وحش العقول .. بقلم: منصور الصويّم
2 أبريل, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
32 زيارة
لو أتيح لأكثر الناس زيارة أحد المستشفيات النفسية في العاصمة الخرطوم، سيفاجأون بعدد الشباب صغار السن الذين يتلقون العلاج في هذه المستشفيات بعد إصاباتهم بأذى عقلي تتفاوت درجاته من حالة إلى أخرى، وستتحول هذه المفاجأة إلى صدمة مؤلمة حين يكتشف هؤلاء الزائرون أن الغالبية العظمى من هؤلاء المرضى الشباب هم من ضحايا المخدرات بشقيها الطبيعي والكيميائي.
ومسح أولى سريع سيؤكد للزائر أن المخدرات هي السبب الرئيسي في خراب عقول آلاف الشباب على امتداد أرض الوطن، هذا قياسا على أن النسبة التي تصل إلى المستشفيات النفسية في الخرطوم لن تعطي مؤشرا حقيقيا لعدد المصابين في بقية الولايات، وبلا شك أن العدد سيكون أضخم لاسيما في مناطق الإنتاج ومنافذ تصنيع وتهريب الحبوب المخدرة في الولايات الحدودية.
في تصريح أدلى به لصحيفة “الجريدة” مدير مكافحة المخدرات بولاية الخرطوم، العقيد شرطة فضل عبدو فضل، أكد ارتفاع نسب تعاطي المخدرات بين الطلاب خلال السنوات الخمس الأخيرة، وأكد أيضا انحسار مخدر البنقو و”سيطرة الشرطة عليه تماما”، إلا أن النسب المتصاعدة للتعاطي وسط الطلاب – بحسب تصريحه – بداية من 5% إلى 8% ثم إلى 19% تنذر بشر مستطير ينتظر مستقبل هذه البلاد، بما أن خراب عقول هؤلاء الطلاب يعني ضمنيا تعطل قدرات تدخرها البلاد لمستقبلها.
انتشار المخدرات بين الطلاب جزء من الأزمة الكبرى، إذ أن قطاع كبير من الشباب صغار السن أصبح بفعل الظروف الاقتصادية الأخيرة خارج المنظومة الطلابية وأدمج أكثر هؤلاء الشباب – بسبب هذه الظروف – في سوق العمل الحر، لاسيما الأعمال الشاقة التي تتطلب من هم في سنهم لحماسهم الشبابي وقدرتهم على التحمل، ومن بين هذه المهن الشاقة – الأكثر انتشارا – العمل على قيادة “الركشة” و”الدباب”، وهي مهن تتطلب يقظة وتركيزا وتحملا على مدار اليوم، الأمر الذي قد يغري تجار المخدرات الكيمائية “الحبوب – الخرشة” لتوزيع بضائعهم القاتلة بين هؤلاء الشباب الصغار بحجة أنها منشطة ومقوية وتساعد على العمل في الليل. وهنا، أورد حديثا أسر لي به أحد “سواقين الركشات”، إذ أخبرني أن هناك أشخاصا يطوفون بالفعل على سائقي الركشات بهدف إغرائهم لشراء وتناول هذه الحبوب.
حروب المخدرات معروفة منذ أقدم العصور، ولعل أشهرها حرب “الأفيون” التي واجهتها الصين في القرن قبل الماضي، وتمكنت بفعل سياسة دولتها الرشيدة من تجاوزها وإنقاذ البلاد من مستقبل مظلم، ما يواجه السودان الآن حرب مخدرات مفتوحة، تسهم في استمرارها عوامل متعددة منها الاقتصادي ومنها المتعلق بالموقع الجغرافي ومنها بلا شك السياسي، الأمر يحتاج وقفة وموقفا أشبه بالموقف الصيني حتى يتم القضاء على هذا الوحش في مهده، رغما عن الفارق بين الحالتين.
mnsooyem@gmail.com