واجب محاسبة المفسدين والظالمين، ولو طال الزمن  !!  .. بقلم: د. حسن حميدة – ألمانيا

مقدمة، شكرا لمجهود صاحب هذا المقام المهم “سودانايل”، الأخ الصديق، أستاذ طارق الجزولي، لأتاحته لنا الفرصة في مسرح آخر، لكي نمرح ونروح عن أنفسنا المغلوبة بسبب الضغط الذي يتولد عن طريق التغيرات والمجريات اليومية في بلادنا. هذا الديوان العامر بأهله، والذي يجمع الأقلام، ويجتمع فيه أهل السودان من المثقفين والمفكرين، لكي يطرحوا آراءهم وأفكارهم، وكل ما يجوش بخواطرهم من هموم. الشكر أيضا للأخ الصديق، دكتور عبد المنعم العربي، الذي يتحفنا بالمشاركات والمداخلات الهادفة، وهذا على الرغم من مشغولياته كطبيب معاود، ومتطلبات مرضاه اليومية. مثالا لذلك، مداخلته الأخيرة في تفنيد مقالي السابق بعنوان “الحرب وصناعة الفقر والجوع من عدم”. هذا التشريح الدقيق لمحتوى المقال، والذي ربطه ربط حازم بالواقع في البلاد، يجسد لنا، أي قلب كبير يحمله بين أضلعه تجاه الوطن. هنا لا يسعني إلا وأن أتقدم لك بوافر التواضع والإجلال. أنت المعلم وأنت الخبير، فلقد تعلمنا منك وخبرنا الكثير في مشاركاتك ومداخلاتك القيمة، وآخرها مداخلة الأمس الجميلة، بنص متفرد، أخترت له عنوان “الحصة وطن”.
لننظر لواقع بلادنا الآن: نجد أن أفراد النظام البائد لا يزالوا يتمتعون بحصانات ليس لها من مكان في واقع العدالة. الإنسان الشريف والعادل هو من يقدم نفسه للمحاكمة عند إجرامه في حق الآخرين، قبل أن يجبره القانون على ذلك. نجد  من هؤلاء الظلمة، من هم غارقون حتى الآن وإلى الإبطين في دماء المظلومين. ونجد منهم الذين تلطخت أيديهم بدم الأبرياء، وعلى مر السنين، وما زالوا يحلمون بالعودة والرجوع إلى أبراج الحكم، ومنابر الخطب. أسئلة مهمة للسيدين الفريق البرهان، والفريق حميدتي: أين هي حقوق الثمانية وعشرون ضابط، الذين تم إعدامهم في الثامن والعشرين من رمضان، هل هناك من جنى عليهم وعلى أسرهم، أم لا، فإذا كان هناك من جنى عليهم، فلما لا يأخذ القانون مجراه في حسم هذه القضية الكبيرة، ويضع الحد الحاسم للفصل فيها؟ هاهم القتلة يتسلطون ومن داخل معتقلاتهم وسجونهم الأسمية على زمام البلاد ومستقبلها، بتسلطهم على اقتصادها، وهذا بعد سبييها لأكثر من ثلاثين عام. فيها أحلوا لأنفسهم كل شيء جميل، وحرموه على غيرهم من ذوي الرأي المخالف، بل وصفوا ذوي الدين والخلق والمعشر والعلم بالملحدين. كيف ينسى من أحالوهم بالأمس للصالح العام، بتبخترهم في المصالح والمكاتب، من دون أذن أو موعد. يعرضون متبجحين في ساحات المصالح، يتلبسون ثياب الزهد والتقشف، ويتدثرون ببرد الصدق والأمانة، متخذين للقرارات الجائرة. وصارفين النظر عمن يمكن له أن يعول أسر هؤلاء المفصولين تعسفيا عن أعمالهم – وكيف لهم أن يحيوا من بعد عطالة تم صنعها في مطابخ سياسة قذرة؟ وهاهم المنفذون لفصل وعذاب الكوادر المؤهلة الآن حضور أمامنا، يتقدمون كهيئات للدفاع عن القطيع الجائر وعن أفعاله الشينة. إنهم حضور بيننا، وهم على أتم علم بأن أنفسهم وهيئات دفاعهم، جزء لا يتجزأ من النظام البائد والفاسد. كما نجد منهم من علا صوته الآن، وبدأ يصدح في الأسافير ومن دون خجل ووجل، بأمر الناصح والخبير والحكيم، في زمن فقدان البلد للبوصلة والتوهان. الكل يدلو بدلوه عبر أنابيب جوفاء، لا يمكن لها أن توصل الصوت للمتحدث نفسه. وكما يقول المثل: إذا لم تختشي، فأفعل ماشئت. على هؤلاء أن يعلموا جيدا أن لهذا الشعب بالرغم من طيبته،  ذاكرة فولاذية، وله عقل لا يضاهى. لقد ولى وقت الثقة في الفئة الفاسدة والمفسدة، بعد أن فشلت في الوفاء بها لثلاثة عقود كاملات. ثلاثة عقود من الزمان، كانت ملئ بالاستغلال والتجاهل والترهيب والتتنكيل والتعذيب، من أهل الذقون المضللة باسم الدين. ؟؟أنسيتم وصفكم لنا بشذاذ الآفاق، ودعوتكم لنا للحس الكوع؟؟
لنرجع لأحداث القيادة العامة: النار التي أضرمها الجلادون في حقل الحماية “القيادة العامة”، لها ألا تموت أبد قبل المحاسبة العادلة لمنفذي المجزرة البشرية، التي تحاول بعض الجهات طمسها بالرماد، وتغطيتها بالرمل، وحتى لا يوجد لها أثر. كتائب الظل وما أدراك ما كتائب الظل، التي لها من أسسها، ويقوم على تحريكها، حتى ولو كان سجينا، كتائب الظلم التي هي لها من يحميها. أنسيتم حرق مجموعات من الشباب، نساءا ورجالا، في خيام اعتصامهم السلمي وهم غافلون عن فعلكم؟؟ خيام تواجدوا بداخلها للحراك السلمي، وكانوا يظنون بأنهم على أسلم الدروب السلمية للنضال، من أجل رسم خارطة طريق لمستقبل البلاد. رسمها بعد صبر فاق نصف قرن من الزمان، صبر على الظلم والويل والحرمان، ومن أبسط مقومات الحياة للإنسان. حرق من حرق، ومن نجا من الحريق، لم ينجو من الغرق المفتعل. أن تأتي مليشيات “كتائب الظلم” المدربة، تحمل في جانب سلاح، وفي جانب آخر تحمل عدوان دفين. تقبض على من تمكن من الفرار من نار الحريق، لتؤدي بحتفه عبر رميه في ماء النيل، ليموت غرقا. واقع حالنا الآن يقول لنا بأن كتائب الظلم ما زالت موجودة، تقبض بألباب الموضوع، وتتحكم في لجام الموقف بعنف. كتائب تحلق فوق سماء البحر الأحمر، وترفرف فوق سلسلة جبل مرة، مليشيات مدربة، تتمتع بكل الصلاحيات، لكي يتعذب أهل هذه البقاع في مآويهم التي كانت آمنة. لنراجع حساباتنا، عندما يكون هم كل من يبحث عن موقع في الخرطوم، أن يقفل دروب نقل الموارد والصادرات للدولة، قفلها لتضييق الخناق، وعيش الإنسان في السودان، أو يقوم بحرق قرى وديار مواطنين عزل، يقتل فيها الأبرياء، ويترك من نجا من القتل ليعيش في العراء، مجرد من كل شيء. نقول هنا لأهلنا في شرق السودان، بأن الشرق أكبر مما يتصور الجهلاء والأغبياء، وفي الشرق يكفينا اسم الزعيم الباسل “عثمان دقنة”. كما نقول لأهلنا في دارفور، بأن دارفور أكبر مما يتوقع المتآمرون والخونة، وفي دارفور يكفينا اسم السلطان الورع “علي دينار”. أسئلة مهمة للسيدين الفريق البرهان، والفريق حميدتي: ما هي آخر تطورات ونتائج أمر فض اعتصام القيادة العامة، من هو المنفذ للقرار، أين موقع السودان كدولة من العدالة، وهل هناك شخص كبير على القانون؟ ما هي الجهة المسؤولة عن اغلاق ميناء بورتسودان، هل تمت محاسبتها فيما ترتب عن خسائر لحقت بالبلاد من صادر ووارد، وهل تم تعويض أسر المرضى الذين فقدوا أهلهم وذويهم، بانعدام الأدوية الضرورية، المنقذة لحياتهم، ومن هو من تسبب في إغلاق الميناء؟
الآن نحن نجلس على عتبة ساخنة، ولا يمكن لها أن تبرد، إلا بعد تقديم كل معتد أثيم إلى المحاكمة العادلة. والعدالة تعني في أسمى معانيها، إرجاع الحقوق لأهلها، وحفظ الأمانة – فالحكم الرشيد ما هو إلا أمانة في أعناق الحاكمين من مدنيين وعسكريين. أن يقدم كل من هو الآن في قفص الإتهام من مفسدين ومجرمين للمحاكمة العادلة، وهذا حتى يأخذ كل ذي حق حقه، الذي يضمنه له القانون. الشيء الذي ينطبق بمجمله على كل أفراد النظام البائد، كما ينطبق أيضا على منفذي مجزرة القيادة العامة وفض الإعتصام. محاسبة كل من يقف حجر عثرة أمام بناء السودان، تطوره الاقتصادي، وتحوله الديمقراطي. زيادة على ذلك محاسبة قاتلي شهداء أحداث ديسمبر وأكتوبر ونوفمبر من هذا العام. الأحداث التي وقع حتى الأطفال ضحايا لها. وتأتي التبريرات من البرج العاجي، وبصور لا لا توافق الواقع، ولا يصدقها المتمعن. الكل يعرف، أن الطلق الناري القاتل، تم تصويبه تجاه الشهداء بقوة تحكم لا تقارن. طلق ناري في الرأس وفي الصدر، تم إطلاقه من أيادي قناصين مدربين على حمل السلاح، يجيدون دقة التصويب وفنون الإقتناص. نحن ولشديد الأسف على كامل علم بأننا الآن في زيل القافلة المنطلقة، وإذا استمرينا على هذا المنوال – الهرولة المتعمدة تجاه خط الدولة الفاشلة – لأضعنا البوصلة، وتهنا في وديان الهوان، بالمحاصصة والإنقسام والتجزئة. الضياع في وقت تأمن فيه الدول الأخرى حدودها، وتحمي شعوبها. تأمين الثروات والموارد للأجيال القادمة من أجل تخطي عقبات الزمن الصعب. لنسأل أنفسنا: أين موقع سوداننا بين الدول، في وقت التغير المناخي العالمي، والإحتباس الحراري، المهدد الأول لدولتنا ومواردها وإنسانها؟ نحن الآن مشغولين بترتيب البيت من الداخل بسبب اختلاف أهله، وخارج البيت يتنافس السماسرة والبياعين في دلالته لبيعه. علينا أن نرتب البيت من الداخل بعقل كبير، وألا ننسى أو نتجاهل من هم حولنا من ذئاب، وبنيات مبيتة ومدفونة – دول بأكملها، قريبة وبعيدة، تظن أن السودان، وأن السودني لا يستحقان. نحن في زمن ترمي فيه بلدان، وبما فيها بلدان صناعية عظمى، بأعين كبيرة ومتبلورة علي السودان، ليس طامعة فقط في مساحته كقطر، بل طامعة حتى في رمال صحاريه الحمراء – وهذا ليس لشعب السودان، بل لشعوبها.
نعود وقبل أنهاء هذا المقال إلى مداخلة الدكتور عبد المنعم القيمة بعنوان “علي وجوههم أكثر من سؤال، فهل من مجيب؟”, والتي تحمل في طياتها أكثر من رسالة هامة لأولي الأمر. هذه المداخلة التي تأتي من إنسان أعرفه صديقا، يخاف ربه في نفسه وفي الناس. يريد دكتور عبد المنعم أن يقول لنا هنا: هؤلاء الشباب الذين نراهم هنا، هم ثروة بشرية هائلة، لا يمكن لها أن تقدر بثمن من الأثمان. هذه الطاقات المتفجرة، التي تبدو مكسوفة في تقاطيع وجوهها ومحاييها، تتساءل: أين مكاننا في أرض الخالق الخلاق؟ أين حقنا في أرض الله الواحد الأحد؟. أرزقنا أرضا وحقا، وقام الآخرون بانتزاعه منا؟ على المسؤلين أن يجاوبوا على هذه الأسئلة، وأسئلة اخرى مشابهة، وهم يرون هؤلاء الشباب، يمتطون الصعاب مغلوبين على أمرهم، يتشردون ويهاجرون بسبب الحروب، يجوبون كثبان الصحاري، ويركبون أمواج البحر. منهم من يقضي نحبه بين رمال الصحراء الحامية، ومنهم من يموت غرقا في ماء البحر، ويكون عندها غذاءا للحيتان. هؤلاء المحرومين الذين لهم من الأنفس مثل الآخرين، كما لأهليهم أعين تدمع وتبكي، عند ضياعهم وموتهم.
ولنختتم هنا بالقليل: علينا أن نكون مدنيين، وعسكريين على قدر المسؤولية التي تبنيناها أو المهام التي أوكلت لنا من الشعب. علينا ألا نكون دولة تعمل على هدم بناءها بمعول الحرب، ألا نكون دولة تعمل على قطع زهراتها، وقتل نحلاتها، وحرق نخلاتها بيدها. وفي الدول الأخرى تسمى أمثال فتياتنا المقتولات ” أيفيتا”، ويسمى أمثال فتياننا المقتولين “جيفارا”. ولو تركناهم ليعيشوا الآن، لكانوا لنا سند اليوم، وقياديي الغد – غد ربما كان مشرق بإنسانه، في عصر محفوف بالظلمات، قتل الإنسان، قتل الشباب، وقتل الأطفال. ؟؟وأي زهور ذبلت قبل أن يتفتح نورها؟؟ كل الدلائل موجودة، وتؤكد لنا، طيبة وسلمية من قتلوا ظلما بالخروج لقول الحق، أو استشهدوا في سبيل الوطن. لهم جميعا الرحمة والمغفرة من رب رحيم، ولأسرهم وأهليهم وذويهم، ولنا في فقدهم الصبر والسلوان.
E-Mail: hassan_humeida@yahoo.de

 

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor