أخبار عاجلة

هل هناك امكانية لاقامة علاقات بين السودان واسرائيل في الوقت الراهن؟ .. بقلم: عوض محمد احمد


awad.sd@gmail.com

اثيرت مرة اخرى مسالة العلاقات السودانية مع اسرائيل غداة تصريحات د. غندور وزير الخارجية التي اعرب فيها عن استعدادهم لدراسة امر تطبيع العلاقات مع اسرائيل و حضور السيدة تراجي مصطفى لمؤتمر الحوار الانقاذي و هي مؤسسة جمعية الصداقة مع اسرائيل من وطنها الثاني (كندا) بعد ان سجلت زيارة لاسرائيل. و الحقيقة ان مسالة العلاقة مع اسرائيل مرت بمحطات عديدة منذ قيام الدولة العبرية عام 1948م.

1. فعشية اعلان قيام الدولة و كان السودان تحت الانتداب البريطاني، قام عدد من المواطنين بالتطوع في حرب الجيوش العربية لمنع قيام الدولة اليهودية.

2. بعد قيام الدولة تمت هجرات ليهود السودان باعداد قليلة و بطريقة هادئة لاسرائيل عبر محطات اوربية. اعداد اليهود السودانيين اساسا لم تكن كبيرة كما ان كثيرا منهم كانوا من ضمن متوسطي الدخل فلم يكن بينهم اثرياء يمكن ان يفيدوا الدولة الوليدة لهذا لم يكن المسؤلون في اسرائيل متحمسين لهجرتهم من السودان عكس اهتمامهم بتهجير اليهود المصريين و العراقيين و اليمنيين. عموما قد هاجرتقريبا كل اليهود السودانيين عدا اسر قليلة اندمجت في المجتمع السوداني بالمصاهرة و بتغيير ديانتهم و لم يعودوا يهتمون باسرائيل و لم تعد هي تهتم بهم (تسودنوا بالكامل).

3. في النصف الاول من الخمسينات و كرد فعل للدعم المصري القوي  للحزب الوطني الاتحاديالداعي للوحدة مع مصر، الامر الذي ادى لفوزهم باغلبية المقاعد في برلمان 1953م مما فتح الطريق لوحدة وشيكة بين البلدين (او بالاحرى ضم السودان لمصر)، سعي بعض قيادات حزب الامة المنافس للاتحاديين لفتح اتصالات مع اسرائيل ربما كان الهدف منها معادلة الدور المصري ذو الظل الثقيل في الساحة السياسية السودانية، الا انها في المحصلة النهائية لم تفضي الى شئ.

4. في عام 1967م و بعد حرب يونيو عقد مؤتمر القمة العربي في الخرطوم و اهم ما تمخض منه هو مصالحة عبد الناصر و الملك فيصل بجهود السيد محمد احمد محجوب، و اقرار عون بمئات الملايين من الدولارات لمصر و دول المواجهة الاخرى. هذا العون المالي مكن مصر ضمن عوامل الى من اعادة بناء قوتها العسكرية و الاستعداد لمواجهة جديدة مع الدولة الاسرائيلية.

5. و من باب عدو عدوي صديقي طفقت الدولة العربية تقدم الدعم و لكن ليس بحجم كبير لحركات التمرد الجنوبية منذ منتصف الستينات و حتى استقلال دولة جنوب السودان في عام 2011م.

6. في النصف الاول من الثمانينات عاد الاهتمام الاسرائيلي بالسودان مرة اخرى من خلال عزمها ترحيل عشرات الالوف من يهود الفلاشا من اثيوبيا التي كانت وقتها تعيش اوضاعا صعبة نتيجة لتفاقم حربها مع الثوار الاريتريين و نتيجة لموجة جفاف و تصحر عاتية ضربت اجزاء من القارة السوداء بما فيها السودان نفسه. و تم استغلال الاوضاع الاقتصادية المنهارة حينها و تفشي الفساد بين الطبقة الحاكمة فتم لاسرائيل ما ارادته من خلال عملية “موسى” و كان ترحيل الفلاشا واحدا من الاسباب التي ادت لسقوط نظام مايو بعد شهور قليلة من انجاز العملية. ضمن التحضيرات للعملية تداولت وسائل الاعلام وقتها صورة لرئيس الدولة جعفر نميري مع ايريل شارون وزير الدفاع الاسرائيلي في نيروبي في عام 1982م.

7. مع بداية الالفية الثانية عادت الامور الى سطح الاحداث من خلال عمليات مثل تفجير سيارة لاحد مهربي اللمهاجرين الافارقة لاسرائيل و ربما السلاح لصالح حركة حماس، و تفجير مصنع سلاح في احد ضواحي الخرطوم.

8. اخر المحطات هو التصريح و المثير الذي ادلى به وزير الخارجية قبل ايام عن استعداد السودان لدراسة امكانية التطبيع مع اسرائيل. و الاكثر اثارة هو صمت النظام عن التصريح مع ان تصريحا اخف بكثير من هذا اطاح بدكتور سليمان ابو صالح من منصبه الوزاري في سنوات الانقاذ الاولى.

السؤال الان و نحن في هذا الفترة الحرجة من تاريخنا هو ان كان هناك اي افاق لاقامة علاقات مفيدة او هامشية مع الدولة العبرية. ارجو ان ناخذ في الاعتبار النقاط التالية لمناقشة هذه الفرضية

1. . السودان بالنسبة لإسرائيل دولة هامشية و ليس هناك اى أفق لمصالح استراتيجية مشتركة فيالوقت الراهن. اقتصاديا السودان يعيش سلسلة حروب اهلية منذ ستين عاما و هو في اشد حالاتالإنهاك و ليس لديه شي يقدمه و هو بحاجة لإقامة البني التحتية التي تحتاج أول ما تحتاج لرؤوسأموال ضخمة التي ليس لدى إسرائيل الكثير منها (إذ هي نفسها تتلقى سنويا مليارات الدولارات منأمريكا و من يهود الدياسبورا). كما ان جزء كبير من صادرات إسرائيل هي الأسلحة (التي يتحصلعليها السودان بشروط أفضل من مصادر أخرى مثل الصين و روسيا و هي بمعظمها اسلحة خفيفة او متوسطة متوفرة في اي مكان). اى بصريح العبارة يجب عدم الوقوع في وهم ان إقامة علاقة معإسرائيل سوف تكون مكافأتها ازدهارا اقتصاديا (ليس موجودا في إسرائيل نفسها التي تدير منذنشأتها ما يشبه اقتصاد الحرب).

2. النماذج الإقليمية للعلاقة مع إسرائيل الموجودة حاليا غير مشجعة. فمصر التي أكملت مسيرةالتطبيع منذ 1982م لا تزال العلاقة في مرحلة متدنية و باردة و لم ينتج عنها سوى وفود بضع ألاف منالسياح (البخلاء) لا يسهمون بشئ في الدخل المصري من السياحة و كذا الحال مع الأردن وموريتانيا التي خففت علاقاتها فيما بعد.

3. هل يجدي التلويح بمياه النيل و الايحاء بمقايضتها مقابل منافع استراتيجية كبيرة للسودان. مباهالنيل؟ ان إسرائيل لا مصلحة لها في إغضاب مصر التي وقعت معها اتفاقات كامب ديفيد التي لاتزالتجنى فوائدها منذ 1979م و أهمهما تحييد الجيش المصري و إطلاق يدها في المنطقة من غزة إلىلبنان. ان إسرائيل في الوقت الراهن لا تعانى من نقص في الماء و الأسهل لها التفاهم مع مصر حيثالطريق الأقصر لعبور مياه النيل عبر سيناء، و حيث لا حوجة لاستئذان دول وادي النيل الاخرى باعتبارها المصب للنيل. كما ان إسرائيل ليس في تخطيطها حصار مصر أو عزلها أفريقيا، فعلاقتهامع مصر التي تؤمن لها القبول العربي و إمدادات النفط و الغاز و حياد جيشها أهم لها من تضييعوقتها و إهدار مواردها في مجاهل القارة السمراء ذات الحروب الدائمة و الأنظمة المتقلبة و الدول شبهالفاشلة و الفاسدة تماما بحيث تغلق اى أفق لإصلاح اقتصادي.

4. السودان لا يزال جزءا من النظام العربي الذي توصل منذ التسعينات إلى صيغة غير مكتوبة تسمح فقط للفلسطينيين و الدول التي تحتل إسرائيل جزءا من أراضيها بالوصول لاتفاقيات معها لاستعادةأراضيها مقابل تطبيع رسمي للعلاقات على ان تبتعد ياقى الدول عن الدخول في اى علاقة معها بقدرالامكان. و قد التزمت معظم الدول العربية بهذه الصيغة (على الأقل ظاهريا). ان عضوية السودان فيالجامعة العربية تلزمه بعدم التعدي على ثوابت العرب، خصوصا ان الجامعة (على ضعفها) توفرللسودان غطاءا دوليا مفيدا و استفادة من بعض منظماتها الاقتصادية والاجتماعية، علاوة على ملايين العاملين في دول الخليج و اليمن، و وفرت دول مثل مصر و العراق و سوريا  الفرص لاعداد كبيرة من السودانيين لتلقي تعليمهم العالي فيها و بمنح مجانية.

و بعد….

هناك شكوك كبيرة في إمكانية ان تكون اى علاقة بين السودان و إسرائيل مفيدة لاى منهما (او ان تنشا ابتداءا)، وربما لهذا السبب لا يتحمس حكامهما أصلا لإنشاء هكذا علاقة. كما في نفس الوقتلا نرى داعيا لابلسة الدولة العبرية و النظر إليها كشيطان مريد.  و يا حبذا لو وسعنا الصمت ما أمكنذلك، و لا نزايد على الإخوة العرب خصوصا السلطة الفلسطينية في خياراتهم لتحرير أرضهم المحتلة،و في نفس الوقت لا نندفع في تطبيع لا ينتج عنه سوى إضافة علمين واحد الخرطوم و اخر في تلأبيب و لا شئ أكثر من ذلك.

awad.sd@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً