا صناعة اسباب للدخول عبر المهام الانسانية والتي تريد واشنطون من الحكومة الانتقالية تسهيل مهاها .

فاذا نجحت حكومة حمدوك في كل هذه الاختبارات ، فهذا مدعاة لكي تنظر الولايات المتحدة في رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب .

ويبقى هذا التصريح ايضا محل النظر من الحكومة لان ورد فيه مايدعو الى هذا النظر فقد( ذكر المسؤول بوزارة الخارجية في تصريح للصحفيين مشترطا عدم نشر اسمه أنه بينما سيكون رئيس الوزراء السوداني الجديد عبد الله حمدوك نقطة الاتصال الرئيسية، إلا أنه أوضح أنه سيتعين أيضا على الدبلوماسيين الأمريكيين التعامل مع الفريق أول محمد حمدان دقلو المعروف باسم حميدتي النائب السابق لرئيس المجلس العسكري الذي يقود قوات الدعم السريع.) والسؤال المطروح لماذ أشترط هذا المسؤول بوزارة الخارجية عدم ذكر اسمه، وهل في هذا الامر ما يستدعي عدم ذكر الاسم مادام ذكرت الصفة ام ان الامر فيه رسالة أكثر من توضيح موقف ، والامر الثاني الذي ذكره هذا المسوؤل ان الدبلوماسيين الامريكين يتعين عليهم التعامل مع الفريق (حميدتي) ،ووضع حميدتي اختلف مما كان في السابق عندما نائبا لرئيس المجلس العسكري الانتقالي ، والسؤال المطروح لماذا حميدتي من دون بقية اعضاء مجلس السيادة ان كانوا عسكريين او مدنيين ؟ وهذا التوجيه للدبلوماسين الامريكان لايخلو من أمر ، وهذا يجب ان تنظر اليه حكومة حمدوك بعين مختلفة .

nonocatnonocat@gmail.com

/////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً