أين ما اتجهت شرقاً أم غرباً يقول الناس إننا شعب طيب. بعضهم يقول ايضاً اننا كرماء. كثيرون يقولون إننا اذكياء. نحن ماذا نقول عن أنفسنا؟ هل توجد دراسات علمية عن الشخصية السودانية ؟ هل فعلاً هناك خصائص مشتركة بين جميع ابناء هذا الوطن؟هل لدينا قيم ومباديء تشكل اجماعاً ؟ بداية لابد من القول إن السودانيين في ذهني ينقسمون الى ثلاث مجموعات. المجموعة الاولى اولئك الذين عشت بينهم ومعهم سنوات الطفولة والصبا، وهؤلاء مع تباعد السنين كادت ملامحمهم وصفاتهم ان تتحول الى صور بعيدة جداً أقرب ما تكون الى الظلال. ولعل من المفارقات اننا جميعاً شعب ” ماضوي” في السياسة والفكر والتعليم والعادات والتقاليد بل حتى في الموسيقى والغناء، الماضي كان دائماً شيئاً رائعاً وجميلاً. جميع الناس كانوا خيرين والحياة كانت سهلة، ونحن جميعاً كلما توغلنا في تشعباتها وتعقيداتها كل ما راودنا الحنين الى الماضي. الصورة التي ترسخت في أذهاننا عن السودانيين في ما مضى من الزمان، كانت صورة طيبة ، لذلك نستعمل دائماً تعبير ” هل تتذكر ” للتشديد على أن الماضي كان دائماً مرحلة رائعة في حياة كل منا.صحيح ليس نحن فقط الذين نعتقد ذلك بل حتى بعض الشعوب الاخرى لديهم هذا الحنين الجارف الى ايام زمان. قبل ايام قرأت تقريراً نشره موقع ” بي بي سي” تدور فكرته حول ان الماضي كان جميلاً في قاهرة الاربعينات مقارنة مع قاهرة اليوم . استهلت الصحافية التي كتبت التقرير انطباعاتها قائلة “عندما تسير في القاهرة هذه الايام فانت انما ترى نفسك في حاضرة مغبرة وملوثة ومزدحمة ومكتظة بالسكان الى حد بعيد ، لكن في أربعينات القرن الماضي لم تكن عليه الحال كذلك فقد كانت المدينة تحفل بمظاهر الاناقة والترف وتعج بالغنىوالتنوع الثقافي ولا عجب في ذلك لطالما كانت القلوب ترنو اليها باعتبارها القلب النابض لحركة النهضة العربية”.عندما تسمع سودانياً يحدثك عن الخرطوم او امدرمان في الخمسينات أو الستينات ربما ينقل لك الانطباعات نفسها، على اعتبار ان الزمن الذي جاء بعد ذلك اخذ الكثير من مظاهر ” الترف والاناقة”.المجموعة الثانية في ذاكرتي هم اولئك الذين التقيتهم في مسيرة نزوح استمرت الآن ازيد من ثلاثة عقود ، هذه الصورة مختلطة كثيراً في ذهني لان السودانيين في هذه الحالة ينقسمون بدورهم الى عدة شرائح ، شريحة اندمجت في مجتمعات الاغتراب واختارت ذلك طواعية ، وهنا اذكر واقعتين. دخلت مرة الى فرع احد البنوك في الرياض مع احد الاصدقاء فاقترح علي ان نذهب الى مكتب موظف سوداني يعمل في ذلك البنك لضمان انجاز المعاملة بسرعة. دخلنا الى أحد المكاتب ووجدنا رجلاً أنيق القيافة يرتدي زياً سعودياً كاملاً ، من العقال الذي على رأسه الى النعل الذي ارتدى واحداً منه وترك الآخر على الأرض وهو يضع رجلاً فوق رجل كما يفعل السعوديون. خلت للوهلة الاولى أن صديقي أخطأ المكتب المقصود، لكن عندما سلمنا على الرجل بدا واضحاً من لهجته أنه سوداني، ومما زاد الأمر اختلاطاً في ذهني أنه كان يتناقش مع زميل له حول مباراة لكرة القدم ، ولاحظت انه يستعمل لفظة ” نحن” وهو يتحدث عن الفريق الذي يشجعه، والفريقان سعوديان. عندما أنجزنا المعاملة المطلوبة وخرجنا من البنك سألت الصديق حول ما اذا كان صديقه قد حصل على الحنسية السعودية فاجاب بالنفي ، وادركت وقتها ان الرجل بدا سعيد جداً بهذا ” الاندماج ” في مجتمع الاغتراب، لانه حقق له ذاته، وهو أمر مفهوم ومقبول.الواقعة الثانية في بريطانيا ، كنت أحضر دعوة عشاء ضمت مجموعة من السودانيين وآخرين من جنسيات مختلفة، وكان الحديث وقتها حول قرار اصدرته محكمة في لندن بعدم منح الجنسية البريطانية لرجل الاعمال المصري محمد الفايدعلى الرغم من انه اشترى متاجر” هارودز” التي تعتير أرقى متاجر الانجليز على الاطلاق، وبدا أحد السودانيين منتشياً لان الفايد لم ينل الجنسية البريطانية وقال معلقاً” لن ينال جنسيتنا حتى لو أشترى كل بريطانيا”.هناك شريحة أخرى اضطرتها الظروف الى البقاء فترات طويلة خارج الوطن على الرغم من انها كان تأمل ان لا يطول اغترابها ، وهؤلاء كل ما عادوا الى الوطن خاصة بعد سنوات الاغتراب الاولى في بداية السبعينات يجدون ان حال الوطن لايسر وأن أوضاعه تزداد تدهوراً، بل ويكتشفون أنه لا يوجد لهم اصلاً مكان في هذا الوطن.وثمة شريحة اغتربت ووجدت ان طموحاتها وخاصة مستقبل الابناء يتحقق في بلاد الغربة، لماذا اذن العودة طالما أن المجتمعات التي يعشون وسطها لم توفر لهم “ملاذاً آمناً” فقط بل أيضاً حياة رغيدة وعيشاً كريماً ومستقبلاَ مضموناً.وبالطبع توجد الشريحة التي أجبرتها المواقف السياسية للبقاء في الخارج، وفي اعتقادها ان فجر الحرية والديمقراطية سيأتي حتماً ووقتها تعود الى الوطن منتشية مبتهجة راضية سعيدة والأهم منتصرة، لكن السنوات تمر سنة تلو اخرى، ولا تظهر في الافق خيوط الفجر المرتقب ، بل لا شيء سوى الليل البهيم ، وهم ينتظرون، بعضهم يتسرب الى نفسه اليأس الى الحد الذي يجعله يردد ليل نهار عنوان المجموعة القصصية للكاتب سيداحمد الحردلو ” ملعون أبوكي بلد” ، والبعض الآخر يعتقد أن الاظافر يمكن ان تفتت الصخر. أما المجموعة الثالثة هم اولئك الذين التقيتهم داخل الوطن بعد غيبة طالت ، ولا اود ان اكرر ما قلته من انطباعات كتبتها إبانها وبعضها كتبته وانا داخل الوطن ، لكن وبعجالة أقول انني وجدت سودانيين يختلفون في كل شيء عن سودانيي الشتات ، وبالطبع يختلفون كلياً عن السودانيين الذي كنت أعرفهم قبل أن أترك الوطن طالباً يبحث عن شهادة جامعية تعينه على تصاريف الزمن. اعود الآن الى السؤال الذي بدأت به هذا الموضوع،أي الخصائص المشتركة للشخصية السودانية. أقول ان السوداني شخصية تبدو سهلة التركيب ، لكنه في الواقع نتاج تراث شديد التعقيد بسبب التنوع الثقافي واللغوي وتباين العادات والتقاليد وأرث الغياب الكامل لمفهوم الدولة المركزية، وهنا تحضرني بعض ملاحظات. انا شخصياً إبن بيئة زراعية يتقاسم فيها الرجل والمرأة ، سواء كانت فتاة او متزوجة، العمل في الحقول ، لذلك كان يعمل الفتيان والصبايا في حقول البرسيم والخضروات جنباً الى جنب. بل عملنا مع امهاتنا وجداتنا في هذه الحقول ، ولم تكن مسألة ” ذكر وأنثى” تشغل بال احد منا. الرجل يركبون الحمير والنساء كذلك، الرجال والصبية يعملون في عزق الارض والنساء والفتيان يجلبن الماء من النهر ويجمعنا حطب طهي الطعام من تحت جذوع النخل.جداتنا وامهاتنا كنا يربطن ثيابهن في وسطهن يعملن حاسرات الرأس في الحقول بل ويسبحن في النهر أيام الفيضان التي كان يطلق عليها ايام ” الدميرة”. الآن ترفض بعض النسوة السلام على الرجال حتى لو كانوا من المحارم لان ذلك “حرام”.في هذا” السودان” هناك من يعتقد ان عمل الرجل عيب وان المرأة هي التي يجب أن تعمل وتكد وتكدح، والرجل يتسلى مع الآخرين أو يتجاذب اطرف الحديث قرب دكان القرية. لذلك حين نأتي الى السوداني كفرد ، تجده شخصاً طيباً ودوداً لطيفاً شهماً لديه مروءة وكرم يعتز بكرامته . اما عندما نأتي للعقل الجمعي للسودانيين، هنا سيختلف الامر وتبدأ المصائب. العقل الجمعي لدينا يختزن الكثير من سلبياتنا، لذلك نحن نجنح للحرب والاقتتال، ونتحول الى دمويين حقيقين في صراعات السطة. نحن قتلنا بايدينا وبدم بارد أعداداً لا تحصى بسبب خلافاتنا السياسية. الوعي الجمعي لدينا يكرم الاشخاص الذين قتلوا أكبر عدد من الناس، ونطلق عليهم لقب ” الفرسان” ، تأملوا في أغاني التراث والحماسة، ستجدون كيف يمجد عقلنا الجمعي قتل الآخرين. هل نحن فعلاً شعب طيب؟ ام نحن افراد طيبون؟ عن”الاحداث”مقالات سابقةجميع المقالات السابقة منشورة في موقع الجالية السودانية في منطقة واشنطن الكبرى ، ويمكن الاطلاع عليها عبر هذا الرابطhttp://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoid=talha.gibriel&sacdoname=%D8%E1%CD%C9%20%CC%C8%D1%ED%E1
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم