ثمة نقلة كبيرة فى المربعات والتداول السلمى للسلطة تعيشها الخرطوم وبعض ولايات السودان هذه الأيام ! . لأول مرة منذ توليه منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية عقب مصرع قرنق على الطائرة الرئاسية اليوغندية فى سماء نيو سايت فى يوليو 2007م ، يشاهد الفريق أول سلفاكير ميار ديت يباشر هذه المهام وبصلاحيات كاملة ووجود دائم بعاصمة البلاد الخرطوم ! . لأول مرة فى تاريخ الاتفاق يتربع سلفا على سدة الحكم من الخرطوم فى غياب رئيس الجمهورية ونائبه الثانى ، عوضا عن جوبا التى حازت على اهتمام الحركة الشعبية وقائدها دون غيرها من مدن السودان وولاياته ال ( 25 )؟ . لأول مرة يتواجد زعيم الحركة بالخرطوم لفترة طويلة نوعا ما ، ويطوف ببعض أطراف الولاية ويتخذ قرارات رئاسية فى حرية تامة ، ويرأس مجلس الوزراء فى شراكة سياسية حقيقية كم نادينا بها عوضا عن التشاكش والهروب من المسئوليات الوطنية ، واثارة المخاوف والفتن وهو طرف أصيل فى تنفيذ كتاب السلام وتحمل تبعاته وازالة عثراته وترجمته الى واقع يعيشه الناس لا محض أمانى عصية المنال !. ولأول مرة فى صفحات قائد الحركة خروجه عن دائرة الجنوب الضيقة الى رحاب أطراف الجنوب وتخومه فى جنوب كردفان لمخاطبة المواطنيين فى هذه المنطقة ، وملامسة هموهم ومعاناتهم على الطبيعة دون مواربة أو انكفاء ، والتشاور معهم فى ايجاد الحلول وتطمينهم على مستقبل تعايشهم المجتمعى من واقع الحلول التى تجرى للمعضلات التى أثارت الكراهية والحروب بينهم ، وصرفتهم عن جادة الطريق والتواصل فيما بينهم فى انتظار المجهول واستدامة الصراعات والنزاع القبلى !. هذه الجولة التى قام بها سلفا لبعض مناطق الشمال كشفت عن توجهات جديدة وخطاب مستحدث لابد من الوقوف عنده ، وتحليله بموضوعية وامانة وطنية لجهة ما ان كان الخطاب يعكس نوايا جديدة وتوجهات حقيقية لدعم السلام وتجسيد الوحدة ؟ أم هو خطاب تكتيكى عارض أملته بعض الظروف الداخلية للحركة والواقع الذى تعيشه حكومة الجنوب فى ظل التحديات الكبيرة المتمثلة فى حالة انعدام الغذاء والدواء والتعليم ، جراء الفشل الادارى والفساد المالى والتناحر الذى تشهده بعض المناطق هناك !؟ . هذا الطريق الذى تسلكه الحركة الشعبية الآن وبرغم الضبابية التى تكتنفه والمعارضة التى يجدها من بعض قادتها فى الانعتاق والتحرر من عصبياتهم المشربة و مواقفهم القديمة التى تعكس بعض توجهات اليسار والعلمانية التى تصادم رغبات الأكثرية من أهل السودان ، ومناكفاتهم المعلنة والمستترة له مدلولات كبيرة ومغازى تحتاج من كل حادب على مصلحة البلاد واستدامة الاستقرار فى ربوع الوطن أن ينظر اليه بايجابية ويختبره ضمن السلوك الجمعى ومواقف أخرى لقادة الحركة ومواقعهم الدستورية والولائية ليقف الجميع على جوهر هذا التوجه والملابسات التى فرضته والدوافع من ورائه ؟!.
نحن أمام تقدم فى المفاهيم ، وتطور نوعى كم ظللنا ننادى به ووقتها الاتفاق لم يعبر أيا من مراحله ، وكان بالامكان أن تكون نتائجه مختلفة عن مردوده الآن ،والشكوك حول القائمين عليه كانت أكبر كون الناس عرفوا سلفاكير بخلفيات القائد العسكرى والمفاوض المتشدد ، وظلت مواقفه من الحرب والسلام والوحدة محل تباين بين المراقبين والمتابعين لشِاننا الداخلى !. أعقبت ذلك ظروف جديدة بعد رحيل قرنق وانقسمت الحركة فى داخلها الى تيارات بعضها ما يزال على جاهليته فى تحقيق حلم أسموه ( السودان الجديد ) وبعض قادتها يرون بضرورة المضى فى السلام وتعزيز فرص الوحدة تحت سقف واحد واشاعة التحول الديمقراطى لمستقبل أفضل لكل أبناء الوطن !. مؤثرات كثيرة داخلية وخارجية جعلت الحركة تعيش واقعا متناقضا ، وترسل بالاشارات المربكة مهما أضعف صورة رئيسها ، وحمل بعض الناس الى الزهد فى أى ايجابية يمكن أن تأتى من سلفا وسط هذا الصراع وتعدد الألسن التى تتحدث بها الحركة، والمعالجات التى تعملها لقضايا التى أعترضت مسيرتها على صعيد الوطن بنحو عام والجنوب بوجه خاص !؟ . وقعت الحركة ضحية فى براثن المخططات الاجنبية وسقطت فى امتحان شراكة السلام التى ترفضا هذه الدوائر حتى عامها الرابع حيث كثر الجدال فى الملفات المطوحة وأضحى التعنت والممطالة والتسويف والتمنع سمة ملازمة لمواقفها ما أن تتقدم فى أمر الا وتتراجع فى اليوم التالى بالقول والفعل والحيرة والدهشة تتملك المراقبين لواقعنا السياسى !. ركزت الحركة همها فى تنفيذ برامج كانت حصرية للجنوب على تقديرنا للأولولية التى فرضها الواقع تجاه انسان الجنوب بمحيطه الاستثنائى ، ولكن بالمقابل تخلفت الحركة عن قضايا الشمال وموطنيه فذهب المال الى جيوب قادتها والى الفوضى والمحسوبية فبات ينظر اليها فى الشمال بالسخرية والازدراء عندما فشل قائدها حتى فى عقد جولات استكشافية تطمئن أهله ، و تؤكد لمواطن الشمال أن سلفا هو النائب الأول لكل السودان بكل حدوده وموارده وانسانه لن تصرف التزاماته تجاه أهل الجنوب على مواقع البلاد الأخرى !!. أرادت الحركة أن تسهم فى ايجاد الحلول للأزمة فى دارفور فكانت تدخلاتها سلبية وعادت نتائجها وبالا على الحلول المطروحة ، بل أحدثت المزيد من الخلافات والأزمات على نحو ما تفعل مجموعة الأزمات الدولية ، لأنها عمدت لجذب الحركات المتمردة لصالحها لأجل تحقيق المكاسب السياسية ومحاصرة الحكومة وبرامجها لا اعمال الايجابية بالضغط عليها وتضييق الهوة والتقارب بين مكوناتنا السياسية والحزبية !!.
وبمثل ما طاش سهم الحركة فى مخاطبة القضايا الداخلية والتوافق بالتزام نهج حكومة وحدة وطنية كما أطلق على الحكومة التى أسسها الاتفاق ، ومسايرة هذه التوجه ودعمه منذ الوهلة الأولى ، اتخذت الحركة لنفسها مكانا لم تكن تملك أدواته وآلياته فعاد كسبها وضيعا ومتعثرا ، وبقيت صورتها مرتبكة لا تكاد تبين !. واتصل هذا المآل على شأننا الخارجى من واقع حملات التشويش والاثارة التى قادتها بهدف تقزيم شريكها واضعافه أو ابتزازه فأضاعت الوقت والجهد ، وبددت الموارد وصرفت الأنظار وما تزال مواقفها فى هذا الجانب تراوح مكانها !. الخطاب الذى أشاعه رئيس الحركة من جنوب كردفان على ( أن الوحدة خيار استراتيجى لحركته ، وأنه شخصيا سيصوت لصالحها، وأن نتيجة التحكيم بشأن أبيى لن تعيده الى الحرب حتى وان جاءت على خلاف ما تنشد الحركة الشعبية ) ، هذه التصريحات لا أحد يزايد على ايجابيتها بحسبانها نقطة تحول كبيرة فى الخطاب السياسى لسلفاكير يلزمها جهد أكبر لتثبيت هذا التوجه ودعوة أتباعه وانصاره للاصطفاف حول هذه الغاية !. الذى يريد الوحدة والاتفاق قد مضى عليه أكثر من أربعة أعوام وبدأ العد التنازلى بالأشهر لبقية الملفات العالقة عير أن يدفع بكل قوته وامكاناته صوب هذا الهدف ، ويحول المستحيل الى ممكن لتبقى الوحدة هى الخيار الجاذب !. ليس مقبولا ولا منطقيا أن يعلن رئيس الحركة عن انطلاقة عمل جدى كهذا صوب غاية هى روح الاتفاق وجوهره وبعض طاقمه ما يزال على هواه فى ارسال الاشارات المثبطة والخلافيات والارتهان ( لليانصيب) فى جعل الوحدة جاذبة وتحقيق ما نتطلع اليه !. لا يمكن أن تمسك الحركة بالعصا من نصفها فلا هى مع الحكومة ولا المعارضة وهى لم تخرج عن سلوكها القديم حينما تقول بدستورية الحكومة وشرعيتها بعد التاسع من يوليو ، وتقر فى ذات الوقت بشرعية ما تقول به المعارضة !. نريد لزعيم الحركة أن يمثل السودان من موقعه الذى جاء عبر اتفاق السلام ، ويعمل بمنهج السلام ونفسه الذى يقود الى الوحدة والأمن والاستقرار لا المكايدة السياسية وهزيمة البرامج التى تطرحها الدولة ، ومناقضة المواقف واعاقة المسير !. كيف لنا أن نصدق بتوجهات الحركة ووفدها الى واشنطون يراهن على نجاح التطبيع مع المؤتمر الوطنى دون اشارة منهم للامريكان بجعل ذلك ممكنا كما يقول عقار، الذى يعتبر أن الحركة الشعبية هى التى جاءت بشريكها الى واشنطون وهى القادرة على نسف أى جهود لهذه الغاية !!. نحن ما نزال فى بداية الطريق لكشف مستور ما أفصح عنه سلفاكير حتى نقف معه ان بقى رمزا للسلام والتزم الخطط والبرامج المؤدية اليه، عندها سيحوز على رضى كامل أهل السودان !.
نقول بذلك تجاه هذه الدعوة التى دشنها سلفا بشخصه كقائد للحركة ورئيس لحكومة الجنوب ونائب أول لرئيس الجمهورية ! ،وبعض مواقف الحركة الشعبية ما تزال فى تباعد مع مضمون هذا الخطاب ، حتى يقف قائد الحركة الى جانب الرئيس البشير فى معركته مع الجنائية ويرفض التعاون معها أو الانصياع لحججها الباطلة فى اتهام رأس الدولة ورمز سيادة الوطن ، لابد أن نسمع موقفا مغايرا يتسق وروح الوحدة التى هددها اتهام الجنائية ويسعى مدعيها العام لاعتقال رئيس البلاد فكيف أن نتفهم موقف الحركة وتناقضه فى شق الصف الوطنى وما تحقق من مساندة عربية وافريقية ودولية غير مسبوقة !. كيف نتبين طلاسم توجهات سلفا بشأن الوحدة وحركته لم تقبل بعد بنتائج الاحصاء السكانى الذى أدير بمهنية صرفة ومراقبة دولية تحت حكم حركته للجنوب ومشاركة عناصره !. كيف نقبل بوحدويته وحركته تضع مسودة للاستفتاء بخيارات مخيفة تأصل للانفصال والفرقة وتدعوا لها !. كيف نصدق ذلك والحركة تعمل جهدها وتكتيكاتها كى لا تقوم الانتخابات فى موعدها ، وتوالى حركة الأحزاب الفاشلة ومساعيها الرامية لقطع الطريق أمامها ، و التى ستضعها نتائج الانتخابات القادمة فى رصيف السياسة حينما تزن لها بحجمها الطبيعى !.نريد أن نرى سلفاكير وحدوديا طالما عبر عن هذا الهد ، ولكن ذلك لا يتأتى لمجرد حديث عابر وخطاب لا يسنده الواقع ولا تصدقه الحركة الشسياسية لحزبه الذى كرس السلاح ومطلوبات الأمن والدفاع صوب عدو مجهول ، وكان بالامكان توظيف هذه الموارد لبناء البنيات التحتية والخدمات ومؤسسات المجتمع المدنى لتجسيد الوحدة فى واقع الناس ، والناخب الذى سيصوت لأجلها !. نحن لا نندب حظنا ونتفاءل بهذه النقلة التى رمى بها قائد الحركة ولكنه المطلوب أن تتبع القول خطوات جادة وعمل كثيف يعزز توجهه ويبدد الشكوك حول نواياه وهنالك من يعمل لحمله فى لاتجاه الآخر داخل حركته ، ومن خلال الضغوط الخارجية التى هى أس البلاء فى تأخر هذا الاعلان …والايام كفيلة لسبر غور وحدودية القائد سلفا التى هى الآن فى محك تاريخى واختبار حقيقيى تراقبه كل نفس ظلت تعمل لأجل وطن واحد عزيز كم دمرته الحروب وخربت انسانه وموارده ، الا هل بلغت اللهم فأشهد !!…
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم