وا حرّ قلبي عليك يا سودان ! …. بقلم: خالد عويس

 


 

خالد عويس
23 June, 2010

 

خالد عويس

khalidowais@hotmail.com

روائي وكاتب سوداني

يولي مئات الملايين حول العالم، هذه الأيام، جلّ عنايتهم لـ(مونديال) جنوب إفريقيا.والحقّ إن هذا البلد ينبغي أن يكون له مكانة خاصة في نفوس جميع الذين يستشعرون ذرة حرية وكرامة في نفوسهم.فالرمز النضالي الكبير، نلسون مانديلا، ومعه رفاقه في قيادة حزب المؤتمر، ومن خلفهم الملايين مشوا على الشوك، وشقوا طريقاً باهراً جداً إلى الحرية التي تأسست على قيمٍ التسامح وطي صفحات الماضي بطريقةٍ متحضرة.هذا هو الدرس الكبير الذي قدمته جنوب إفريقيا للعالم بأسره.

يستمتع الملايين بمشاهدة كبار النجوم، ليونيل ميسي، وكريستيانو رونالدو،وكاكا، وتشافي، وديديه دروغبا، وكلوزه، وروني، في ما يستعير السودانيون من الجنوب إفريقيين صفحات مؤلمة من الكاتب آلان باتون،

Cry the beloved country

لتوصيف حال وطنهم !

عن نفسي، فرغماً عن إعجابي المنقطع النظير بالسامبا البرازيلية والتانغو الأرجنتيني إضافة إلى منتخبي كوت دي فوار، والولايات المتحدة، فإن حواسي الرياضية منذ 1982 حسمت أمر ولائي للمانشافت الألماني.الواقع إنني كنتُ عاشقا على الدوام لأسلوب لعب الألمان، منذ أيام كارل هاينز رومنيغة وبرايتنر وروبيش وبريغل ومايكل شوماخر، مروراً بلوثر ماتيوس وليس انتهاءً بمايكل بالاك الغائب الأكبر عن هذه النهائيات.

يشدني التصميم الهائل الذي يميّز الكرة الألمانية، والإرادة الجبارة في تحقيق الفوز، وفي تقديري فإن المنتخب يعكس (شخصية) ألمانيا.فهو يتمتع بشخصية قوية جدا على أرض الملعب، فريقٌ منظمٌ جدا، وواثقٌ من نفسه.ذكرتُ ذلك لأعرج على المنتخب السوداني، أو (صقور الجديان) الذين استحالوا (دجاجات الجديان) في المباراة الودية التي جمعتهم بالمنتخب التونسي في الخرطوم، الأحد 20 يونيو 2010، وانتهت بخسارة السودان 6 أهداف لهدفين !

وهي هزيمة ثقيلة بالمقاييس كلها، ولا أعرف كم كانت لتكون النتيجة لو رمى الحظ العاثر منتخبنا الوطني أمام البرازيل أو ألمانيا مثلا ؟

منتخبنا الوطني يعكس (شخصية) السودان - الآن -، شخصية مهزوزة، ليست واثقة من نفسها، ولا من قدراتها، ولا من مستقبلها.رجاءً لا تقولوا لي إن الأمر مرده إلى المدرب أو جاهزية المنتخب أو (التحكيم) أو (المطر) وما إلى ذلك من الذرائع التي ظللنا نسوقها عشرات السنين، عانينا خلالها مرارة الفشل والخيبة (الوطنية) !

الأسطورة البرازيلية بيليه حين قدم إلى الخرطوم مع ناديه (سانتوس) لم يستطع التلاعب كما شاء بنجوم الهلال، وكتم مدافع الهلال السوداني، شواطين أنفاسه طيلة شوطي المباراة.بالطبع كان يقود نجوم الهلال – آنذاك – الأسطورة السودانية، نصر الدين عباس جكسا، الذي رأيناه على الشاشات في جنوب إفريقيا، رفقة الحارس العظيم، حامد بريمة، إلى جانب ثلةٍ منتقاة بعناية من كبار نجوم إفريقيا يعدون على أصابع اليدين !

وللتذكير فقط، سطع نجم جكسا وحامد بريمة ورفاقهما العظام من اللاعبين في عهود الديمقراطية لا القهر والكبت الذي يلقي بظلالٍ كثيفة على (شخصية) البلد، والشخصية الجمعية للمواطنين !

لم يكن جكسا، ولا أسرته، ولا معارفه، ولا الطبيب الذي يقصده يتلقون الإهانة وراء الإهانة، لذا، كان (الوطن) في حدقتي عينيه، وكان قادرا على الإبداع حتى أمام سطوة نجوم البرازيل، بل أعظم نجوم السامبا على الإطلاق.

ألم تسألوا أنفسكم لماذا تلقت كوريا الشمالية – التي يحكمها نظامٌ شمولي لا يدع مجالاً أبدا لحريات عامة أو سياسية أو صحافية - هزيمة ثقيلة جدا على يد رفاق كريستيانو رونالدو البرتغاليين، بلغت 7 أهداف، وللغرابة لم يكن الفارق الزمني بين الهزيمتين – هزيمة كوريا الشمالية، وهزيمة منتخبنا الوطني – سوى ساعات !

تُرى هل يفكّر الكوريون الشماليون مثلنا في غرابة الخبر الذي أوردته صحيفة (الحقيقة)، الثلاثاء 22 يونيو 2010 حول فتوى مجمع الفقه الإسلامي بـ(جواز الرشوة) ؟

متن الخبر يقول: (أفتى مجمع الفقه الإسلامي بجواز الرشوة ودفع الأموال للجهات الإدارية والقضائية للحصول على المستندات الأصلية لإثبات أصول الأوقاف السودانية بالخارج. وأكد نص الفتوى الذي تحصلت "الحقيقة" على نسخة منه على أن الأموال التي تدفع بدون وجه حق حتى لو كان لإثبات حق أو الكشف عنه تعد نوعاً من الرشوة الحرام، لكنه عاد ليقول: هذا بحسب الأصل الذي لا مسوغ للخروج عليه إلا في حالة الضرورة والحاجة المعتبرتين شرعاً».. ويشير نص الفتوى المنسوب لجمهور العلماء والذي تم تسليمه الى هيئة الأوقاف السودانية إلى أن من كان له حق مضيع لم يجد طريقاً للوصول إليه إلا بالرشوة أو وقع عليه ظلم لم يستطع رفعه عنه إلا بالرشوة

وأضاف: إن صاحب الحق المضيع إن سلك سبيل الرشوة فالإثم على المرتشي دون الراشي في هذه الحالة.

وقال نص الفتوى الممهور بتوقيع بروفسور أحمد خالد بابكر الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي السوداني إن دفع بعض المال للحصول على الصكوك والمستندات الدالة على أصل الوقف ومعرفة شروط الواقف لإعمالها لمصلحة الموقوف عليهم ضرورة تقتضيها اعتبارات كل حالة بحسبها)

انتهى الخبر !

تُرى هل من شعبٍ في العالم اليوم – سوى شعب الصومال المحروم من مشاهدة مباريات المونديال بسبب فتوى مضحكة وصارمة في آن، تحرّم كرة القدم – يتعرّضُ لتعريةٍ أخلاقية ومعرفية وثقافية أكثر منّا ؟

إذن، فقد شرّع فقهاء السلطان للسيد عمر البشير وحكومته الفساد ! ولن يكون على البشير بعد الآن، هو وحكومته أن يدافعوا عن الفساد، ويحولوا دون تشكيل لجنة في البرلمان لتقصي الفساد، فـ(الرشوة) أضحت بقدرة قادر أصلاً من أصول الدين، أو على الأقل، فرعاً منه !

مجمع الفقه (الإسلامي) يقول لكم ببساطة: اسرقوا ما شئتموا، فالله لن يعاقبكم، والحكومة بطبيعة الحال لن تحرك ساكناً ! مجمع الفقه يدعونا جميعاً لأن نكون لصوصاً راشين ومرتشين !

لكن، مهلاً، هل هذه هي الخيبة الوحيدة في عهد الخيبات الكبرى هذا؟أكيد لا، فالهزيمة أمام تونس 6 للا شيء، ما هي إلا رأس جبل جليد الخيبات العظيمة.

أنت سوداني؟

إذن عليك أن تخفض بصرك، وأن تشعر بالخجل العميق لانتمائك إلى هذا الوطن !

أبناءُ جلدتك في لبنان يُهانون، ويجري وصفهم - بواسطة قوى الأمن العام هناك – بـ(السود) و(الفحم) و(الحيوانات) و(البهائم) ويجري ضربهم والحطّ من كرامتهم، وحكومتك تقول إن الحادثة (عابرة). الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية السودانية، معاوية عثمان خالد قال ذلك !

أما السفير السوداني الهمام في لبنان،إدريس سليمان يوسف فهو بدوره لا ينسى أن يذّكرك: (لا نريد إثارة مشكلة هي عبارة عن مسألة فردية). السفير الهمام لم يغفل الإشارة إلى أن حكومته ستكتفي بهذا القدر حاليا. وهذا القدر هو التفسيرات التي قدمها مدير الأمن العام في لبنان، اللواء وفيق جزيني الذي أوضح: (حاولوا الهرب أثناء عملية الدهم بعد مواجهتهم أفراد الأمن العام، ما دفع أفراد الدورية إلى شدّهم بالقوة، ومن يقل غير ذلك فهو يكذب).

وسفيرنا الهمام وحكومته اكتفوا بهذا القدر.حسناً أنهم لم يحركوا أساطيلهم لضرب بيروت، فالأمر لا يستحق كل هذا العناء، لا بل حتى ولا عناء الاحتجاج بشدة لدى الحكومة اللبنانية، فالضحايا مجرد (سود) آخرين، لا يمثلون كرامة السودان، التي لربما يمثلها السيد عمر البشير وحده حين يتعلق الأمر بمحكمة الجنايات الدولية !

نعم، يا سيدي المواطن، كرامتك لا تهم كثيرا، حتى لو راح ضحية حروب البشير 10 آلاف (فقط) في دارفور، بحسبه – طبعا – ونحو 300 ألف بحسب الأمم المتحدة، كل هذه (الأرقام) لا تهم كثيرا، المهم هو إنقاذ كرامة السيد البشير من أن تلحق بكرامة السيدين ميلوسوفيتش وكراديتش في لاهاي !!

نعودُ إلى الكوريين الشماليين مرةً أخرى، وهم الذين تلقوا هزيمة كبيرة جدا في المونديال، تُرى هل يفكرون - مثلنا - في خسارة جزء عزيز للغاية من وطنهم في غضون 6 أشهر، وهل يفكرون - أيضا – في الاستعداد للحروب القادمة في الجنوب ودارفور؟

هل يشعرون أن وطنهم يضيع من بين أيديهم، وهم يتلقون إهانات ما عاشوها ولم يسمعوا بها في تاريخ بلادهم ؟ أكيد أنهم يشعرون بالمهانة، وإلا ما تسربت أنباء عن هرب 4 لاعبين بهدف الحصول على لجوء سياسي خارج بلادهم، لماذا لاعبو كوريا الشمالية وحدهم الذين تتسرب عنهم أخبار كهذه؟

لكن مهانتهم لن تبلغ أبدا حدّ مهانتنا، فكرامتنا الوطنية لم يمرّغها في التراب المنتخب التونسي وحده، ولا رجال قوى الأمن العام في لبنان فقط.كرامتنا أُهينت بشكلٍ فظ حين زُورت إرادتنا في الانتخابات، وحين سمحنا لحزب أقلية أيدلوجي متعصب أن يحكمنا لعقدين من الزمان، ليدمّر شخصيتنا، ويعطل تنمية الإنسان السوداني، ويحطم مؤسساتنا المعرفية، ويجبرنا على الردّة القبائلية والمناطقية، وليقسمنا شيعاً وطوائف لا تؤمن لا بنفسها ولا بهذا الوطن العظيم الجليل !

ما عاد الحاكمون يهتمون لأمر كرامتنا أو كرامة الوطن.فليدُس اللبنانيون على رقابنا، وليُذبح أطفالنا في عواصم الدول العربية، وليمت شبابنا معلقين على الأسلاك الشائكة بين مصر وإسرائيل، وليُشارف أطباؤنا على الموت تحت التعذيب، وليُفتح الرصاص على أبنائنا وبناتنا في الدلنج والفاشر، وليُساق الصحافيون يقطرون دمّا جراء التعذيب إلى ساحات القضاء، ولينسحب الشرفاء من محامينا من منصة الدفاع عن الصحافيين المعتقلين لاستحالة قيامهم بواجبهم في ظل التعسف والقهر، وليتمدد ظلّ القهر والظلم على كلّ مكان، وليبرع فقهاؤنا في إضفاء الشرعية على السرقة وأسلمة الفساد، وليهرُب أو يُهرَّب 4 قتلة من سجننا الأسطوري (كوبر)، وليقوموا بعملياتٍ إرهابية أخرى في ظل التراخي الأمني، ولنتوقع الأسوأ، الأسوأ على الإطلاق في تاريخنا خلال الأشهر المقبلة، انفصال عدائي للجنوب، وانهيار كامل للاقتصاد، وتراجع مخيف في الحريات العامة، وقدر هائل من القمع والقهر، وموت مجاني في دارفور، وهزائم أكثر لمنتخبنا الوطني وأنديتنا الكبرى، التي ما عادت كبرى، لأن الوطن الذي تنتمي إليه لم يعد كبيرا في نظرنا !

كيف للسوداني ألّا يطأطئ رأسه وموقع (سودانيز أون لاين) وحده يتولى الدفاع عن كرامة السودانيين في لبنان؟ شكراً لهذا الموقع، وشكراً للسودانيين الذين تظاهروا أمام السفارة اللبنانية في الخرطوم، الأربعاء 23 يونيو 2010. كيف نرفع رؤوسنا والخيبات الوطنية الفادحة تحاصرنا من كل جانب، نحن الذين صهرنا الحديد – لأول مرة في تاريخ العالم – في (مروي) قبل آلاف السنين، وسرنا بجيوشنا تحت قيادة الملك السوداني العظيم (تهارقا) إلى القدس أثناء الحصار الآشوري عليها سنة 701 قبل الميلاد.

كيف نرفع رؤوسنا، في خضم هذه الهزائم الوطنية الكبرى، نحن الذين أنجزنا في تاريخنا الحديث ثلاث ثورات جبّارة في ظرف 100 سنة فحسب؟

إنسانُ السودان - الموّحد، قوى الشخصية، الثائر لكرامته – هو الذي انتصر على جيوش الإمبراطورية البريطانية، ثم دافع دفاع الجبابرة عن دولته الوطنية حتى كتب رئيس الوزراء البريطاني السابق، - الصحافي أثناء حملة اللورد كتشنر على السودان -، ونستون تشرشل : (حاربنا في كلّ مكان في العالم، لكننا أبدا لم نواجه رجالاً بهذه البسالة والشجاعة) ! هذه هي (شخصية) السودان التي تجلّت تمثلاتها في أسطورة ملاعبنا، جكسا، وجعلته واثقاً جدا من نفسه وقادراً على الوقوف بندية أمام أسطورة البرازيل بيليه ! (شخصية) السودان، المخبوء في جوهرها التسامح والكبرياء والكرامة والشجاعة، تمثلّت واقعاً حين ثار السودانيون ثورتين مضريتين على نظامي الجنرالين إبراهيم عبود وجعفر نميري !

(شخصية) السودان التي رسخت في أذهان شعوب المنطقة: متسامحة، قوية، تمتلك كبرياءً فريدا من نوعه، لا تقبل الإهانة، تفضّل الموت على حياة الذلّ وتمريغ الكرامة.هذه الشخصية التي تظهر جليةً في أغنياتنا الشعبية وتراثنا الشعري وفي الكثير من مظاهرنا الثقافية وتقاليدنا وعاداتنا وأمثالنا الشعبية استحالت بفضل (حكومة السيد عمر البشير) إلى شخصية (القبيلة) !

وبعد المحاولات الدؤوبة لـ(مسخ) هذه الشخصية الوطنية، ما عاد مقدوراً أن نحافظ على نظافة شباكنا أمام منتخب تونس، ناهيك عن أمثال بيليه !

الحكومة السودانية التي تحكم منذ عقدين هي المسؤول الأول عن شخصيتنا الباهتة هذه.فإسهامنا الحضاري حروبٌ وحسب، وفخرنا المعرفي وزادنا التعليمي أضحى هلاماً من مؤسسات تعليمية لا معنى ولا فلسفة لها سوى فلسفة الكثرة، لكنها كثرةٌ لن تغلب (جودة) تعليم الآخرين في سوق العمل !

تعالوا إلى سوق العمل الخليجية - مثلا - لتدركوا لماذا هو السوداني - اليوم - مهان في نظر الجميع. متوسط سقف راتب (المحاسب) السوداني - مثلا - لا يتجاوز 4 آلاف ريال سعودي أو درهم إماراتي، في حين يحصل نظيره اللبناني أو الأردني على أضعاف هذا الراتب، لا للبياض (النسبي) في لونه، ولا لنعومة شعره، ولكن لأنه مؤهلٌ تعليمياً أكثر، ويتحدث أكثر من لغة، ولأنه أيضاً أتى من دولةٍ لم تخسر سمعة جامعاتها ومعاهدها العليا بـ(الشهادات المضروبة) – تُرى هل يفتي السادة في مجمع الفقهاء بهذا الشأن أيضاً لتكون شهاداتنا الجامعية الزائفة شرعية دينيا؟ -، ولا بتدهور مستوى مدارسها، وكلّ ذلك بفضل تنظير د.الترابي البائس، وتطبيق د.إبراهيم أحمد عمر الذي افتقر إلى أدنى حسٍ وطنيٍ وأخلاقي بأهمية (جودة التعليم) !

لماذا لا نُهان في كلّ ميدان، ولماذا لا نصبح أضحوكة وسط الشعوب؟ ألسنا ضمن الدول الأكثر فشلاً وفساداً في العالم؟

لنسأل أنفسنا: ماذا فعلت سفاراتنا بشأن عشرات الحالات من الظلم والتعسف التي تعرّض لها مواطنون سودانيون في دولٍ عربية وغير عربية؟

هل تحترمنا وتحترم آدميتنا هذه السفارات الزائفة التي لا تمثل أحدا هي وحكومتها المترهلة بأكثر من 77 وزيرا لا يفعلون شيئا من أجلنا؟

ماذا فعلت سفارتنا في السعودية بشأن الدكتور يحيى محمد مختار الذي حفيت أقدامه في المطالبة بمتأخراته لدى صاحب عملٍ سعودي كان يعمل معه، ولماذا اضطر للجوء إلى جمعية حقوق الإنسان السعودية، فرع مكة المكرمة، حسب ما نشرت الصحف السعودية، ولم يلجأ إلى سفارة بلاده وحكومة بلاده من أجل الانصاف؟

ربُّ عمل هذا الطبيب السوداني لم يكتف بعدم إعطائه حقوقه المادية، بل منعه من السفر إلى بلاده أيضا !!

هذا هو واقع بعض الأطباء السودانيين في الخارج، فما بالك بمن يعملون في مهنٍ عمالية ؟ هل سيلجأ طبيب أميركي أو بريطاني أو حتى لبناني أو مصري لجمعية حقوق الإنسان السعودية عوض التوجه إلى سفارة بلاده – التي يثق طبعا فيها وفي الحكومة التي بعثت بموظفيها -؟

(شخصية) السودان، أيها السادة والسيدات، أضحت ممسحة للبرامج الكوميدية في عددٍ من البلدان. وسخرية هذه البرامج تجلد كل ما يمت بصلةٍ إلينا، ألواننا وعاداتنا وكسلنا (المزعوم) وثيابنا ولهجتنا !

هل كتبتُ (شخصية السودان)؟ وهل تبقت (شخصية) للسودان بالأساس؟ تُرى ماذا سيكون ردّ السيد البشير على السوداني الذي قالوا له في بيروت: (إنهم زبالة عمر البشير)؟

لا تتوقعوا منه ردا، أو حتى فاصلاً ساخناً من الرقص – تُرى هل هذه هي شخصية السودان الجديدة عوض شخصية السودان التي لطالما مثلّها الإمام المهدي، والإمام عبدالرحمن، ومحمد أحمد محجوب، والطيب صالح، وبروفسور عبدالله الطيب، وجكسا، ومحمد وردي، وجون قرنق، ومانوت بول، وبروفسور محجوب عبيد،والهلال، والمريخ، وجامعة الخرطوم، وقبة الإمام المهدي، وعلي دينار، وعثمان دقنة -، لا تنتظروا منه شيئا، فهو وحكومته لم يفعلوا شيئاً بعد فاصلة المنتخبين المصري والجزائري في الخرطوم  حين سخر مقدم برامج مصري – على الهواء مباشرة – منه صائحا: (هو فين الرئيس السوداني، صحوه من النوم) !

الواقع أن كرامتنا لم تُهدر سدى، فقاموس رئيسنا في الشتائم - مباشرةً على الهواء – وإيغاله في المحلية، وتواضعه المعرفي والثقافي – مقارنة فقط برئيس الوزراء السابق، المفكّر البارز، والمثقف الموسوعي، السيد الصادق المهدي – كفيل بأن يجعلنا أضحوكة في العالم بأسره - أولم يفعل بعد؟-.

إهدار الحكومة كرامة مواطنيها داخل السودان، ودوس رقابهم بالأحذية العسكرية الثقيلة، وغضها الطرف عن الإساءات الموجهة إليهم في الخارج، وإضعاف قدراتهم المعرفية، وتحويل وطنهم إلى وطن طارد، وسياسات الإفقار والتجويع التي طالت الملايين، وحصر فرص العمل على مؤيدي النظام فحسب، والإجهاز على الزراعة والصناعة، إضافة إلى الفساد والاستبداد، كلها أسباب جعلت منّا عرضةً لأسوأ أنواع المعاملة، وخلقت منّا شعباً بائساً لا حيلة له ولا (شخصية) ولا كرامة.

هل علينا أن نستسلم؟

هل علينا أن نتيقن بأننا شعبٌ لا يستحق الحياة، ولا يستحق أن يعيش بكرامة موفورة ورأس مرفوع؟

كلا. كلا بشكلٍ قاطع.

ارفع رأسك.ارفع رأسك، وارفعي رأسك، فأنتما من نسلٍ شهد بشجاعته منقطعة النظير، وبإحساسه العارم بحريته وكرامته، الأعداء.

ارفع رأسك وتأمل علّم بلادك مليّا، هل تُبصر اللون الأحمر؟ هذا ليس لوناً مصبوغاً على قماش، هذا دمُّ الخليفة عبدالله التعايشي، وآلاف الأنصار الذين أستشهدوا في مشهدٍ مهيب، مهيب جدا وهم يأبون الفرار من وجه مدافع المكسيم. أنتَ وأنتِ من هؤلاء الناس، من دمهم ولحمهم.تنتميان إلى التاريخ ذاته، وإلى البطولة نفسها.

هل تُبصران الأبيض والأخضر والأسود؟ إنها ألوانٌ حيّة في أرضكم، من خلال النيلين الأبيض والأزرق، ومن خلال الزرع والضرع، ومن خلال السحنات، ومن خلال السماء التي تظللنا وهذه الأرض العظيمة التي تضمنا.

ارفع رأسك، وارفعي رأسك عاليا كعلم البلاد العزيز، ورددا:

نحن جندُ الله..جندُ الوطن

إن دعا الداعي للفداء..لم نخُن !

ارفعي رأسك.ارفع رأسك، فأنتَ وأنتِ من غنى المغنون في شأن أمتهم العظيمة:

(داست على جلادها..وهي في سجونه..وأُستشهدت بجلال)

و(ونغني لك يا وطني..كما غنى الخليل..مثلما غنّت مهيرة..تُلهب الثوار جيلاً بعد جيل..ونغني لحريق المك في قلب الدخيل..للجسارة..حينما أُستشهد في مدفعه عبدالفضيل)

و(فداً لك العمر..ولولا الأسى لقلت تفديك الليالي الطوال)

و(عصينا عصينا وشلنا عصينا على الحرية منو بوصينا)

ارفعي رأسك.ارفع رأسك، فمن هنا نبدأ، من وحدتنا، من رغبتنا في الحرية، من رغبتنا في بناء وطنٍ عظيم في كلّ شيء، من درسنا كلّ أخطائنا، من وقوفنا بعد تعثرنا، من صيانة كرامتنا بعضنا بعضا، من مساواتنا، من مسيرتنا الكبرى باتجاه وطن حر ديمقراطي شامخ.

ارفع رأسك أنت سوداني.

ارفعي رأسك أنت سودانية.

وما أعظمه من وطن.

 

آراء