أعيدُ نشرَ مقالٍ كنتُ قد كتبتهُ قبل سنتين ، كمثقفين وطنيين معنيين بشأن الوطن ، نملك البصر والبصيرة ولكن لا نملك المقدرة على التغيير سوى إسداء النصح والإرشاد . ننْصحُ ممن إسْتَغْشَوا ثِيابَهُم وأصَرّوا واسْتكبرُوا اسْتكبارا ، العبرة بالتاريخ لقد توفرت لهم كل أسباب الدلائل والنذر ليت الوطن تتوفر له مسالك النجاة .
كان الكاتبُ السوداني الراحل الطيّب صالح أديباً متفرداً قلّ أن يجودُ الزمان بمثله. برع في تصويرِ الشخصية المعقدة و البسيطة بسهولة و يسر في ” موسم الهجرة ” و صنع من سهل الحديث لوحةً تشكيلية خالدة في “عُرس الزين” . بجانب قلمه الجزل الذي برع في التجسيد ، كان للروائي العالمي ذكاءً إجتماعياً وقدرة نادرة علي الغوص إلي قاع الزمان و المكان ليستشف ما تجاهله الآخرون. يسافر الكثيرون منّا عبر مدن العالم المختلفة ولكن لا تجد من يفطنُ الي خواطر “أحاديث الشرق و الغرب” كما دوّن الراحل المقيم، ولا من يستوعب سلوك و عادات الشعوب كما حلل في براعة متناهية في سرده الشيّق.
رغمُ أن الطيبَ صالح عاش معظم حياتهِ خارج السودان، إلا أن الوطنَ و شعبه سكنا في دواخلهِ، فكان دوما يكتبُ و يناشدُ لنبذِ كل أشكال العنفِ و يدعو للإجماع الوطني ، و يحلمُ أن يعمّ الأمن و السلام و ينتشر الخير و النماء في ربوع أرضنا الطيبة، ورغمَ غربتهِ الطويلة لكنه ما فتئ دوماً يذكر النيل “بدميرته و جروفه” و ” دعاش” رشاشِ المطرِ وهو يقبّلُ أديمَ أمهِ ألارضِ في السهولِ و البوادي ، ومنظر “فُرقان البطانة” متماسكة بضيء المصابيح من علي البعد ، و قوة ترابطِ جذور الأسرة في منظر “النخلة علي الجدول”، و طيبة و كرم و تواضع أهله في جلسة ” الدكان” و ظل شجرة ” الدومة”. ماأظنُّ أن هنالك دليلاً أبلغُ من حبهِ لترابِ الوطنِ من أنهُ فضّل مختاراً أن يطوى جسده بعد أن فارقتُه طلاوة الحياةِ.
ضمن أسفاره ؛ أورد الطيب صالح تفاصيل آخر زيارة عمل له لمدينة مقديشو عاصمة الصومال القديم في مطلع التسعينيات من القرن الماضي. كان ذلك قبل أن تطال البلادُ المحنَ و الإحن التي ألمّت ثم أناخت بها إلي يومنا هذا. سردَ أنه وجد المدينة و أهلها في خراب و فقرٍ مدقع ووكالات الإغاثة تقوم بما فشلت الدولة في توفيره من غذاء و رعاية و صحة، و أثر قرقعة السلاح واضحةً في فشل النظام في بسط ستار الأمن وتثبيت هيبة الدولة ، و حكومة “سياد بري” تجتمع لتنفض في اجتماعات متعاقبة لا لإيجاد إجماع و تراضي وطني ينقذ البلاد و أهلها بل في الجدل و الخلاف العقيم . روَي أنه رأي شبح الفوضي و الضياع ماثلة أمامه فطفَق ينصح أهل الحل و العقد و وزراء الدولة: أن أدركوا وطنكم يتسرب بين أيديكم ، لكنهم ما تبينوا نصحه الإ ضحي الغد و الفوضي تضرب بأطنابها في أرض الصومال فباضت و أفرخت الدمار و الضياع و الفشل …. لا بد أنهم ندموا و لات ساعة مندم ، ٍلقد أضاعوا “وودروا” مسالك النجاة و السلامة للوطن و شعبه.
تُري إذا طاف خياله بأرض سودان اليوم فبماذا كان يسّطر قلمه ليوثق لدروس و عبر التاريخ؟ كانت عيناه لتدمع من بؤس و قلة حيلة الشعب، و آثار الجوع و المسغبة تكسو العظام ، و نار الفقر و العوَز تأكل دثار ألأنَفة و العزة، و سحب الهمّ و الغمّ تظلّل أرض الوطن، و رعد الخطوبِ يصمُّ الآذآن ، الدماء تلطّخ أجساد الأبرياء، و البلادُ بلا تنمية أو عمران ، والأطفال علي “خدودهم بقايا أدمعٍ” علي مستقبلِ المجهول ، والشبابُ إنفلقَ بين هجرةٍ عن الوطن و ضياعٌ في الوطن ، و الشيْبُ أسلموا رقابهم لسيف القنوط و اليأس، والمعارضة السياسية الكسيحة مشغولة بخناق بعضها ، و رغم كل هذه المحن: حكومة ” عمر البشير” تلتئم لتنفض لا لإيجاد مخرج ناجع لعقبة البلاد الكؤود ؛ بل لتثبيت دعائم الحكم الذي يكاد أن ينقضّ حتي و إن كان مهر ذلك دكُّ حصون و قلاع الوطن .
لابد أن قلبه كان لينفطر وهو يتمثل شبح الفوضي ، مارد الضياع و شيطان الدمار. و لا بد أنه كان سيشرع في نصح أهلُ الفعل و الرأي : أن أدركوا أجزاء وطنكم تُبعثره رياحُ الخوف، و تُدميه أشواك اللامبالاة و تقهره عدم الإرادة .
يناشدهم هل تسمعون؟…. هل تعلمون؟….هل تعقلون ؟ ….. هل تفقهون؟ هل …. ه
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم