وداعاً .. نصفي الآخر (5) .. بقلم: د. زهير عامر محمد المملكة المتحدة

الشمس تلقي ثوبها الذهبي الفاتن علي جسد القرية العذراء المتمدد علي ضفاف النيل، تنشر هذا الدف الجميل، تداعب عيون القرية الناعسة، تقبل شفاهها السمراء المخضبة بطمي النيل، تتحسس أطرافها الخضراء وقد تشابكت مع أوراق الصفصاف، كمحب عاشق متيم عاد من بعيد، عاد بعد طول غياب، يخشي أن تبعد عنه محبوبته، فيضمها إلى صدره، ويقسم بعينيها أن لا يغيب، يقسم بسواد رموشها أن يبقي إلى جوارها، يبقي علي وعده القديم، يصون قصة عشقه الأول.
علي ضفة النيل وقف حسب الله، إبن جبال النوبة، يرمي سنارته في جوف النيل، يطمع في أن يصطاد شيئاً من هذا الساحر الجارف، أعتاد أن يلقي بسنارته كل صباح،ويذهب ليقضي بعض أعماله ثم يعود إليها بعد حين عساها تأتي له بصيد يسر قلبه، أو يذهب عند المغيب وهو حامد لله في كل حال وكل زمان.
حسب الله،حاله في قريتي مثل الحاج بلال اكول واخرين كثر إحتصنتهم بلدتي، ضمتهم إلى صدرها الحاني، ومسحت علي رؤسهم بكل الود والحب، فأصبحت وطنهم الكبير.قدم من جبال النوبة منذ سنين خلت، إنتهي به المقام أن يعيش مع الشيخ علي الإمام، مؤذن المسجد العتيق، ذاك الشيخ الذي يقضي يومه ذهاباً وإيابا للمسجد، داعياً للصلاة والفلاح.حسب الله أصبح إبنهم وراعيهم، إبن الشيخ علي مهندس ينقب عن النفط في أغوار الجنوب، المهندس عمر يقضي معظم شهور السنة في رحاب هجليج، باحثا ومنقبا للذهب الأسود، هي الأقدار تجعل إبن جبال النوبة يسكن ويعيش مع والديه كبار السن، وهي الأقدار التي تجعله يشعر بالطمأنينة عليهما مع حسب الله، الذي طاب له المقام بينهم.حسب الله، مثله مثل نفر كريم، جلبته الحياة إلى بلدتي، فوجد الأهل، وجد الأمان  والسلام،ووجد سبل كسب العيش الشريف. عندما قدم حسب الله الي القرية، عاش يحرس إحدي البيوت المهجورة، هاجر أهلها ولكنها محبوبة الي نفوسهم، هاجروا بعد أن أرغمهم ضيق الحال، فلم يهن عليهم أن يتركوها مهجورة، فكان امثال حسب الله يسكنونها ويحرسونها، عسي ذلك أن يخفف علي أهلها ألم فراقها، وحزن بعدهم عنها. قد يأتون يوماً ما، أو قد لايأتون، لكنهم يشعرون ان هناك شئ باق خلفهم، هناك بيت، هناك وطن قد يعودوا اليه في زمن ما، هذا هو املهم وهذه غايتهم.
عاش حسب الله عاملاً بسيطاً يأكل من رزق اليوم باليوم، يخرج صباحاً إلى ضفاف النيل يلقي سنارته، يقضي بقية يومه وسط اشجار النخيل، يقطع اسعاف النخيل البالية، بعد ان ذبلت في أطرافها الحياة، ويضع بعض الصفائح الحديدية علي الأطراف الأخرى التي بدات تدب فيها الحياة.وعند المغيب يحمل ماجادت به سنارته ومعها أجره من عناء يومه الطويل.  
في كل عام يذهب حسب الله إلى قريته الصغيرة في أحضان جبال النوبة، في كل عام يحرص أن يحمل معه قليلاً من ماء النيل، يقطع كل هذه الصحاري والفيافي والوديان، وعند وصوله إلى مشارف قريته يسكب قليلاً منها علي تلالها ورمالها، يقول أن هذا يربط النيل بالجبل، ماء النيل الطاهر العذب يربط جبال النوبة مع جبال البركل، ماء النيل يربط شماله بجنوبه.وعند عودته يفعل الشئ نفسه، يحمل قليلا من مياة الجبال ويسكبه عند وصوله في جوف النيل، ليبقي الوطن واحداً، يربطه النيل والجبل، الجبل يحمل في جوفه ذهبا أصفرا وأسودا، والنيل يبعث الحياة خضرة ونضرة.

*قصة قصيرة من خيال الكاتب، الاسماء والشخصيات واﻷمكنة غير واقعية، اذا حدث اي تطابق فتلك محض صدفة.
zuheiramir@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً