بقلم: هشام الحلو
كنتَ أنت هناك وحدك، وحيداً مثل نجمة لامعة في سرمدها البعيد.. كنتَ الفرح الذي دخل بيوتنا وقلوبنا وشوارع مدينتنا، كنت الحلم الذي صحونا يوماً به وما زالت بقايا أطيافه في دواخلنا، كنت الظل الذي رافقنا في مشوار عمرنا ولم يشكُ من طول الطريق. كنتَ منا ولست منهم؛ كادحاً مثلنا، تحب الفقراء والمساكين، وأياديك البيضاء هناك في السماء البعيدة تلوح لنا، تخبرنا الطيور التي تحبها وتحبك —والتي لا تعرف لها خارطة ولا جواز سفر— بأن صوتك الشجي ما زال يشدو في سماء مدينتنا.
عندما أستمع اليوم إليك ولأغانيك الرائعة، أحس بالحنين لذلك الزمن الجميل؛ زمنٍ ولى ولن يعود، زمنٍ أخذ معه ما أخذ من الأهل والأصحاب والأيام والذكريات الشجية. استمعنا إليك ونحن صغار في أوقات المراهقة الأولى في أواخر الثمانينيات، وكنت وقتها في قمة عطائك الفني، كنت أسمعك في اليوم أكثر من مرة بشكل فردي، وأحياناً جماعي، حيث كنا نجتمع شلة من الأصحاب والأحباب حول المسجل في ذاك الزمن الجميل، ونتداول أشرطة الكاسيت فيما بيننا.
وكان من محاسن الصدف أن تأتي إلينا أنت بنفسك، بكل بهائك وطلتك إلى «حلتنا»، لتقوم بإحياء حفلة عرس لأحد جيراننا؛ ألم نخبرك بأننا تجهزنا لذلك الحدث العظيم باكراً قبل أسبوع من قيام الحفلة؟ كنت أنت الحدث الشاغل والأهم لأفراد «الحلة» في ذلك الوقت، الكل مستعد ويمني نفسه بلقياك. أطللت علينا في تلك الليلة الصيفية الحارة، ليلة حارة بالأشواق والهوى والحب المستحيل، وغنيت لنا فيها ما غنيت من أغانيك الرائعة: «حاجة فيك»، «السمحة قالوا مرحلة»، «في عينيك عشم باكر»، «عارفني منك»، و«لمحتك».
لا أدري لماذا كلما أستمع لأغانيك أحس بحرقة وغصة في الحلق وبعضٍ من الشجن الأليم، لا أدري لماذا كلما أستمع لأغانيك أو يأتيني صوتك عبر مذياع عتيق في حافلة نقل متهالكة أحس بحزن دفين بين الضلوع. لا أدري لماذا يذكرني صوتك —أنت وحدك— بتلك الفتاة السمراء الحسناء الممشوقة القوام، التي قامت من بيننا في ذاك العرس الصباحي وطلبت منك أن تغني لها أغنية «غدار دموعك»، وهي من الأغاني التي كانت لها مكانة خاصة عندك؛ غنيتها لها ولنا بالعود كما لم تغنها لأحد من قبل، لقد كنت مجاملاً وبسيطاً ومتواضعاً أمام جمهورك لأبعد الحدود، لقد كنت منا وفينا.
يقول عنك رفيق دربك الشاعر مدني النخلي:
مصطفى لمس بأعماله الغنائية تطلعات وطموح العامة من الناس الذين طالما حلموا بمن يغني بأصواتهم وينقل أحلامهم وحنينهم لأزمنة الغناء في الهواء الطلق، واستطاع أن يأتي بهؤلاء إلى مسرح الحياة العامة ويتوجهم أبطال التعب والكفاح والنضال لأجل الحياة الكريمة”.
ما يميز مصطفى عن غيره من المغنين أنه كان ينزف ليهب الحياة لغيره، يسهر لينام الطفل ملء جفنيه، يحزن ليعم الفرح كل أرجاء الدنيا، يموت لتبقى كلمته صادقة قوية، تتحرك في زحام الحياة اليومي لتعلن قدوم الفجر وعليل النسائم وبهاء الفكر وعظمة الفنان الإنسان.
مات مصطفى ولم تمت الفكرة.. مصطفى سيد أحمد فنان شفاف و«زول» من الزمن الجميل، له المغفرة والرحمة.
