Tharwat20042004@yahoo.com
مقدمة
زعمنا ، وليس كل الزعم اثم ، في مقالة سابقة ، ان الجنوب قد استقل فعليا ) de facto ) عن شمال السودان علي كافة الاصعدة ، باستثناء الصعيد الدستوري ( de jure ) . ومن المحتم ان يتم تكملة الاستقلال الدستوري بحلول الاستفتاء في يناير 2011 .
علي الصعيد السيادي ، ترى الان اعلام الحركة الشعبية مشرعة في كل مكان , في غياب كامل للعلم السوداني . ويتم عزف سلام الحركة في كل مناسبة سيادية , بدلا من السلام الجمهوري السوداني .
علي الصعيد التشريعي ، فان المجلس التشريعي لجنوب السودان يشرع ويمرر القوانين , حتي لو كانت متدابرة مع تشريعات المجلس التشريعي القومي . وقد سمعنا بعض الاصوات في المجلس التشريعي لجنوب السودان تنادي باعلان استقلال جنوب السودان من المجلس التشريعي وقبل الانتظار لاستفتاء يناير 2011 . وربما علت هذه الاصوات بعد انقضاء المهلة ( الاثنين 18 اكتوبر 2009 ) التي اعطتها الحركة لرئيس المجلس التشريعي القومي لاجازة قانون الاستفتاء ؟
علي الصعيد الاداري ، فان حكومة جنوب السودان هي الكل في الكل . الجنوبي يمكنه التنقل داخل شمال السودان دون رقيب ولا حسيب . ولكن الشمالي لا يستطيع السفر خارج جوبا الا بتصريح من الامن الجنوبي . وكأن قانون المناطق المقفولة قد تم احياؤه من رماد ما قبل استقلال السودان .
علي الصعيد الثقافي , فان المناهج والكتب المدرسية من مرحلة الاساس وحتي مرحلة ما قبل الجامعة قد تم استبدالها بمناهج وكتب مدرسية كينية ويوغندية . واختفي التوب ومعه الجلابية ومعهما الحردلو العظيم . وموسيقى واغاني شمال السودان غير معروفة ولا مهضومة في الجنوب . اختفت اللغة العربية , وحلت محلها اللغة الانجليزية , كلغة رسمية , كما دعي الي ذلك قانون المناطق المقفولة ( 1922 ) ومؤتمر الرجاف ( 1928 ) , الذي كان فصل الجنوب عن الشمال الهدف الحصري للقانون وللمؤتمر .
ثقافة الوحدة التي هي الاصل
اصر الجنوبيون علي الوحدة مع الشمال طيلة الفترة التي سبقت نظام الانقاذ , ومنذ بداية تكوين الدولة السودانية الحديثة ( 1821 – 1989 ).
تحالفت القبائل الجنوبية مع القبائل الشمالية ضد الاحتلال التركي ( 1821- 1885 ) وضد تجار الرقيق .
كما شاركت القبائل الجنوبية مشاركة فاعلة مع الثورة المهدية في محاربة الاستعمار التركي . وكان لها أثر كبير في انتصار الثورة المهدية , خصوصأ في بداياتها . واثناء فترة الدولة المهدية ( 1885- 1898 ) كان الصفا والوئام يجمع القبائل الجنوبية مع القبائل الشمالية . ولم تحدث أي تفلتات أمنية في الجنوب ضد الثورة المهدية .
وفي بداية الحكم الثنائي اصر الجنوبيون في اقليم ابيي الحدودي علي الانضمام لمديرية كردفان في الشمال بدلأ من بحر الغزال في الجنوب ( 1905 ) , رغم ضغوط المستعمر البريطاني , الذي لم يكن لاحد ان يتجرأ ويعصي له امرأ في ذلك الوقت .
وشارك ابناء الجنوب اخوانهم الشماليين في قيادة ثورة 1924 ضد المستعمر البريطاني . مما حدا بالمستعمر ان يشرع في تنفيذ قانون المناطق المقفولة ( 1922 ) , الذي كان يهدف لفصل الجنوب عن الشمال .
في مؤتمر جوبا ( 1947 ) , اصر الجنوب علي مشاركة الشمال في المجلس التشريعي لكل السودان , ضد رغبة المستعمر البريطاني , الذي كان يسعي لفصل الجنوب عن الشمال .
وعند استقلال السودان ( 1956 ) اتي حين من الدهر كان سرسريو ايرو , الجنوبي المسيحي , رئيسأ لمجلس السيادة , اي رئيسأ لجمهورية السودان , ذي الاغلبية العربية- المسلمة . وبرضاء الجميع . كانت المواطنة هي الاساس للحقوق والواجبات !
أأأأأأخ ….. كانت تلك أيام نضرات ؟
وشارك الجنوبيون اخوانهم الشماليين في تفجير ثورة اكتوبر 1964 , التي كانت مشكلة الجنوب من اهم مسبباتها . واصبح كلمنت امبورو الجنوبي وزير داخلية حكومة اكتوبر .
وشارك الجنوبيون اخوانهم في الشمال في محاربة دكتاتورية مايو ( 1969 – 1985 ) . وفي انتفاضة ابريل 1985 .
وفي عام 1989 وقبل بداية نظام الانقاذ بشهور قليلة , كان الجنوبيون والشماليون علي مرمي حجر من وأد تمرد قرنق ( اتفاقية الميرغني – قرنق ) , وعودة الصفاء بين الجنوب والشمال في ظل سودان واحد احد .
كما هو مذكور اعلاه , وطيلة الفترة التي سبقت نظام الانقاذ ( 1821 – 1989 ) , اي منذ تكوين دولة السودان الحديثة , لم يأتي ذكر لطاعون الانفصال أو لسرطان حق تقرير المصير . كانت هذه كلمات تابو ينكرها كل سوداني , جنوبيأ كان ام شماليأ ؟ كان المفهوم السائد وقتها هو صفر من المشاكل بين الجنوب والشمال !
فما الذي حدث الان وقلب الريكة ؟ هل تغير الجنوبيون ؟ ام تغير الشماليون واصبحوا انقاذيين ؟ يامرون الجنوبيين بالوحدة وينسون انفسهم وهم يتلون الكتاب ؟ انهم كانوا قوما لا يعقلون ! بل كانوا قومأ لا يستحون ؟
حركات التمرد
دعنا نستعرض حركات التمرد الجنوبية منذ عام 1821 عندما تم ضم الجنوب , لاول مرة , للشمال ( في التركية السابقة ) وتم تكوين السودان بحدوده الحالية ( ناقص دارفور , التي تم ضمها للسودان في عام 1917 , ابان الحكم الثنائي ) . من عام 1821 وحتي عام 1989 , عام بدء نظام الانقاذ ( 168 سنة ) .
في هذه الفترة ( 168 سنة ) قبل الانقاذ , قامت اربعة حركات تمرد كبيرة في جنوب السودان
لم تطالب اي حركة من هذه الحركات بفصل جنوب السودان عن شماله .
تمرد توريت ( 1955 ) , تمرد الانيانيا ون ( 1958 – 1964 ) , تمرد الانيانيا تو ( 1969 – 1972 ) . هذه الحركات طالبت بالفدريشن , اي الحكم الفدرالي لجنوب السودان , تحت السودان الواحد الموحد . (وبالمناسبة هو الحكم المعمول به حاليأ لكل ولايات السودان , في الشمال والجنوب ) . ولكن كان الشعار المرفوع وقتها في الشمال ضد الفدرشين للجنوب .
No federation for one nation
وعندما بدأ قرنق تمرده ( 1983 ) , كان يطالب بالسودان الجديد . ونسق مع اخوانه المتمردين في الشرق وفي دارفور . لم ينادي قرنق بالانفصال في الفترة ( 1983 – 1989 ) , من بدء تمرده ( 1983 ) الي بدء نظام الانقاذ ( 1989 ) .
ظهرت جرثومة تقرير المصير ( الانفصال ) في عهد الانقاذ , ايام الحملات الهلالية ( الصليبية ؟ ) الجهادية الاسلاموية ( الهلال مقابل الصليب ) , كما سوف نوضح ادناه .
مربط الفرس
ربما قال قائل ان الطريق الي الوحدة الطوعية في عام 2011 يمر عبر كسب قلوب وعقول الجنوبيين . ذلك مربط الفرس وحجر الزاوية . نعم … رضا الجنوبيين وتوافقهم وقبولهم الطوعي للوحدة يتم من خلال ونتيجة لتجربتهم المعاشة مع الشماليين منذ عام 1821 عندما تم ضم الجنوب للشمال في عهد محمد علي باشا الكبير . ولكن العبرة دوما بالخواتيم . وتاثير واثر فترة العشرين سنة الماضية ( 1989- 2009 ) السلبي علي الجنوبيين ( فترة الانقاذ ) سوف يمسح التاثير والاثر الايجابيين لفترة ال 168 سنة التي سبقت نظام الانقاذ ( 1821- 1989 ) ؟ قرار الجنوبيين الايجابي والوحدوي في عام 1905 وعام 1947 , كما هو مذكور اعلاه , سوف ينقلب الي ضده تماما في عام 2011 ؟ كما سوف نوضح ادناه .
هل نظام الانقاذ مسئول عن انفصال الجنوب ؟
للاجابة علي السؤال : هل نظام الانقاذ مسؤول عن انفصال الجنوب
, الفعلي الان , والدستوري الذي سوف يتم في يناير 2011م ؟ يجب علينا ان نكون موضوعيين ونتوخي الصدق والتجرد . وان يكون تحليلنا وما نصل اليه من نتائج مبني علي معلومات موثقة , وليس علي افتراضات واتهامات جزافية .
دعنا نقسم فترة الانقاذ من 30 يونيو 1989م وحتي مؤتمر جوبا في 30 سبتمبر 2009م الي ثلاث مراحل . ونستعرض تصرفات نظام الانقاذ في كل مرحلة من هذه المراحل . وبعدها نجمع النتائج التي وصلنا اليها داخل كل مرحلة من المراحل الثلاث , لنقدم اجابة علمية وموضوعية للسؤال عنوان هذا المقال .
المرحلة الاولي
تبدأ هذه المرحلة من اول يوم لثورة الانقاذ في يوم الجمعة 30 يونيو 1989م وتنتهي في يوم الخميس 7 يوليو 2005م . اليوم الذي سبق وصول الرمز قرنق للخرطوم في يوم الجمعة الموافق 8 يوليو 2005م . طول هذه المرحلة بحساب الزمن بلغ 16 سنة و8 ايام .
في هذه المرحلة الاولي بدأ نظام الانقاذ حربه الاسلامية الجهادية في الجنوب . ادخل نظام الانقاذ , ولاول مرة في تاريخ الصراع السياسي بين الشمال والجنوب ، البعد الديني والهوس الاسلامي . غير نظام الانقاذ طبيعة الصراع بين الشمال والجنوب من صراع سياسي الي صراع ديني . في تلك الفترة كان نظام الانقاذ يخطط ليس لاسلمة الجنوب فقط , وانما لاسلمة كل العالم . سياسة نظام الانقاذ في هذه المرحلة كانت اقصائية وتصفوية . لا تعترف بالاخر , ولا بالحوار معه سواء كان جنوبياً ام شمالياً .
خلال هذه المرحلة وفي اسمرا في عام 1995م , اصرت الحركة الشعبية علي تبني مبدأ تقرير المصير . لانها لا تستطيع ان تعيش في سودان واحد يحكمه نظام الانقاذ الاسلاموي الدموي . ووافقتها القوي السياسية السودانية الحَية علي مطلبها . وظهرت لاول مرة فكرة واحتمالية انفصال الجنوب عن الشمال . وكان ذلك بسبب الحرب الجهادية الاسلامية التي كان يشنها نظام الانقاذ ضد الجنوبيين . واصبح مبدأ تقرير المصير ( الانفصال ) للجنوب من ثوابت وادبيات السياسة السودانية , تقر وتعترف به كل القوي السياسية الحيَة في السودان بخلاف نظام الانقاذ .
ثم دخل المجتمع الدولي في الصراع . وارغمت الادارة الامريكية نظام الانقاذ علي توقيع اتفاقية السلام الشامل مع الجنوب في 9 يناير 2005م . التي احتوت علي مبدأ تقرير المصير . وتم تضمين الاتفاقية في الدستور الانتقالي 2005م لبلاد السودان . اصبح مبدأ تقرير المصير للجنوب , ولاول مرة في تاريخ السودان ، مادة اصيلة من مواد دستور السودان . كان نظام الانقاذ ضعيفاً وقتها . وقبَل بذلك , تحت الضغط الامريكي ، لكي يستمر في السلطة .
باع وحدة السودان مقابل بقائه في السلطة .
ثم انقلبت الاحوال رأساً علي عقب اثناء المرحلة الثانية .
المرحلة الثانية
تبدأ هذه المرحلة يوم الجمعة الموافق 8 يوليو 2005م . يوم وصول الرمز قرنق الي الخرطوم . وتنتهي يوم السبت 30 يوليو 2005م . يوم استشهاد الرمز قرنق . فترة قصيرة طولها 23 يوماً , ولكنها قلبت الموازين السياسية في السودان رأساً علي عقب . وحرقت كل الادبيات التي تدعو لمبدأ حق تقرير المصير وانفصال الجنوب .
في يوم الجمعة 8 يوليو 2005م رجع الرمز قرنق الي الخرطوم . واستقبلته الملايين من ابناء وبنات شعبه باهازيج الفرح ودقات الطبول .
تلك كانت جمعة مباركة التحمت فيها قبائل الفور والزغاوة والمساليت من دارفور , بقبائل الهدندوة والبني عامر والبشارين من الشرق . التحمت فيها قبائل الوطاويط والهمج والقمز من النيل الازرق , بقبائل الدناقلة والشايقية من شمال السودان . التحمت فيها قبائل الدينكا والشلك والنوير من الجنوب , بقبائل المسيرية والتعايشة والكواهلة من كردفان . كان السودان كله في استقبال الرمز قرنق . ونسي السودانيون قبائلهم واعراقهم واثنياتهم ودياناتهم ولغاتهم المختلفة وتوحدوا في المواطنة السودانية امام المواطن الاول قرنق .
كان يوم الجمعة 8 يوليو 2005م يوماً مشهودا . كان يوم الاستقلال الثاني لبلاد السودان . ألتئمت في ذلك اليوم الاغر الجراح . واصبح السودانيون امة واحدة .
اصبح الناس يتكلمون ويحلمون بالسودان الجديد . ونسوا بل قبروا مبدأ تقرير المصير .
تقرير المصير ؟؟ اتطرشني ؟؟
في يوم الجمعة 8 يوليو 2005م استعاد السودان عافيته . واستعد للانطلاق لكي يلحق بركب الأمم المتقدمة , في ظل المواطنة السودانية , التي هي الاساس الحصري والوحيد , للحقوق والواجبات في السودان الجديد .
فتحت الحركة الشعبية مكاتب لها في شمال السودان . وبدأ الشماليون يتقاطرون , زرافات ووحدانا , للتسجيل في عضوية الحركة الشعبية .
كانت الصفوف تمتد لمئات الامتار , تحت الشمس الحارقة , امام مكاتب الحركة الشعبية , في معظم مدن وبوادي السودان الشمالي . وتكون , في الحركة الشعبية , قطاع الشمال موازياً لقطاع الجنوب . واصبحت الحركة تنادي في ادبياتها بالسودان الجديد ، السودان المتحد الواحد الاحد. واصبح تقرير المصير ام بعيلو ؟
السودان الجديد الذي يعتمد المواطنة اساساً حصرياً للحقوق والواجبات.
كان الناس , في الشمال قبل الجنوب ، ينظرون للرمز قرنق كامل الامة السودانية المتوحدة .
وفجأة وبدون مقدمات انطفأت الشمعة . وخسف القمر . وتلاشي النجم . وانكسر المرق . واتشتت الرصاص . في يوم السبت 30 يوليو2005م … يوم استشهاد الرمز قرنق …
وردد السودانيون وهم يبكون :
كان بدري عليك
تودعني وانا مشتاق ليك …
ثم بدأت المرحلة الثالثة .
المرحلة الثالثة
بدأت هذه المرحلة في يوم الاحد 31 يوليو 2005م ( اليوم التالي لموت قرنق ) . وهي لاتزال متواصلة . ولكن يعتبر مؤتمر جوبا يوم الاربعاء 30 سبتمبر 2009م محطة مفصلية في هذه المرحلة ( 4 سنوات وشهرين ) . سوف تنتهي هذه المرحلة الثالثة في يناير 2011م . يوم اعلان جنوب السودان الانفصال الدستوري من شمال السودان . وتكوين دولة جنوب السودان
بعد موت الرمز قرنق , رجع نظام الانقاذ لقديمه , في نكص العهود وخرق المواثيق . بدأ نظام الانقاذ في عكننة الجنوبيين في توافه الامور .
بدا نظام الانقاذ في تفتيت الحركة الشعبية التي تمثل بوتقة انصهرت فيها كل القبائل الجنوبية .
وظهرت مليشيات الجنجويد الجنوبية المدعومة , تمويلاً وسلاحاً , من نظام الانقاذ . وبدأت في زعزعة الامن في الجنوب , لاظهار ان الحركة الشعبية لا تستطيع حكم الجنوب واستتباب الامن فيه . وبدأت المليشيات القبلية الجنوبية المسلحة ( من نظام الانقاذ ) تهاجم القبائل الجنوبية الاخري . النوير ضد الدينكا . النوير ضد الشلك . الدينكا ضد المورلي . والمورلي ضد النوير …
عايرة واداها نظام الانقاذ الف سوط .
اراد نظام الانقاذ ان يفتت الحركة الشعبية وحكومة جنوب السودان . كما فتت الاحزاب السياسية الشمالية . مثلاً : كان حزب الامة والحزب الاتحادي الديمقراطي يمثل كل منهما وعاءأ يجمع مختلف القبائل ومختلف مكونات الشعب السوداني العرقية والثقافية والدينية . ثم دخل نظام الانقاذ علي الخط , مفتتاً لهذه الاحزاب الشمالية . ظناً منه ان في هكذا تفتيت قوة له . فظهرت علي السطح الشمالي ظاهرة مسار والدقير . وعلي السطح الجنوبي ظاهرة لام اكول وقاي . وكان من نتائج هذا التفتيت أيضأ , ان ظهرت الحركات القبلية المسلحة والمليشيات الاثنية الجنجويدية في الجنوب وكذلك في الشمال . ماتيب وكوشيب كمثال !
بذر نظام الانقاذ بذور الفتنة والشقاق في الجنوب . وكانت النتيجة صراعات وحروب قبلية وتناحر وتباغض وكراهية وبغضاء بين الجنوبيين . ظن نظام الانقاذ ان في ضعف الحركة الشعبية قوة له .
وفي الخرطوم العاصمة القومية ( للجنوب والشمال) والتي حفظ لها الدستور الانتقالي والاتفاقية وضعاً خاصاً يحترم الاديان المختلفة . بدا نظام الانقاذ , باسم النظام العام ، في القبض علي اكثر من 14 الف جنوبي وجنوبية بتهمة شراب وبيع الخمر ( المسموح به في دياناتهم الافريقية والمسيحية وفي ثقافاتهم الافريقية ) وتم جلدهم وسجنهم . مما اضطرهم للفرار من جحيم عاصمتهم القومية الي اقليمهم الجنوبي . حيث بدأوا يحكون لاهلهم في الجنوب , عن تجاربهم المريرة في العاصمة القومية .
قال وحدة جاذبة .. قال ؟
استمر نظام الانقاذ في عكننة الجنوبيين بشتي الطرق ولاتفه الاسباب . مما اضطر الحركة الشعبية الي الحرد وتجميد مشاركتها في حكومة الوحدة الوطنية . وبدأ الجنوبي في الطنطنة . ولكن لم يعر نظام الانقاذ اي التفات لهذه الطنطنة . بل زاد في غيه .
حرب اهلية ثقافية
( وقمتها ) الجنوبي في نفسه . وقرر الانتظار علي مضض حتي يناير 2011م لكي ينفصل عن نظام الانقاذ . ولكنه بدأ يعد نفسه للانفصال ولتكوين دولته الجديدة . فبدا في تسليح جيش الحركة الشعبية تحسباً لحرب ضد الشمال اذا ( خرخر) نظام الانقاذ في قبول نتيجة استفتاء تقرير المصير في عام 2011م .
تمَ استبدال المناهج والكتب المدرسية في جميع مدارس الجنوب للسنوات ال12 الاولي قبل الجامعة لتتبع المنهج اليوغندي , بدلاً وبعيداً عن المنهج السوداني في شمال السودان . بدأ الطفل الجنوبي يعرف تاريخ يوغندا , ولا يعرف تاريخ السودان . تكرارهذه النقطة ( ومايليها ادناه ) مقصود لاهميتها , ولكي نؤكد ان اللبن قد اندلق ؟
في المحاكم الجنائية والمدنية في الجنوب تجد القانون اليوغندي والكيني . ولا يعرف , ولا يريد ان يعرف , اي قاضي في الجنوب شيئاً عن القانون الجنائي والمدني المعمول به في شمال السودان .
اختفت الجلابية واختفي الثوب من شوارع الجنوب . اصبح الناس يحجمون عن التخاطب فيما بينهم بعربي جوبا . فرضت السلطات الولائية في الجنوب ضرائب باهظة علي المساجد ودور الذكر الاسلامية . اصبح الشمالي لا يستطيع التحرك داخل الاقليم الجنوبي بحرية . بل اصبحت حياة الجنوبيين الموالين للشمال في خطر . كما حدث للمرحومة مريم برنجي في يامبيو . ومئات غيرها .
بدأت الحركة الشعبية حرب أهلية ثقافية في الجنوب ضد الشمال .
قتل الجنوبي ثقافة الشمال . وتوجه لثقافة شرق افريقيا . ورويداً رويدا … ودخلت نمله انقاذية … وخرجت نملة انقاذية … حتي وصلنا الي يوم الاربعاء الموافق 30 سبتمبر 2005م.
دعنا نستعرض ماذا حدث في ذلك اليوم المشئوم في المقالة القادمة .
خاتمة
واهم من يظن ان انفصال الجنوب عن الشمال سوف يحل مشاكل الجنوب .
لن يجعل الانفصال الجنوب , بضربة سحرية , كتلة واحدة متجانسة , متناسقة , ومتصالحة بين مكوناتها ( القبائل ) المختلفة عرقيأ وأثنيأ وثقافيأ ولغويأ ودينيأ . بل العكس سوف يكون الصحيح . خصوصأ بعد زوال نشارة الخشب ( الجلابي او العدو المشترك ) بين قزاز قبائل الجنوب . لن يبني الانفصال للجنوب البني تحتية اللازمة ( خصوصأ البشرية ) . بل العكس صحيح , لان الجنوب سوف يفقد , في حالة الانفصال , ثلث عائدات السودان المادية , من غير البترول .
اللهم الا اذا سلمنا بان الجنوب ( مكجن ) الشمال كده ساكت . وعندها يخرج الموضوع من الموضوعية , والمصلحية والمعقولية . وفي هذه الحالة , لا فائدة ترجي من النقاش ؟
اذا احتجت لمثال لتقريب الصورة , فدونك تجربة انفصال اريتريا عن اثيوبيا , وفشلها الذى تؤكده امواج الفارين من ارتريا حتي تاريخه . والذين تموج بهم مدن وقري السودان , شماله وجنوبه .
انفصال الجنوب سوف يدق اول مسمار في نعش السودان الموحد . وبعدها ينفرط العقد , وينكسر المرق , ويتشتت الرصاص . سوف يتفكك السودان , وسوف تنفصل دارفور , وربما تبعها الشرق .
اتمني ان نكون قد برهنا , بما لا يدع مجالا لاي شك , ان نظام الانقاذ هو الذي أخرج جني الانفصال من محبسه . وعليه فان من اوجب واجباته ان يتكرم باعادة الجني الي محبسه . لهذا الغرض يتحتم علي
نظام الانقاذ , ضمن اجراءات اخري , ان يصر ولا يتراجع قيد انملة عن :
أولأ : اعتماد نسبة ال 90% لقبول خيار الانفصال .
ثانيأ : ان لا يتم الاستفتاء الا في ظل حكومة منتخبة . وليس الحكومة الحالية المعينة .
والا فسوف يلعن اللاعنون قادة الانقاذ , وسوف يسألهم الحق يوم الدين عن تفريطهم في وحدة بلاد السودان ! وسوف لن تعرف روح ختم عبيد الراحة!
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم