إبراهيم برسي
“الصوت كحامل للمعنى، قراءة في كون الطيب صالح كاتبًا يُسمَع أكثر مما يُقرأ”
ثمة أصوات تبقى في الذاكرة أكثر من أصحابها، وثمة كُتّاب تسبق نبرتهم كلماتهم. وفي عالم الطيب صالح تبدو شخصياته أحيانًا وكأنها نبرات تمشي على ساقين… فالصفحة في أيٍّ من كتبه تتحول إلى فضاءٍ ثريّ تتجاور فيه أصوات القرية، ووقع الخطى، وطبقات الكلام التي تحمل تاريخ المكان في نبرتها.
منذ الصفحات الأولى في “موسم الهجرة إلى الشمال”، يجيء صوت الراوي كأنه عائد من مسافة بعيدة، لا يخبرك بما جرى، وانما يجعلك تسمعه… الجملة عنده تتقدّم على مهل، وفيها شيء من هدير النيل، وشيء من تردّد السؤال في صدر صاحبه. حين يقول:
“عدتُ إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة…”
تشعر أن المعنى لا يقف عند العودة فحسب، وأن هناك طبقة أخرى في النبرة تتحسس طريقها إلى الأذن، فيها شيء من الحنين الممزوج بالقلق، يشعرك وكأن الرجل يعود وفي داخله غريب آخر، يقترب من ذلك الصوت الخافت الذي يقول:
“كنت أشعر أنني لست واحدًا منهم… ولا واحدًا من هؤلاء”
ونلاحظ أن هذه الحساسية السمعية تبلغ ذروتها في الحوارات، في مجالس الرجال في القرية، حيث إن الأصوات لا تتشابه ولكنها تنسجم داخل هارموني واحد، فكل صوت يحمل مقامه، طبقته، موقعه، ولا يخرج عن الإيقاع. تسمع الشيخ وهو يوازن بين الحكمة والتهكّم، وتسمع الشاب وهو يتعجّل الكلام، وتسمع من بين ذلك كله صمتًا كثيفًا، صمتًا له وزن، يوازي الكلام في الأثر.
وفي اللحظة التي يتوقف فيها الكلام، لا ينتهي المعنى، بل يظل معلقًا، يتردد في الهواء كأنه ينتظر من يلتقطه.
في أحد مجالس ود حامد، قبل أن تُفهم الجملة، يُسمع صوت صب الشاي ساخنًا، وتتصاعد رائحته مع نبرة صوت خفيض.
أحدهم يضحك فجأة، ضحكة قصيرة تقطع الحكاية، وآخر يسكت، كأنه ابتلع كلمة كادت أن تفلت من لسانه بعد أن قرر ألّا يُخرجها.
وثالث يعيد عبارة واحدة ببطء… يمدّها، يثقلها، كأنه يختبرها في فمه قبل أن يتركها تمضي.
هنا، المعنى لا يمرّ من الكلمة وحدها… بل يمرّ من الطريق الذي سلكته داخل الحلق والحنجرة.
ونجد في “عرس الزين” أن القرية تتحول إلى جوقة كاملة. لا يُقدَّم الزين في الرواية كبطل أو شخصية تُحلَّل، وإنما يُقدَّم كصوت يُسمع. ضحكته، اندفاعه، حضوره المفاجئ في كل مكان، كل ذلك يُبنى عبر الإيقاع، فحين يجري الزين في طرقات القرية وأزقتها، تحس أن الجملة نفسها تجري معه. وحين يسكن، تسكن اللغة.
كأن حضوره كله يختصر في إيقاع بسيط، مباشر، لا يحتاج تفسيرًا:
“الزين يحب… والناس تضحك”
وهذا التواطؤ بين الصوت والحركة هو ما يجعل الشخصية حيّة خارج حدود الحكاية.
أما في دومة ود حامد، فالصوت يأخذ شكلًا آخر. هناك إيقاع أبطأ، كأن الزمن نفسه يمرّ عبر الحنجرة قبل أن يصل إلى السمع. الشيوخ يتحدثون، لكن ما يثقل الجو أكثر من الكلام نفسه هو ما يتراكم حوله من تاريخ، ومن ذاكرة، ومن أشياء لم تُقل… الدومة نفسها تبدو كأنها تسمع، تحفظ، وتعيد بثّ ما مرّ بها عبر أجيالٍ جلست تحت ظلالها.
وفي زعمي أن هذه ليست حيلة أسلوبية كما تبدو، بقدر ما هي رؤية للغة.
“الكلمة لا تبدأ في المعجم.
تبدأ حين تُقال”
تبدأ في الفم الذي ينطقها، وفي الأذن التي تستقبلها. لذلك تتداخل الفصحى مع العامية في كتابات الطيب صالح من غير صدام. ولو تأملنا قليلًا لوجدنا أنها ليست مسألة مستويات لغوية، وإنما مسألة طبقات صوتية، كل طبقة تحمل جزءًا من العالم الذي يخصها.
كثير من القراءات التي كُتبت عن الطيب صالح تعاملت معه ككاتب فكرة، أو كروائي اشتغل على الهوية والاستعمار والذاكرة. غير أن شيئًا أساسيًا ظل يتسلل من بين هذه القراءات دون أن يُلتقط تمامًا، وهو الصوت.
في كتابه “المِتن الروائي المفتوح”، اقترب محمد خلف من هذه المنطقة حين تعامل مع تعدد الأصوات وانفتاح السرد بوصفهما جزءًا من حيوية النص، وليس مجرد تكنيك روائي. وكذلك دينيس جونسون-ديفيز، فقد بدا واعيًا بهذه المسألة من زاوية أخرى، إذ تكشف ترجماته عن إدراك لصعوبة نقل النبرة السودانية إلى الإنجليزية دون أن تفقد شيئًا من روحها.
أما فدوى مالطي-دوغلاس وإدوارد سعيد فقد اقتربا من الفكرة من زاويتين مختلفتين، أحدهما عبر “جسد اللغة”، والآخر عبر “خبرة المكان”، لكن الصوت نفسه ظل يتحرك في الخلفية دون أن يتحول إلى مفهوم نقدي واضح.
في هذا السياق، تبدو كتابة الطيب صالح كأنها تعيد ترتيب العلاقة بين الصوت والسلطة. فالقرية حين تتكلم، تروي، تضحك، وتتهكم، لا تبدو موضوعًا للحكاية بقدر ما تبدو منتجة لها. ولهذا تبدو بعض الشخصيات وكأنها تُعرف من نبرتها قبل أفعالها…
مصطفى سعيد، مثلًا، لا يُفهم عبر ما يقوله فقط، وإنما عبر برودة صوته وطريقته في إخفاء الانفعال، كأن صوته نفسه يخرج من عمق النص ليقول:
“أنا جئتكم غازيًا في عقر داركم”
فنجد أن ما يُقال مهم، وما لا يُقال لا يقل وزنًا.
وكذلك الزين لا يعيش في الذاكرة كشخصية مرسومة بعناية، يعيش كإيقاع وضحكة وحضور صوتي متفلت.
من هنا يمكن فهم تلك المساحات التي تبدو كأنها غائبة في نصوص الطيب صالح، كالأحداث التاريخية التي لم تُذكر صراحة، وطبقات الماضي التي تمرّ من طرف الكلام. هذا الغياب ليس فراغًا، هو جزء من البناء. الصمت هنا شكل من أشكال القول. القارئ لا يُعطى كل شيء، وإنما يُدعى إلى الإصغاء.
وكثيرًا ما يترك الطيب صالح في الجملة فراغًا صغيرًا، مساحة غير مكتملة، كأنه يطلب من القارئ أن يُنصت لما لم يُكتب أيضًا.
ولهذا تبقى هذه النصوص حيّة. القارئ لا يكتفي بقراءتها، يعود إليها ليسمعها من جديد. كل قراءة تمنحها نبرة مختلفة، وكل زمن يضيف طبقة أخرى من السمع. النص المكتوب ثابت، لكن الصوت الذي يمرّ فيه يتغير، ومعه يتغير المعنى.
فهل نقرأ الطيب صالح… أم نسمعه؟
ربما تبدأ الإجابة في تلك اللحظة التي تتأخر فيها الكلمة قليلًا قبل أن تُقال…
في ذلك التردد الخفيف، حيث يصبح الصوت هو المعنى.
zoolsaay@yahoo.com
