وباء التطرف الديني بجامعة مأمون حمَّيدة : الجذور التاريخية والاجتماعية .. بقلم: د. حمد عبد الهادي


منذ  منتصف العام  الماضي ؛ انشغل الرأي العام السوداني والمهني علي وجه الخصوص بأزمة طلاب جامعة العلوم والتكنولوجيا -المعروفة بإسم مُؤسِسها الدكتور مامون حمَّيدة – والتي تلخصت في تبني مجموعة من الطلاب المتميزين منهج التطرّف الديني ثم مغادرتهم البلاد سراً دون علم ذويهم  للإلتحاق بالجماعات المحاربة المُتْطرِّفة.  تباينت الاّراء حول مسببات الأزمة التي حاولت إدارة الجامعة أن تباعد من مسؤوليتها تجاهها و تصفها بالظاهرة التي انتشرت بين الشباب وأصبحت جامعتهم جزءاً منها . في محاولة لتشريح الأزمة نحاول إلقاء الضوء عن جذور المشكلة التي قد تكون خافية عن البعض وفيها نسهب بأن الخلل الأساسي في نمو وتطور الأزمة  يعود بجذوره التاريخية إلي الظروف والملابسات التي صاحبت تأسيس الجامعة .  برغم حساسية التطرق للأزمة وتقاطعها مع الكثير من ردود الأفعال لكلا الطرفين ، نجد لزاماً أن نصدع بالحق إيماناً بأهمية التوعية والتنوير نحو المجتمع ، لا سيما أن ألأزمة أصبحت قضية رأي عام ولا يجب أن تناقش وراء الكواليس.  

للتفريق بين الظاهرة والوباء ، نستصحب شرح المتحدث اللبق في مؤتمر علمي لقصة حقيقية معبَّرة  . سرد أنه تدرب علي يد خبير أمريكي حاذق في مكافحة العدوى سمع  يوماً بمرض اختصاصي الأنسجة بمرض حاد لم يتم تشخيصه أُدْخل بعده الى قسم الحالات الحرجة فعلق قائلاً أن تلك ظاهرة غريبة حيث لا يحدث ذلك كل يوم .وعندما أصيب بعدها بأيام زميله في القسم نفسه بأعراض مشابهة حيّرت الأطباء لمعرفة كنه المرض ، صرح بأن ذلك وباء  يجب تداركه. استفسره المتحدث عن إمكانية حدوث الوباء من حالتين فرد بالإيجاب وطفق في البحث والاستقصاء بزيارة مكان عملهم واستجواب زملائهم فعرف أن الاختصاصيين قد تم تحويل غرفة عملهم الأساسية  لإجراء بعض التعديلات . وعندما فحص غرفتهم  المؤقتة وجدها ضيقة عديمة التهوية فاستنتج أن بخار مادة الفورمالين الذي تحفظ فيه العينات المعملية قد تسرب بالاستنشاق وسبب تسمم حاد يحتاج الي العلاج السريع  ! فكانت فطنته وتقصيه سبباً في حل المعضلة وإنقاذ زميليه .

في مطلع التسعينيات من القرن الماضي ،  تنَامَى النشاط المعارض لطلاب جامعة الخرطوم فتم تعيين الدكتور مامون حمّيدة من قبل حكومة الإنقاذ مديراً للجامعة لقمع الطلاب  . في وقتها ،  أصدر مدير الجامعة قراراً في أيامه الأولي لتوليه السلطة بحظر النشاط السياسي والثقافي في حرم الجامعة حيث عدّها من مسببات عدم الاستقرار  ، لسنوات تليدة كان الطلاب يتغّشون سوح المبارزات الفكرية والثقافية في أوقات فراغهم ، التقليد الذي أعطي الجامعة علي مرِّ الزمان لونها ونكهتها منذ نشأتها ، وخلق أجيالاً من المثقفين والسياسيين شكّلوا وجدان الحركة الثقافية و الوطنية . بعد فشله وإعفائه من الجامعة ، أخذ الدكتور مامون حمّيدة يكتب في الصحف عن رؤيته المُثْلى لدور التعليم العالي في البلاد  ،  ثم لم يلبث أن أنشأ كلياته ثم جامعته برؤيته الخاصة وفيها حظر النشاط السياسي والثقافي ، ففي وجهة نظره الخاطئة أن الجامعة صرح أكاديمي يهتم بالتدريس والعمل الأكاديمي البحت ولا يجب أن يخلط معها أنشطة هدامة تخرّب العقول ! يتفق ذلك مع خلفيته كأكاديمي  لم يُعْرف له كسبٌ فِكري أو ثقافي . فات عليه أن الجامعة جامعة للعلوم والفكر أيضاً، مغذية للعقول ، منمِّية للفكر وأن معظم التطور الذهني يحدث للشباب في سنين الجامعة ليعدهم ليواجهوا رهق وتعقيد الحياة العملية ، وأن الحقّ لا يعرف حتي تتم مقارنته بالباطل ، وأن سديد الرأي يعضده الضدّ بالرأي الحصيف والرأي المخالف : هكذا سارت نواميس الحياة منذ الزمن السحيق.  

جرت الأقدار  ، أن واكب ذاك الزمان  تعريب الجامعات الحكومية ،  و صعوبة القبول بها لأبناء المغتربين و المهاجرين الذين بدأت طلائعهم في تسلق سلم التعليم العالي . أدت كل تلك الظروف أن لم يجد أولياء أمور الطلاب بُدّ من إرسال أبناءهم الي جامعته الجديدة مما ساهم  في نجاحها و دعمها المالي المنتظم من قبل الميسورين من أبناء الشعب مما خلق لها سمعة  طيبة لا سيما في سودان المهجر .  

 في ظلِّ الفراغ الفكري والثقافي لطلاب في فورة الشباب يضاف الي ذلك توفر الإمكانيات المادية  و غياب مراقبة ومتابعة  أولياء الأمور ، انجرف جزء مقدر من طلاب الجامعة نحو مغريات الحياة مما صار سمة لصيقة بالجامعة يدمغها بالتحرر الأخلاقي . بدلاً من أن تخاطب إدارة الجامعة أسَّ المشكلة ، عمدت إلي تنمية ما تراه مناسباً بالسماح بنشر الثقافة الإسلامية  بمحاضرات راتبة بما يتفق ورؤية مؤسسها ، أضف إلي إلي ذلك ضعف الجانب الديني  لكثير من أبناء المهاجرين و المغتربين. ولكن بدلاً من أن يتم ذلك بمراقبة ومتابعة لصيقة ، أو إختيار وسطية دينية مثلى ، تركت إدارة الجامعة الحبل علي الغارب ، فتسرب الفكر المتطرف  إلي حرم الجامعة بينما لم تسمح قوانين الجامعة بوجود فكر ومنهج الضد الذي ينير العقول ويساعد علي الوصول إلي غاية اليقين بعد السير فوق أشواك الارتياب و الشك  . ومما زاد الطين بلة ، وجود أعداد مقدرة من الطلاب أنقياء السريرة ، قليلي التجربة ، افتقدوا القدرة علي التمييز ، يعاني معظمهم من مشكلة الهوية التي أقعدت الوطن . فقد نشأ معظمهم بين جحيم الغرب في الخارج ورمضاء الشرق في الداخل فاختلط عليهم هدى السبيل الأمثل للحفاظ علي الهوية العربية الإسلامية في بحر متلاطم الأمواج ، أضف إلي ذلك التقوقع الذهني الذي صار سمة جيل الوسائط الاجتماعية مما زاد الشقة بينهم وبين ذويهم حاجباً للتلاقح الفكري القديم .  ساعد كل ذلك علي نشر الفكر المتطرف  بغسل الأدمغة ، والوعد بالحياة الأبدية ،  والتحرر من نفاق الدنيا  للدرجة التي أبعدت الإبن والإبنة  عن أقرب الأقربين ، والديهم الذين رعوهم من مهدهم ووفروا لهم سُبل العيش الكريم  ، حدث ذلك  رويداً ، رويداً حتي وقعت الطامة الكبري فأدخلت ذوي الطلاب في أكبر محنة  أسرية واجتماعية . ومما فاقم الأزمة أن الظاهرة الأولي  لم تمنع تفشي وباء تكرارها مما أدخل ذوي طلاب الجامعة في رعب يترقبون في وجل مما ستسفر عنه الأيام.

مما يتضح ؛ أدت الظروف والملابسات لخلق البيئة المثلى لنمو التطرف الديني بجامعة مأمون حميدة الذي تعود جذوره بشكل أساسي لتكوين الجامعة ومنهج مؤسسها وثمّ بيئتها و نوعية طلابها . رغم أن إدارة الجامعة حاولت ما استطاعت أن تبعد الشبهة عنها ، إلا أن كل الظروف والملابسات تشير إلي أن المسؤولية الأساسية تقع عليها لا سيما أن ناقوس الخطر لا بد أن يكون قد قرع قبل وقوع الطامة . فدور الجامعة ليس في العمل الأكاديمي والتدريس فحسب بل تطوير الفكر والسلوك ، ولا يتأتّي ذلك إلا بإيمان عميق بالعملية التربوية وتطوير إمكانيات الطالب الجامعي الذهنية و الفكرية . رغم أن ذوي الطلاب المكلومين لهم الحق  في مقاضاة الجامعة لمساءلتها ومحاسبتها في التفريط في الحفاظ علي فلذات أكبادهم ، إلا أنهم في الغالب سيتغاضون عن ذلك في الوقت الراهن حتي تتداول الأيام ، فليس هنالك في الدنيا  ما يعوض فقد الأبناء ، كما أننا نعيش في دولة لا تتسم بأسس العدل والإنصاف واحترام روح القانون . فأزمة كبري مثل هذه لها أبعادها الاجتماعية والسياسية والدولية ،  يستلزم الواجب  فتح تحقيق محايد لها من قبل جهات قانونية لها الخبرة العملية ، تستمع وتستجوب جميع الأطراف علها تصل إلي الحقيقة التي قد تشفي بعض غليل المكلومين .  

قد يرى البعض أن المشكلة قد مسّت فئة صفوية من قطاعات المجتمع لا يجب أن تعطى هذا القدر من الاهتمام  ، لكنهم لا بد أن ينظروا لتبعات  الأزمة علي الصعيدين المحلي و العالمي كما انْجَلَى  ، فأزمة التطرف الديني أصبحت تؤرق مضجع العالم بأسره  ، فثشريح أسبابها و ثمَّ محاصرتها أمر في غاية الأهمية يستوجب تضافر الجهود من كل قطاعات المجتمع. كما أن إلقاء اللوم علي الشباب اليافعين دون الوصول لأسباب الحقيقة يتنافى مع معاني العدل ،  الإنسانية وحقوق الإنسان  التي نطمح  إليها ، فربما كانوا ضحايا لا تنطبق عليهم شروط المسئولية الفردية ،  ولربما يقع اللوم علي جهاتِ مستترة غير مرئية.  نسأل الله أن يلطف بذوي الطلاب المفقودين ، و يلهمهم الصبر والسلوان  ، ويثبت قلوبهم حتي يأتيهم اليقين.   

hamadhadi@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً