وأنبغ ما في الحياة العناد! .. بقلم: الدكتور الخضر هارون
والعناد أيها السادة والسيدات عنادان، عناد يري فيه الرائي بعين البصر القاصرة التي تصف الذي يقع مداها عليه ،بادئ الأمر، هلامياً غير مكتمل الصورة، ومختلط الهيئة والمعالم فيخاله من بعيد ما هداه الخيال إليه، بتأثير الرغبة والهوي والأمنيات أحيانا وبفعل البيئة الطبيعية المادية أو المحيط الثقافي الغالب أحايين أخري، فيجزم أنه شيء بعينه ويجادل بصحة دعواه قبل أن تتكشّف الرؤية الحقيقية ويحل اليقين محل الظنون؛ فيكون حاله كمن رأي شبحا بعيدا يتحرك فظل خياله رهين الواقع الذي يعيش فيه، واقع أثمن ما فيه الدواب والأنعام ،فرأي في الشبح البعيد عنزة صهابية العثنون ( ذقن للعنزة أصهب) ، مكتنزة يكاد لبنها يتدفق بلا حلب فصاح بصوت جهير : عنزة ورب الكعبة! فقال له نظارة أُخر، أحد بصراً ، وأكثر صبراً وروية ، من قرائن يرونها في الشبح البعيد: إن الأمر ليس كما يري فلعل ذلك البعيد طير من هذه الطيور الضخمة كطائر الرخ الذي تحدثت عنه الأساطير. استشاط الرجل غضباً من مقالتهم ولزم مقالته الأولي مزمجراً: قلت عنزة ..عنزة . ولم يلبث ذلك الشئ المحجوب عن اليقين القطعي بحكم المسافة، أن حلق في الفضاء الفسيح طائرا بجناحين لا تخفيهما خافية. فغلب العناد صاحبنا فلم يتزحزح عن زعمه فيتجمل بالإقرار كفعل العقلاء، بل صاح بالعبارة التي سارت بها الركبان في الزمان القديم والأسافير في زمان الناس هذا ولا ندري بم الذي ستسير به مخترعات التكنلوجيا غداً من وسائط الاتصال: عنزة ولو طارت ! .
ليت لنا مكان الملك عمرو رغوثا ( نعاجاً) فوق قبتنا تخور
لعمرك إن قابوس بن عمرو ليخلط ملكه نوك (حمق) كثير
يشير إلي يوم بؤسه الذي إذا صادف بشراً فيه أو حيواناً أو طائراً قتله. والجلي الواضح أن البائس الحقيقي ولد أو بنت آدم لا كما قال طرفة، لأن الطائر قد يفلت بالطيران فهو أوفر حظاً لكن طرفة شاعر يتفنن ويعبث كيف يشاء، شأن الشعراء النوابغ في كل عصر ومصر، وبعض الفنون جنون تمقت الرتابة وكل أمر مستقر فتروم من المعني عكس الذي تفصح به .لكن النبوغ قد يعمي البصيرة بالغرور الزائد أو بالاعتقاد الخاطئ أن الناس تقدر ذلك النبوغ وتحتفي به إلى حد الصفح والتجاوز. ومن الحمق أن يراهن المبدع علي ذلك فيضع نفسه مكاناً علياً بعقيدة قوامها الظن وحده بأن الناس مجتمعين يضعونه موضعاً يخاله، بلا دليل أو موثق منهم، فيورد نفسه موارد الهلاك . وفي الناس الحسد والرغبة والنقمة وحب الانتقام. وقَل أن يجتمع النبوغ والفطنة وإلا كيف جاز عند طرفة وقد علم أن ابن هند قد بلغه ذلك الهجاء المقذع الذي فضّل فيه طرفة علي مقام الملك نعاجاً تعلوها الكباش وهي واقفة لا تعترض كالمستمتعة ، ثم يفد عليه ويستلم حكم إعدامه بيديه يحمله إلي عامل الملك في البحرين وقد سبق أن فض خاله ( المتلمس الضبعي)، وكان قد هجا ابن هند مثله ، كتاباً ككتابه وجد فيه حكم الإعدام فتوسل لابن أخته أن يهرب فامتلأ الشاب غرورا وأبي أن يفض الخطاب وقال : لا يجرؤ عليّ!.
نعمنا به خمساً وعشرين حجة فلما توفاها استوي سيدا فخما
وهو رثاء حسن يحمل في طياته تأسياً. وتعجب العجب كله كيف يقع مثل طرفة في الفخ وهو القائل:
لكن الآفة هي هذا العناد الذي قصدنا يغذيه عُجب زائد بالنفس وربما حسن ظن ساذج في تقدير الناس لأهل الكفايات في الفنون والعلوم وألوان الابداع قاطبة وأن ذلك يرقي بهم لمستوي الحصانة والتمييز بينهم وبين سائر الأنام.
لا توجد تعليقات
