هل كتبت علينا الاميّة مجددا؟ .. بقلم: معاوية محمدين احمد

 

عندما طلبت احدى الامهات الاجنبيات شهادة تسجيل لابنها الطالب الجديد باحدى الجامعات، اشارت الموظفة بيدها دون ان ترفع رأسها، الى قاعة مجاورة. وعندما ذهبت وجدت المكان الذي يتراص فيه عدد من شاشات الكومبيوتر خاليا. وعادت قائلة لا يوجد احد في المكتب. ردت عليها الموظفة، عليك ان تخدمي نفسك بنفسك بواسطة شيفرة الطالب، ثم ارجعي اليّ كي تسلميها مني مطبوعة ومختومة. انتظرت اكثر من ساعتين كي يظهر طالب يساعدها في حل المعضلة، لكن الامر لم ينته الا في اليوم التالي.

اما اللاجئة الشابة ام محمد فقد طلبت من احد الموظفين بمنظمة هيومينتاس بصوت خجول ان يساعدها كيف تستخدم الكومبيوتر رغم مهارتها في الموبايل. فهي الاخرى ليس لديها حل لمتابعة حسابها المصرفي سوى الانترنت. فالمصرف لا يستقبل زبونا في هذه الشؤون. وفي تلك الاثناء كان يجلس وسيط اجتماعي في الطاولة المجاورة مع شابين اجنبيين امام شاشة كومبيوتر، لمساعدتهما لتقديبم طلب لتأجير منزل. وفي الواقع كان يقوم هو بكل العمل.
لكنهم جميعا تعودوا على تعبئة بطاقة المواصلات الالكترونية واستخدامها في الصعود والهبوط، بانضباط للحفاظ على الرصيد. وكذلك استخدام بطاقة الحساب المصرفي في جولات المشتروات اليومية.
وفي كل المستشفيات اختفت اللوحة التي كانت تعلّق في سرير المريض وتسجل فيها الممرضات قياسات الضغط والحرارة اليومية. الآن يأتين وهن يجرن طاولة صغيرة عليها شاشة كومبيوتر وبعض الاجهزة الصغيرة، ويسجلن عليها ما كن يسجلنه على الورق، بعد ان يصوّرن بـ “ماسحة بار كود” رقم المريض المسجل في سوار ورقي حول معصمه. وبفضل هذا النظام فان سجّلك الطبي بات متوفرا لدى اي مستشفى تذهب اليه، مع كافة المعلومات والادوية والفحوصات والعلاجات التي سبق وتلقيتها. كما انه يوفّر لوزارة الصحة مراقبة كل صغيرة وصغيرة عما يدور في المستشفيات آناء الليل والنهار، مما يساعد في ضبط الخدمات، ومراقبة الصرف والاداء.
وفي احدى المدن امرت البلدية بمنع نصب اي “صحن ساتيلايت” للقنوات الفضائية في البنايات، واصبح الالتقاط يتم عبر جهاز صغير داخل المنزل، يعمل بالانترنت. وعدا عن كفاءته، فقد سمح بظهور مئات القنوات، بينما اختفت مشكلة اختفاء او تذبذب الصورة عندما تهب الرياح الشديدة او هطول الامطار، وعادت المباني الى صورتها الاولى بدون اطباق واسلاك.
لم يعد ممكنا ان تعيش في دول اوربا الغربية دون ان يكون لديك كومبيوتر في المنزل. فالمعاملات مع جميع المصالح الحكومية والشركات تتم عبر البريد الالكتروني. وكذلك دفع المستحقات والاقساط والغرامات. فجهاز الدولة باكمله، وجزء كبير من القطاع الخاص بما في ذلك السوبرماركتات، اصبح “شاشة كومبيوتر” وخط انترنت. وهذا يعني ان مصالحك اصبحت مرتبطة بشدة بمهارة استخدام هذا الجهاز، اضافة الى استخدام لغة البلد الذي تعيش فيه، وربما هذا هو السبب في اصرار تلك الدول على تعلّم لغتها.
ومع ازدياد “السطوة الرقمية” على كل جوانب الحياة، اصبح من الطبيعي ان يشتري الجيل الجديد ويبيع ألاف من السلع والخدمات، داخل البلاد وخارجها، بدون حواجز او مشاوير. وعند احتجاجي على شلة من الشبان على قضاء وقت طويل امام الكومبيوترات، ردوا عليّ انهم يعملون. وعندما ارتسمرت علامات الاستغراب على وجهي، رد احدهم انهم يعملون لدى شركات يختبرون فيها سلامة المواقع الالكترونية والتطبيقات الجديدة WEB TESTERS, APP TESTERS”. وعلمت انهم يتقاضون اتعابا ليست بسيطة. اما ما يسمى بنجوم اليوتيوب YOUTUBERS الذين اصبح بعضهم مليونيرات، فانه اصبح “موضة قديمة” معروفة للجميع. ويوضح هذا، ان “الزحف الرقمي” قد خلق آلاف الوظائف الجديدة، وما يزال يخلق غيرها، واصبحنا فعليا في عالم جديد تماما، يتغيّر بسرعة صاروخية دون ان نشعر. ويبقي السؤال هل سنكون جزءا من هذا العالم الذي يبدو فارقناه كثيرا، بحروبنا وصراعاتنا والعقوبات المفروضة علينا، وتردي احوالنا، ونعود مجددا مستعمرات فعلية، لا حول لنا ولا قوة، نعاني امية جديدة، تحت الاسم الناعم المؤدب “الفجوة الرقمية”؟

ingreece@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً