izzeddin9@gmail.com
لم يعُد الإسلام ديناً يتعلق بضمير الإنسان، ولكنه أصبح أجندة اجتماعية لتحقيق بعض المكاسب المادية الدنيوية.
لم يعد علاقة خاصة بين الإنسان وخالقه.
إنه خطة عمل وخارطة طريق ووسيلة غير مكلفة للكسب الدنيوي، لا تحتاج لأي مهارات ذاتية أو مكتسبة يصل بها الإنسان عن استحقاق لتحقيق أهدافه.
كان الناس في السودان متدينون بالفطرة، لم يدخل الإسلام إلى بلادهم غزواً وقهراً بحد السيف، بل دخل بالتي هي أحسن عبر المتاجرة ثم المصاهرة، وقد عاش دين الوافدين مع أديان أصحاب الأرض بالحسنى في سلام، ثم أخذ الناس يأخذون من دين الوافدين ما يستحسنون.
وكما يقول (د. الباقر عفيف مختار ) في كتابه (الأصيل والدخيل في الثقافة السودانية): ” لقد وصل الإسلام إلى النوبيين عبر فئتين رئيسيتين من المسلمين: التجار والرعاة: ولم تكن أياً منهما تحسن القراءة والكتابة، أو متفقهة في أمور الدين. لذاك ظل النوبيون حتى القرن الرابع عشر الميلادي يوصفون بأنهم لا مسيحيين ولا مسلمين. فقد تجاورت أشكال وصيغ من المسيحية والاسلام إلى بعضها البعض لما يقارب القرنين، إحداهما في حالة انحسار وتضعضع، والأخرى لم تكن قد ثبتت أقدامها على الأرض بعد. كذلك تعايشت معهما أشكال محلية من أنظمة مجتمعات الأمومة، بجانب النظام الذكوري الاسلامي المستوعب حديثاً. فلم يلتزم السودانيون المسلمون على سبيل المثال بقانون عدة المرأة (وهي فترة الانتظار قبل الدخول في زواج جديد للمرأة المطلقة أو المتوفى زوجها) حتى القرن السادس عشر. وهو مؤشر على مجتمع في حالة انتقال من النظام الأمومي إلى النظام الذكوري. فما يميز النظام الاجتماعي الذي يتبع الخط الأمومي هو أن الأطفال يلتحقون بأمهاتهم، بينما يأخذ الأب وضعاً هامشياً، ولذلك لم تكن حاجة لهذه “العدة” في هذا النظام. بينما ينتمي الأبناء في المجتمع الذكوري إلى آبائهم، لهذا السبب ومن أجل تحديد الأب وحفظ النسب يطالب المجتمع المرأة المطلقة والأرملة بالإمتناع عن أي علاقة جنسية لعدة أشهر قبل الدخول في زيجة جديدة. وهذه الفترة بين الحدثين هي التي تتيح للمجتمع أن يعلم ما إذا كانت المرأة قد حملت من زواجها السابق. ويبين المقتبس التالي من كتاب الطبقات أوضح ما يكون هذه المرحلة من تطور الثقافة:
“ورد أن الرجل كان يطلق زوجته فتتزوج رجلاً آخر في اليوم ذاته من غير أن تقضي عدتها، وذلك حتى عاد الشيخ محمود العركي من مصر وبدأ يدرس الناس أحكام قضاء العدة”(2).
وتوضح هذه القضية كيف أخذت الثقافة الذكورية تحل بصورة طبيعية ومتدرجة محل النظام الأمومي المتلاشي. ولكن هذه القضية توضح أيضاً التطور الطبيعي للثقافة المحلية وهي تتلقى جرعة ثقافية جديدة أخرى. فحقيقة أن النوبيين حافظوا على كيانهم الوجودي بينما كانوا يغيرون ثقافتهم ودينهم لم يقود إلى تطور ثقافة قبول الآخر المختلف فحسب، وإنما عبّر أيضاً عن الاحترام لهويات هؤلاء الآخرين.
ولذا تميّز “تدين” السودانيين على مر العصور بالصدق والعفوية والبساطة و”الجوانية”، لم تكن المظاهر التدينِّية التي شاعت بين المجتمعات العربية منذ عصوره الوسطى تعني شيئاً عند مسلمي السودان، مثل التميِّز بلباس خاص، أو استخدامهم لغة خاصة ذات طابع ديني فصيح رنان، كما لم يعرف السودان طبقة رجال الدين/ العلماء، الرسميون، إلا بعد الغزو التركي في القرن التاسع عشر، إذ أن انتشار الطرق الصوفية ساوى بين الجميع، بين من يحرصون على أداء الفرائض وبين من يحتسون “المريسة”. ومثلما قفزت – الطرق الصوفية – متجاوزة الأطر القبلية والقبائل، استطاعت أن تتجاوز الطبقية والتراتبية الدينية.
كانت أخلاق الناس ذات الطابع العرفي، والمتسقة مع المعايير الإسلامية بذات الوقت، هي المعيار الذي تقاس به مكانة الرجل في المجتمع، لذا لم يكن ثمة حاجة لأن يتدرع أحدهم بالنصوص ليثبت جدارته الاجتماعية، ولا حتى بأداء الشعائر والعبادات.
واستناداً على الأعراف والأخلاق السودانية، لا على النصوص الدينية، كانت الفتاة في الحي هي ابنة كل رجل، وأخت كل شاب، والمرأة هي أم كل شاب وفتاة، أو هي أخت كل امرأة تماثلها في العمر، وهي أم كل طفلة وطفل، كان الشارع امتداداً خارجياً للبيت، الكل يحافظ على شرف وكرامة الكل، ويشكل مظلة حماية لكل فرد.
كان الناس يتعاملون بشرف لأن عدم الشرف كان أسوأ ما يمكن أن يلحق الأذى ليس بالشخص وحده ولكنه يمس شرف جميع افراد عائلته. وقد كتبت من قبل عن مفهوم الشرف هذا، حادثة، وكانت المناسبة حادثة الإسلامي الكبير الدكتور علي الحاج، الذي ثار الجدل في الصحف حول اختلاسه أموال أحد الطرق التي نفذتها حكومة الإسلامويين، وقال في حوار صحفي رداً على هذه التهمة (خلُّوها مستوره)، مشيراً بطرف واضح إلى جماعته في السلطة في إشارة تهديد واضحة بأن فتح هذا الملف سيكشف ما هو أفدح.
كتبت يومها عن قصة فتاة تزوجها ابن عمها وهو موظف صغير، ولكنه أغرقها بالثياب والذهب الذي كان لا يتناسب مع مرتبه، وكانت هي تتباهى بين نسوة الحي، إلى أن صارحتها إحداهن يوماً بأن زوجها يكسب كل هذه الأموال عن طريق “البلصة” (وكان هذا هو الاسم الذ يُطلق على “الرشوة” يومها)، فسارعت الزوجة الشابة إلى منزل والدها تطلب الطلاق، إلا أن والدها انفجر غاضباً في وجهها وطالبها بأن تعود من فورها إلى بيتها، إلا أن والد زوجها (عمها) رفض أن تعود لابنه، وأصر على تطليقها، قائلاً بأنه لن يرضى أن تأكل ابنة أخيه حراماً في بيت ابنه، خوفاً عليها من غضب الله أن يأخذها بجريرة ابنه.
وكثيرة هي تمظهرات هذه القيم في المجتمع السوداني، ففي الفضاء التجاري لم يكن الناس يتعاملون بالشيكات فقد كان “لسان الرجل” وكلمته – كم يُعبِّرون – هي الشيك الذي يضمن حقوق الآخرين عنده. فقد كان الناس يمارسون القيم الإنسانية النبيلة لا خوفاً ولا طمعاً، ولكن لأن هذا ما يليق بهم.
وطالما نحن نتحدث عن المجتمع السوداني لا عن المسلمين فقط، فإن مسيحيي السودان كانوا يجسدون هذا الشكل من التدين السوداني بذات الصدق والبساطة والعفوية، لا خوفاً ولا طمعاً. الأمر الذي يؤكد الصفة العامة لسودانية هذا التدين “الجواني”. وثمة قصة يرويها مؤرخنا الاجتماعي حسن نجيلة في كتابه “ملامح من المجتمع السوداني” عن قصة بناء “الجامع الكبير” بأمدرمان، والذي خلفه يقع نادي الخريجين العريق.
القصة باختصار تتلخص في أن مواطنا مسيحياً من سكان حي المسالمة (لا يستحضرني اسمه) ثارت ثائرته لما رأى عجز القوى الوطنية عن اكمال بناء المسجد الذي يتوسط سوق امدرمان، إذ كان العمل على تشييده قد ولكنه ظل ردهاً طويلاً غير مكتمل فصار موئلاً للهوام والكلاب الضالة، فألقى قصيدة نارية تفيض عاطفة في نادي الخريجين، ندد فيها بالقوى الوطنية متعلمين وتجارا متسائلا فيها : كيف ندعي بأننا نطمح إلى الاستقلال وبناء الوطن ومجده، بينما بيت الله بيننا خرائب ينعق في أرجائها البوم ونحن عاجزون عن اكمال تشييده؟. وقد استفزت القصيدة أهل امدرمان، وأثارت خاصة طبقتي الانتلجنسيا والتجار في المدينة، فهب الجميع لجمع التبرعات إلى أن تم إكمال بناء الجامع الكبير بفضل رجل مسيحي من أمدرمان!.
هذا التسامح والقبول بالآخر لدرجة الحب، لم يكن شأن طبقة الانتلجنسيا أو النخب الحديثة وحدهما، وإنما كان شعورا عاما يخترق كل الحواجز والأطر الطبقية، ويتجاوز الاختلافات الاجتماعية والعرقية والثقافية وينتظم مختلف الشرائح على الجانبين. ومن المعروف بين الأمدرمانيين أن أقباطها كانوا يهدون السيد عبد الرحمن المهدي كل عيد شكر أو ميلاد ديك رومي محمر، وهو نفسه السيد الأمدرماني فيما يحكى الشيوعيون أولم لضيوف الحزب الشيوعي السوداني بمناسبة زيارة وفد شبابي شيوعي (أظنه سوفيتي) للسودان حلَّ ضيفاً على رصيفه السوداني، رغم أن الايديولوجية الماركسية تصنف الطائفية في خانة الأعداء الطبقيين.
وتكتمل اللوحة حين نعرف بأن المقرئ المعروف الشيخ عوض عمر (الشقيق الأكبر للشيخ الإخواني يسن عمر الإمام عليهما رحمة) كان في بداية أمره معلم قرآن يلقي دروسه على الصبية في ظل حائط كنيسة الأقباط بحي المسالمة، وأن قساوسة الكنيسة قاموا ببناء تعريشة للشيخ وتلامذته حماية لهم من لهيب شمس أمدرمان.
كان هذا ديدن السودانيين على مختلف أديانهم وطوائفهم..
وما لا استطيع أن أغامر وأجزم بالإجابة عليه هو السؤال: هل هذا كان بفعل الدين أم هي ثقافة المجتمع العرفية؟.
ولكن حين يراجع المرء ما تركه بعانخي وتهراقا من نصوص عن الأسس الأخلاقية التي كانوا يحكمون بها، يجعلني أعتقد بأن ليس الدين بحد ذاته هو الدافع، وإنما “التدين” ، أي ممارسة الدين سلوكياً، وطريقة فهمه والتعامل مع موجهاته وتعاليمه، وهذا ما يدفعني إلى القول بأن تدين السودانيين من حيث جوهره “جواني”.
إنه تديّن يولي عنايته لجوهر الدين .. لا للطقوس والمظاهر الخارجية التي تشير إليه.
السلوك الذي يعكس ويترجم روح الدين ..لا للشكل الخارجي الذي يشير إلى الهوية الدينية.
لعل تعلق المتدينين من المصريين بالشكليات التدينية، دون جوهر الدين ومضامينه السلوكية هو الذي دفع المتنبئ لأن يقول لهم:
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم يا أمة قد ضحكت من جهلها الأمم؟!!.
فما الذي حدث للسودانيين حتى أصبح الدين سلعة يتداولها الناس “ليكسبوا به ثمناً قليلاً”؟.
كيف ولماذا تم اقتلاع الدين من ضمائر الناس، وتحول إلى “قشور” ديكورية خارجية تتمثل في اللحية والحجاب وبضع شعارات استعراضية فارغة من أي مضمون؟!.
لقد كنا في مأمن من عدوى الإصابة بهذا الشكل من التديّن “البراني” الذي شاع في المجتمعات العربية، بحكم، أو بسبب من موقعنا الجغرافي المتباعد نسبيَّاً في قلب القارة الأفريقية، وعلى تخوم المراكز الإسلامية شرقاً وشمالاً وغرباً، إلى أن بدأت أولى أعراض الإصابة تظهر عبر بوابتنا الشمالية بعد الغزو التركي/ المصري عام 1821م، حيث قامت إدارة الاستعمار بإدخال الإسلام المؤسسي بأسلوب ممنهج عندما أحضر الغزاة معهم إلى السودان ثلاثة من العلماء الفقهاء الذين ينتمون إلى المذاهب: الشافعي والحنفي والمالكي، وربطوا بذلك السودان مع مؤسسة الأزهر المصرية قلعة الإسلام المؤسسي على نطاق العالم. لقد كانت الحكومة المصرية في السودان مؤسسة تقليدية عملت على إضعاف الثقافة المحلية الأصلية في شمال السودان. وقد شمل ذلك إدخال نظام المحاكم الشرعية والمدارس القرآنية التي تدعمها الدولة، بهدف احتواء وتقليص هيمنة الطرق الصوفية على اتباعها. وكان مما فعلت في هذا الإطار أنها أرسلت عدداً من أبناء قادة المتصوفة للدراسة في الأزهر، ثم عينتهم قضاة بعد عودتهم إلى البلاد. وقد ذكر منصور خالد أن الحكم التركي المصري أحدث تغييراً عميقاً في العلاقة بين النخب الدينية المحلية والسلطات المركزية. فقد قامت مشروعية الفتح على دعوى إلحاق السودان بالسلطنة العثمانية والحاكم الشرعي للعالم الإسلامي، ولهذا الغرض سافر ثلاثة من العلماء المصريين مع الحملة الأولى بهدف إقامة دولة إسلامية تقليدية محافظة في السودان.(3).
ورغم أن دولة المهدية ولدت من رحم المؤسسة الصوفية، إلا أن المهدي عمل عند تأسيس دولته على اضعاف الطرق الصوفية وتجريدها من مواردها المعنوية والاقتصادية، كما قام بتحريم التبغ والموسيقى، وأقام محاكم للشرع تحاكم بظاهر النص، والنتيجة كانت أن تجربة المهدية القصيرة العاصفة كلَّفت السودان نصف تعداد سكانه تقريباً بسبب الحروب والمجاعات، وزرعت بذرة التطرف في النسيج السوداني المتسامح، وتعتبرها الحركة الإسلاموية المعاصرة اليوم مرجعية تاريخية.
وأما المحطة المفصلية الثانية في سياق عملية تبديل التدين السوداني “الجواني” والذي يتمظهر واضحاً في ما يمكننا ان نسميه “الإسلام السوداني” بخصاصه الواضحة المتميزة، بآخر “براني” وافد، فقد كانت نفس البوابة الشمالية للسودان التي وفدت منها الموجة الأولى، وهذه المرة جاءت محمولة على أكتاف سودانية وليست مصرية كما كان الحال مع الغزو التركي/ المصري. نشأت الحركة الاسلامية فى السودان فى الاربعينات من القرن التاسع عشر ، من مجموعة من الشباب الذين وفدوا من الجامعات المصرية وبعض المنتدبين من طلاب الجامعات والمعاهد العليا، الرافضين للفكر الشيوعي واليساري الطاغي فى ذلك الوقت فى المؤسسات العلمية، الي ان عقد مؤتمر سمي مؤتمر العيد فى عام 1954، تمت فيه تسمية الحركة باسم (الإخوان المسلمين) وهو اسم الحركة الإسلامية فى مصر، ومن وقتها ارتبط فكر الإخوان المسلمين فى السودان بفكر الأخوان فى مصر، وإن أنكر حسن الترابي فيما بعد تبعية الجناح السوداني للأم المصرية، فالفكر واحد والاستراتيجية واحدة والتكتيكات والخطاب واحد والأسلوب واحد، فماذا بقي بعد؟!.
وانظر ماذا كانت نتائج مساهماتهم السياسية والاجتماعية والثقافية ، سواء في السودان الذي اغتصبوا فيه السلطة بانقلاب عسكري على نظام ديمقراطي برلماني كانوا هم شركاء فيه ، بل ويشكلون ثالث أكبر كتلة برلمانية فيه!.
وانظر ماذا فعلوا في مصر التي ركبوا قطار ثورتها في المحطة قبل الأخيرة ورغم هذا فازوا في انتخاباتها ، ومن ثم شرعوا في أخونة الدولة بمنهج اقصائي مدروس، فأعادوا عقارب ساعة الحركة الجماهيرية في مصر إلى ما قبل عهد مبارك الذي أطاح الشباب بعرشه!.
وانظر ماذا فعلوا بليبيا ، وماذا فعلت كتائبهم وميليشياتهم المسلحة في سوريا والعراق ونيجيريا وفي العواصم الأوروبية وأمريكا وفي كل مكان وطأته أو لم تطأه أقدامهم.
أي كابوس مزعج ومخيف هذا؟!.
هوامش
(1) د. الباقر عفيف مختار، الأصيل والدخيل في الثقافة السودانية، المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً: سلسة قراءة من أجل التغيير(6)، الطبعة الأولى 2013.
(2) يوسف فضل حسن (تحقيق) كتاب الطبقات لود ضيف الله في الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء، مطبعة جامعة الخرطوم 1985، ص40، انظر أيضاً يوسف فضل حسن “العرب والسودان من القرن السابع إلى بدايات القرن السادس عشر، أدنبرة مطبعة الجامعة 1967، ص 179.
(3) د. الباقر عفيف مختار، (سابق) ص (40).
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم